استدامة الفوضى:
تعثر خيار تسوية الصراعات المسلحة في المنطقة العربية (ملف خاص)

استدامة الفوضى:

تعثر خيار تسوية الصراعات المسلحة في المنطقة العربية (ملف خاص)



تعكس عملية استدامة الصراعات في المنطقة العربية، تعثر التسويات السياسية، أو عدم صمودها حينما يتم التوصل إليها في بعض حالات الصراع، وبالتالي فإن حالة الصراعات العربية كاشفة عن أن خيار التسوية ليس خياراً استراتيجياً، وأن قوى الصراع لا تزال ترى أن الاحتكام إلى السلاح هو خيارها المفضل. ويعود ذلك إلى عدة أسباب منها على سبيل المثال: انهيار الدولة الوطنية، وبالتبعية صعود قوى اللا دولة التي تعمل كوكيل لقوى خارجية توظفها كورقة إما لتهديد قوى إقليمية أخرى، أو للحصول على مكاسب ومصالح مختلفة، بالإضافة إلى فوضى السلاح المنتشرة في المنطقة نتيجة عدم القدرة على تقويض مصادر الإمداد، إلى جانب المكاسب الاقتصادية والسياسية التي شجعت أمراء الحرب على التمادي في حالة الفوضى.

ومن الناحية السياسية فإن التشابكات الصعبة ما بين ملفات الأزمات، وتعدد الأزمات ذاتها في حالات الصراع، شكلت تحدياً كبيراً أمام المبعوثين الأمميين المعنيين بالتوصل إلى تسويات لهذه الصراعات “الممتدة”، فضلاً عن تداعياتها من أزمات إنسانية كارثية في بعض الحالات دفعت البعثات الأممية إلى التعامل مع الصراعات بذهنية التفكيك لعدم قدرتها على حل الأزمات مرة واحدة، إلى جانب تعدد الفاعلين في الصراعات، من القوى المحلية والخارجية، وانعدام الإرادة السياسية لدى هذه الأطراف تجاه عملية التسوية، وبالتالي أصبحت تتعاطى مع التسوية الجزئية كمسكنات وليست كحلول نهائية في ظل تبني مسار إدارة الأزمات وليس التوصل إلى آليات للتسوية.

إن المحصّلة الإجمالية لهذه الأسباب كاشفة عن عدة محاور رئيسية تجيب عن التساؤل الخاص بأسباب تعثر خيار تسوية الصراعات المسلحة في المنطقة العربية، ومنها:

1– ضعف مناعة الدولة الوطنية العربية: وذلك في كافة دول الصراعات، خاصة وأن القاسم المشترك بينها جميعاً هو انهيار أو تفكك مؤسسات الدولة، ولا سيما المؤسسة العسكرية التي تمثل النواة الصلبة للدولة، واستمرار محاولات ضرب أي مشروعات لإعادة بناء المؤسسة العسكرية، أو خوض حرب استنزاف ضد الهياكل العسكرية شبه النظامية التي يمكن أن تشكل نواة للجيوش في المستقبل، كما أن أغلب الفاعلين ما دون الدولة يعوقون التفاوض حول عمليات تسليم السلاح أو إعادة تنظيم البيئة الأمنية، أو حتى التوصل إلى اتفاق لوقف إطلاق النار التي تستغله في أغلب الأحيان كفرصة لتعزيز قدراتها وبناء اصطفافات أو تحالفات جديدة، حتى لا تسمح في الأخير بفرصة للاستقرار، وتقويض كافة محاولات إعادة بناء المؤسسات ولا سيما المؤسسة العسكرية.

2– غياب منظومة الأمن العربي: حيث تكشف التجربة الإقليمية في إطار ملف الصراعات تحدي بناء منظومة أمن جماعي أو شبه جماعي عربي، في ظل حالة السيولة الراهنة في النظام الإقليمي الذي يشهد إما تنافساً بين بعض الأطراف العربية، أو تصادماً بين القوى العربية والقوى الإقليمية غير العربية، فثمة تباين في وجهة نظر الدول العربية لهذه الصراعات، فالبعض يتعامل معها على أنها تهديد يتطلب الردع عبر الانخراط المباشر في هذه الصراعات، والبعض الآخر يتعاطى معها بحسب انعكاساتها على أمنه القومي، وفي الوقت ذاته لا يوجد منظور موحد للتصدي لمشروعات القوى الإقليمية غير العربية التي تشعل تلك الصراعات في المنطقة، ولها دور واضح في إفشال أو إحباط إنجاز التسويات السياسية في الصراعات.

3- انعكاسات المتغيرات الراهنة في النظام الدولي: لا سيما في ظل صعود اهتمام القوى الدولية الكبرى كالصين وروسيا بالمنطقة، مقابل تراجع اهتمام الولايات المتحدة بها، والتي كان لها ثقل كبير ومؤثر في المنطقة، فمن اللافت أن الولايات المتحدة لديها مبعوثون بشكل خاص إلى دول الصراعات، لكن من الواضح أن هؤلاء المبعوثين غير قادرين على إحداث اختراق سياسي في ملفات التسوية، وبالتالي اهتزت الثقة في الولايات المتحدة من جهة كحليف للقوى العربية، كما أنّ هناك تأثير قوى عالمية منافسة مثل الصين وروسيا تنامى نتيجة تراجع الاهتمام الأمريكي بالمنطقة لسد فراغ أو تراجع الدور الأمريكي من جهة أخرى.

4- ضعف مضامين وآليات التسوية السياسية: إذ إن القوى المتصارعة تستهدف هندسة عملية التسوية السياسية بما يتماشى مع شرعنة وجودها كسلطة أمر واقع، وهو ما يظهر في صعوبات إنجاز مراحل الانتقال السياسي كمرحلة وسيطة ما بين مرحلتي الصراع والاستقرار، كما في حالتي العراق وليبيا على سبيل المثال لا الحصر، حيث توظفها القوى المتصارعة كاستراحة محاربين، كما توظفها النخبة السياسية كفرصة لإعادة التموضع السياسي مرة أخرى، مع الوضع في الاعتبار أن الأمم المتحدة التي تعد اللاعب الرئيسي المخول بهندسة عملية الانتقال السياسي عبر وضع خرائط طريق، تحولت في بعض الحالات من لعب دور الوسيط إلى طرف في الأزمات، أو كمحور للاستقطاب تتنافس عليه القوى المتصارعة، وهو ما يعكس من جانب آخر ضعف الدور الأممي في ملفات الصراعات بالمنطقة.

5- غلبة الخيار العسكري كمدخل لحسم مراوحة الصراعات: سيظل الخيار العسكري هو الخيار المفضل لدى أطراف الصراع، فيما سيبقى خيار التسوية هو الخيار المؤجل، كما هو الحال في الأزمة اليمنية، أو خياراً غير فعال في بعض الحالات التي شهدت نماذج هشة من التسويات الانتقالية، كما هو الوضع في الأزمتين الليبية والعراقية، وسيظل هذا الخيار رهناً بأدوار الفاعلين من غير الدول وأجندات القوى الإقليمية غير العربية، وحالة الاضطراب بشكل عام في النظامين الإقليمي والدولي.

انطلاقاً مما سبق، يسعى هذا الملف الذي يضم تحليلات وتقديرات مركز العالم العربي وفريق موقع الحائط العربي إلى تسليط الضوء على دوافع وأسباب تعثر خيار تسوية الصراعات المسلحة في المنطقة العربية.

موضوعات الملف

1- سياقات مُقيَّدة: لماذا تتعثر المصالحة الوطنية في المنطقة العربية؟

2- ملفات شائكة: تحديات إنجاح الحوارات الوطنية في الدول العربية

3- إشكاليات هيكلية: لماذا تتصاعد ظاهرة “الحكومات المتعثرة” في الشرق الأوسط؟

4- صراع المصالح: لماذا تتواصل الانقسامات السياسية داخل دول الأزمات؟

5- دائرة مُفرَغة: إعادة إنتاج “السلطة” لا “الدولة” في صراعات وأزمات المنطقة

6- تراكم المُهدِّدات: تحالفات الفاعلين من دون الدولة في المنطقة

7- ظاهرة متنامية: التأثيرات المتصاعدة للامتدادات الإقليمية على العلاقات بين الدول العربية

8- ملف شائك: صعوبات ضبط أدوار المليشيات في مراحل الانتقال السياسي

9- تأثيرات سلبية: انعكاسات تنامي ظاهرة “الوكلاء” على الجيوش في المنطقة

10- انكشاف الوكلاء: تداعيات التصعيد ضد مليشيات إيران في المنطقة

11- إشكاليات العودة: أين يذهب المرتزقة والمقاتلون الأجانب في مرحلة ما بعد الصراعات؟

12- إنضاج التسوية: فرص وتحديات تمديد مراحل الانتقال السياسي في أزمات المنطقة

13- مرحلة رمادية: ملامح الفترات البينية في عمليات الانتقال السياسي بدول الأزمات

14- كرة الثلج: انعكاسات ظاهرة تأسيس “الأقاليم الداخلية” في دول الأزمات بالمنطقة

15- تطوير القدرات: “لعبة الحرب” واستراتيجيات التسلح في الشرق الأوسط

16- مرحلة ضبابية: ملامح أدوار القوى الغربية بعد الانسحاب العسكري من المنطقة

17- رسائل الردع: التوظيف الاستراتيجي لتجارب الأسلحة في الصراعات الإقليمية

18- نماذج مستعصية: فاعلية برامج DDR في دول الصراعات العربية

19- إدارة الأزمات: التسويات الممتدة كمدخل لحل معضلة الصراعات المستدامة