مرآة كاشفة:
كيف تعكس أوضاع القضاء تفاعلات دول الشرق الأوسط؟

مرآة كاشفة:

كيف تعكس أوضاع القضاء تفاعلات دول الشرق الأوسط؟



تمثل أوضاع القضاء مرآة عاكسة لما يجري في دول الشرق الأوسط، على مدار عام 2021، وهو ما عبّرت عنه حالات عدة مثل تطوير المنظومة القضائية في مصر بما يشير إلى استعادة مؤسسات الدولة عافيتها في عهد الرئيس عبدالفتاح السيسي بعد سنوات من الاضطراب، ودعوة الرئيس التونسي قيس سعيّد القضاء لإنفاذ القانون في البلاد في سياق حربه على الفساد، وإنهاء عمل القضاة في المؤسسات السياسية بتونس، ومواصلة لجنة إزالة التمكين في السودان قراراتها بفصل أعضاء من السلطة القضائية والنيابة العامة المحسوبين على نظام الإنقاذ، وممارسة حزب الله وحركة أمل ضغوط على المحقق العدلي في انفجار مرفأ بيروت وهو ما يلقي بأعباء مضاعفة على حكومة نجيب ميقاتي، واستبدال حركة “طالبان” القضاة في الحكومة السابقة بأفغانستان بموالين لها ومنع القاضيات من العودة إلى عملهن بعد وصول الحركة إلى السلطة، وتوظيف القضاء للتضييق على الحريات العامة في إيران.

تشير التفاعلات الجارية في دول الإقليم، وبشكل خاص في مصر وتونس والسودان ولبنان وأفغانستان، إلى أن الأوضاع التي يشهدها سلك القضاء تمثل حالة كاشفة لها، إيجاباً وسلباً، وذلك على النحو التالي:

تطوير متعدد

1- تطوير المنظومة القضائية بأشكال مختلفة في مصر: نظّمت وزارة العدل، في 2 أكتوبر الجاري، في مركز المنارة بالتجمع الخامس، احتفالية كبرى بمناسبة الاحتفال بالعيد الأول لقضاة مصر، الذي حدده المجلس الأعلى للسلطات القضائية برئاسة الرئيس عبدالفتاح السيسي في يونيو الماضي. وقد شهد عهد الرئيس السيسي تطوير المنظومة القضائية بأشكال مختلفة منها تحقيق المساواة الكاملة بين الرجل والمرأة في تولي الوظائف القضائية في جميع الهيئات القضائية. ويشهد العام القضائي الجديد بدء عمل 11 قاضية في النيابة العامة، وهو ما يمثل سابقة تاريخية. كما تم تعيين عدد من عضوات هيئة النيابة الإدارية وهيئة قضايا الدولة اعتباراً من بداية العام القضائي الجديد بمجلس الدولة. وكذلك تحقيق المساواة في الدخل والمرتبات بين النظراء في كل جهة وهيئة قضائية.

كما تبذل جهود متواصلة على صعيد ميكنة مقار وأبنية المحاكم على مستوى مختلف محافظات مصر، وتعزيز استخدام أحدث الوسائل والتقنيات التكنولوجية في منظومة عمل المحاكم، بهدف الإسراع في إجراءات التقاضي والتيسير على المواطنين وتحقيق أعلى درجات العدالة الناجزة لاسيما في ظل العمل تحت ظروف استثنائية في ظل انتشار جائحة كورونا. وتوازى مع ذلك تعديل بعض التشريعات التي تعيق عمل التقاضي، فضلاً عن إعداد دورات تأهيلية للقضاة في جميع درجات وأنواع المحاكم لأداء أعمالهم بشكل أفضل. ولعل ذلك يعكس إدراك القيادة السياسية لأهمية استقلال القضاء وعدم التدخل في شئونه والارتقاء ببيئة العمل الإداري له وتعظيم الجانب الخاص برفع القدرات لأعضائه.

وفي هذا السياق، قال الرئيس عبدالفتاح السيسي في كلمته بمناسبة يوم “حراس العدالة” أن “تنظيم مرفق العدالة وإدارتها بفاعلية وكفاءة، مسألة ضرورية في بناء دولة القانون التي كفّل الدستور لها استقلال السلطة القضائية، وجعل هذا الاستقلال حائلاً دون التدخل في أعمالها أو التأثير عليها لضمان صدور الأحكام القضائية، وفقاً لقواعد الإنصاف والحماية للمتقاضين”، مؤكداً أن “تحصين الأحكام بالعدل والعلم والنزاهة، يعزز من رسالة السلطة القضائية السامية”.

مواجهة الفساد

2- دعوة الرئيس التونسي القضاء لإنفاذ القانون في البلاد: في إطار استكمال حربه على الفساد واللوبيات وشبكات المصالح، دعا الرئيس التونسي قيس سعيّد، خلال لقائه بوزير الداخلية السابق رضا غرسلاوي في 9 أكتوبر الجاري، القضاء إلى لعب دوره كاملاً في هذه المرحلة التاريخية التي تعيشها تونس، والحرص على إنفاذ القانون في البلاد، مؤكداً أن “مرحلة خدمة اللوبيات والمصالح الشخصية انتهت، وبدأت مرحلة جديدة في تونس لتلبية إرادة ومطالب الشعب”. ولعل ذلك يعكس العلاقة التوافقية بين الرئيس سعيّد والتيار الرئيسي في السلطة القضائية بعد تأييدها للإجراءات الاستثنائية التي اتخذها.

إذ قالت جمعية القضاة التونسية، في بيان لها بتاريخ 27 يوليو الماضي، أن “الأزمة المستفحلة التي تشهدها الدولة التونسية على كافة المستويات السياسية والاجتماعية والاقتصادية والصحية وما أفرزته من انسداد آفاق وما أدت إليه من احتجاجات شعبية في كافة جهات الجمهورية إنما هى بالأساس نتاج تعطيل مسار الانتقال الديمقراطي من طرف منظومات الحكم المتعاقبة منذ الثورة والخيارات الفاشلة للأحزاب الحاكمة والمجافية لتطلعات الشعب الحقيقية وما دأبت عليه من خرق متواصل للدستور”.

وطالبت الجمعية الرئيس سعيّد بـ”ضرورة التسريع في إنهاء العمل بالتدابير الاستثنائية والإفصاح عن آليات استئناف المسار الديمقراطي الحامي للحقوق والحريات وللسير العادي لمؤسسات الدولة في إطار خيارات وطنية تشارك فيها جميع القوى الوطنية المدنية تعمل على تصحيح المسار الديمقراطي وتضع كافة الضمانات لإنجاحه”. كما طالبت الجمعية النيابة العمومية بـ”الاضطلاع بدورها الحقيقي والمستوجب في حماية المجتمع والدولة من الجريمة بجميع أشكالها وخاصة جرائم الفساد والإرهاب التي أعاقت الانتقال الديمقراطي وتتبع كل مرتكبيها مهما كانت صفاتهم ومواقعهم إنفاذاً للقانون وقطعاً مع الإفلات من العقاب وتحقيقاً للعدالة المجتمعية وإنجاحاً للتجربة الديمقراطية”.

استقلالية قضائية

3- إنهاء عمل القضاة في المؤسسات السياسية بتونس: قرر المجلس الأعلى للقضاء، في 9 يونيو الماضي، إنهاء عمل القضاة في الوظائف السياسية بمؤسسات الدولة العليا، وذلك من أجل النأى بالسلطة القضائية عن التجاذبات والصراعات السياسية، ولحماية استقلالية القضاء، وهو ما جاء في بيان رسمي قال فيه المجلس إنه “أصدر قرارات فردية بإنهاء إلحاق القضاة العدليين الشاغلين لمناصب برئاسة الجمهورية ورئاسات الحكومة والوزارات والهيئات التي لا يفرض القانون وجوب وجود قاض عدلي ضمن تركيبتها وإصدار مذكرات تعيين وقتية في شأنهم”.

وأوضح المجلس أن قراره جاء “بعد تدارس المجلس القضاء العدلي ما آل إليه الوضع القضائي وحرصاً منه على تكريس مبادئ الاستقلالية والحيد والنأى بالسلطة القضائية عن جميع التجاذبات السياسية”، مؤكداً أن الهدف منه هو “المحافظة على سمعة القضاء والقضاة وكرامتهم والنأى بهم عن حملات التشكيك والتشويه ومحاولة الزج بهم في الصراعات السياسية”. ولعل ذلك مرتبط بدرجة كثيرة بحالة الجدل التي أثيرت بشأن تعيين قضاة في مناصب سياسية قيادية داخل مؤسسات الدولة، على نحو أثر على استقلالية العدالة في البلاد، خاصة بعد ثبوت التداخل بين القضاء والسلطة السياسية.

متاهة الانتقال

4- فصل أعضاء من السلطة القضائية والنيابة العامة بالسودان: أعلنت لجنة إزالة التمكين، في مؤتمر صحفي بتاريخ 5 أكتوبر الجاري، أن مهمتها لن تتوقف وستواجه أى مخططات سياسية، واتهمت اللجنة المحكمة العليا بمحاولة إجهاض الثورة التي قادت إلى إسقاط نظام الإنقاذ برئاسة عمر البشير. وأضافت اللجنة: “إن معارضة جزء من السلطة الانتقالية لعمل اللجنة مهدد لها”. وقد جاء ذلك البيان بعد إبطال المحكمة العليا في وقت سابق القرارات الصادرة من لجنة إزالة التمكين في مواجهة المفصولين من السلطة القضائية والنيابة العامة، وذلك لـ”عدم اختصاص الجهة التي أصدرته”.

إذ شهدت الفترة الأخيرة اتخاذ لجنة إزالة التمكين ومحاربة الفساد واسترداد الأموال في السودان قرارات بإنهاء خدمة 17 قاضياً، منهم 10 في المحكمة العليا، وفي أعقاب قرار الفصل، قرر نادي القضاة تعليق جميع المحاكم في البلاد لمدة 3 أيام اعتباراً من 26 سبتمبر الفائت. وقال نادي القضاة أن تعليق العمل جاء بعد صدور قرار الفصل، واستجابة لمطالب القضاة بمختلف درجاتهم وإصرارهم على اتخاذ موقف رافض له. ووصف البيان القرار الصادر من لجنة إزالة التمكين بأنه عبارة عن “تصفية حسابات بسبب اختلاف وجهات النظر”، مشيراً إلى أنه “أمر مؤسف سيؤدي إلى تعقيد المشهد الماثل بالسلطة القضائية”.

ضغوط سياسية

5- ممارسة ضغوط على المحقق القضائي في مرفأ بيروت: تصاعد التوتر داخل لبنان، في النصف الأول من أكتوبر الجاري، بعد الهجوم المتزايد من قبل حزب الله وحركة أمل بالإضافة إلى تيار المردة المتحالف معهما على المحقق العدلي في انفجار مرفأ بيروت القاضي طارق بيطار ومطالبتهما بإقالته، واتهامه بإجراء تحقيق مسيّس يستهدف أشخاصاً بعينهم، غير أن هناك اتجاهاً آخر يرى أن هناك نية لعرقلة جهوده لاستجواب كبار المسئولين للاشتباه بأنهم كانوا على علم بالمواد الكيميائية المخزنة ولكنهم لم يفعلوا شيئاً، وهو ما يجعل البلاد مُعرَّضة لتأزيم سياسي مضاعف في الوقت الذي تحاول حكومة نجيب ميقاتي تجاوز الأزمة الاقتصادية الحادة من خلال مفاوضات مع صندوق النقد الدولي.

وهنا تجدر الإشارة إلى أن ثمة صعوبات تواجه تنحية قاضي ثاني بعد إقالة المحقق الأول في فبراير الماضي عندما قبلت المحكمة شكوى تشكك في حياده، إذ يؤدي ذلك إلى اعتداء واضح على الفصل بين السلطات في لبنان في حال استبدال بيطار بقاضٍ آخر. كما أن إرجاء التحقيقات أو الاستجابة لضغوط حزب الله وحلفاءه يضعف من حكومة ميقاتي ويهز شرعيتها. علاوة على أن القوى الدولية المعنية باستقرار لبنان، وخاصة فرنسا والولايات المتحدة، تريد إجراء تحقيق شفاف وفعّال في قضية انفجار مرفأ بيروت، وتتهم واشنطن حزب الله الذي تعتبره منظمة إرهابية بترهيب القضاء، مع الأخذ في الاعتبار أن التحقيقات لم تطل الحزب مباشرة بل طالت شخصيات حليفة له، وهو ما يعكس قلق الحزب من الادعاءات القائمة.

انتقام “طالبان”

6- استبدال القضاة في الحكومة الأفغانية السابقة بموالين لـ”طالبان”: منذ استيلائها على الحكم والسيطرة على العاصمة كابول، في 16 أغسطس الماضي، اتخذت حركة “طالبان” جملة من القرارات، من أبرزها استبدال جميع القضاة، ذكوراً وإناثاً، في الحكومة السابقة وتعيين موالين لها، واستثناء المرأة من العمل العام، ومنع القاضيات من العودة لعملهن. بل إن هناك خطراً داهماً يواجه القضاة السابقين وهو الانتقام منهم، وخاصة ممن ارتبطوا ببرنامج تعليمي قضائي في الولايات المتحدة، في ظل البحث المتزايد من قبل الحركة عن المتعاونين مع الأخيرة.

كبت الحريات

7- توظيف القضاء للتضييق على الحريات العامة في إيران: قال رئيس السلطة القضائية الإيرانية غلام حسين محسني، في تصريحات نقلتها وكالة أنباء “ركنا” الإيرانية في 20 سبتمبر الفائت، أن “القضاء لن يتسامح مع من يلعب في أرض العدو أو يكذب أو يشن العمليات النفسية خاصة في الفضاء السيبراني”، معتبراً أن “هذه المنصات الاجتماعية تعتبر سلاحاً يؤثر على سلامة الإيرانيين”. إذ يستخدم قطاع واسع من الرأى العام الإيراني تلك المنصات لتوجيه انتقادات للسلطة الحاكمة بسبب سوء الأوضاع المعيشية ورفض الرقابة الأمنية على شبكة الإنترنت.

نماذج مختلفة

خلاصة القول، إن السلطات القضائية تعد أحد الأطراف الرئيسية التي تتأثر وتؤثر في التفاعلات الجارية بمنطقة الشرق الأوسط، على نحو يبدو جلياً في تأييد القضاة القرارات الاستثنائية للرئيس التونسي قيس سعيّد، واستعادة القضاء لعافيته في مصر، بالتوازي مع عدم التصدي لبعض القضايا الكبرى والمماطلة في التحقيقات أو الفصل فيها، مثل قضية انفجار مرفأ بيروت، وكذلك تعليق نادي القضاة العمل في المحاكم السودانية للاعتراض على فصل بعض القضاة وخاصة المنتمين للمحكمة العليا. غير أن العدالة تواجه تحدياً كبيراً في بؤر الصراعات المسلحة، وخاصة في ليبيا واليمن، بعد سيطرة ميلشيات مسلحة وجماعات قبائلية مناطقية على السلطة، مما يؤثر على أعمال القضاء، في حين يتم توظيف الأخير لحساب السلطة الحاكمة في إيران وأفغانستان.