بؤرة الضوء:
انعكاسات قمة طهران على المشهد السوري

بؤرة الضوء:

انعكاسات قمة طهران على المشهد السوري



بعد اندلاع الحرب الروسية الأوكرانية، تراجعت كثافة الأضواء الدولية المسلّطة على المشهد السوري بشكل نسبي. ولكن مع انعقاد قمة طهران بمشاركة روسيا وأنقرة، فإن الأزمة السورية قد عادت مجدداً لتصبح في بؤرة الضوء. إذ قد برزت على السطح خلافاتٌ تركية مع إيران وروسيا فيما يتعلق برغبة أنقرة في تنفيذ عملية عسكرية واسعة شمالي سوريا، فيما اتضح على الجانب الآخر أن هناك تنسيقاً روسياً إيرانياً لإدارة الملف السوري عن طريق تعزيز الدور الإيراني هناك؛ في ظل انشغال موسكو بأزمتها العسكرية مع أوكرانيا والسياسة الاقتصادية مع الغرب.

فقد مثّل الملف السوري إحدى أبرز القضايا التي طُرحت للنقاش على طاولة حوار الرؤساء الثلاثة الذين اجتمعوا في العاصمة الإيرانية طهران يوم 19 يوليو الجاري. فقد بحث الرئيس الإيراني إبراهيم رئيسي، والمرشد الأعلى علي خامنئي، مع الرئيسين: الروسي فلاديمير بوتين، والتركي رجب طيب أردوغان، مسار عملية “أستانة” للسلام في سوريا والتي كانت قد انطلقت بدايةً في مدينة أستانة (نور سلطان) في دولة كازاخستان عام 2017 لإنهاء النزاع السوري سلمياً، حيث شدد القادة المجتمعون في طهران على أهمية التعاون للقضاء على الإرهاب في سوريا.

وعلى الرغم من أن هذه القمة هي السابعة من نوعها في إطار اجتماعات “أستانة” الرامية بالأساس لإنهاء الصراع في سوريا بشكل سلمي؛ إلا أنها كشفت في الواقع عن إمكانية حدوث تحولات خطيرة داخل المشهد السوري خلال الفترة المقبلة تتمثل بوجه عام في تزايد احتمالات التصعيد العسكري بين القوى الفاعلة هناك.

وتُعزز هذه الاحتمالات تلك المتغيرات الجوهرية المؤثرة وذات الصلة التي وقعت على المستوى الدولي والإقليمي خلال الأشهر القليلة الماضية.

تحولات رئيسية

تعكس الأبعادُ الاستراتيجية للحرب الروسية الأوكرانية على وجه الخصوص، وما نتج عنها من صدام بين موسكو والغرب، طبيعةَ هذه التحولات المستقبلية الممكنة داخل سوريا، والتي يمكن تناولها على النحو التالي:

1- اضطرار روسي لتعزيز انتشار الحليف الإيراني داخل سوريا: بدا من الكلمات التي تحدث بها المرشد الإيراني علي خامنئي خلال لقائه مع الرئيس التركي أردوغان في قمة طهران الأخيرة حجمُ النفوذ والتأثير الإيراني داخل سوريا. حيث رفض خامنئي وحذّر الرئيسَ التركيَّ من القيام بعملية عسكرية شمالي الأراضي السورية؛ قائلاً إنها “ستعود بالضرر على مختلف دول المنطقة” وإنها “سوف تصب في مصلحة الإرهابيين”.

وتنطلق إيران في معرض حديثها بهذه اللهجة “التحذيرية” لتركيا من المكانة الجيوسياسية التي اكتسبتها في سوريا خلال السنوات التي تلت اندلاع الأزمة هناك عام 2011. حيث تمتلك طهران في سوريا عشرات الآلاف من المقاتلين يتوزعون ما بين قوات إيرانية رسمية تتمركز في الغالب داخل القواعد الجوية داخل سوريا، ومليشيات أجنبية مسلحة شكّلتها ودربتها إيران وأرسلتها للقتال بالنيابة عنها في سوريا. وتنتشر هذه القوات شرق وجنوب سوريا.

ولا يقتصر الأمر على الانتشار العسكري فقط، بل تمكنت إيران من التغلغل الاقتصادي بشكل كبير داخل سوريا عبر توسع تابعين لها في شراء الممتلكات والمنازل التي يعود بعضُها لمواطنين سوريين فروا من البلاد بسبب الأزمة. هذا إلى جانب الاختراق الثقافي والاجتماعي الذي أحدثه موالون للنظام الإيراني داخل سوريا، وذلك بالحديث عن إنشاء حسينيات وحوزات دينية في بعض مناطق سوريا، واتخاذ كثيرٍ من المليشيات الشيعية حي “السيدة زينب” في العاصمة دمشق مقراً عسكرياً لها ومركزاً ثقافياً أيضاً.

وعلى أي حال، فإن هذه اللهجة الإيرانية تستند أيضاً إلى تحركات إيرانية ميدانية داخل سوريا مؤخراً تهدف من خلالها إلى تعزيز حضورها العسكري هناك؛ في ظل ما يبدو من انشغال روسي بالحرب مع أوكرانيا. حيث قامت إيران بالفعل خلال الأشهر القليلة الماضية بإحلال قواتٍ لها محل نظيرتها الروسية في بعض المناطق السورية.

وتبدو تلك التحركات الإيرانية الأخيرة لإحلال قوات موالية لها محل نظيرتها الروسية في بعض المناطق السورية لا تسير إلا بتوافق وتنسيق مع روسيا أو حتى “اضطراراً” منها لفعل ذلك؛ في ظل ما تشكله مختلف أبعاد الأزمة الأوكرانية من أولوية لها في مجال سياستها الخارجية في الوقت الراهن.

وقد تستمر عملية الإحلال هذه على ذلك النحو؛ طالما استمرت الحرب الروسية الأوكرانية، وهو ما يعني أن مسار التنسيق الروسي الإيراني داخل سوريا سوف يركز خلال الأشهر المقبلة على تعزيز الحضور العسكري الإيراني على الأرض، سواء من خلال قوات إيرانية فعلية أو مليشيات تابعة لها، وأن الانخراط العسكري الروسي على الأرض قد يتراجع نسبياً لصالح إيران؛ في ظل حاجة روسيا إلى مزيدٍ من جنودها المنتشرين داخل سوريا للاستفادة منهم في أوكرانيا؛ خاصة وأنهم قد خاضوا مؤخراً حرباً لا تختلف ملامحُها كثيراً عن الحرب الأوكرانية.

بل إن الحديث عن إرسال مقاتلين أجانب إلى أوكرانيا سوف يعزز من حاجة الجيش الروسي إلى عناصره المنتشرين في سوريا منذ سنوات.

2- احتمالية تصاعد التوتر العسكري بين إيران وتركيا في سوريا: تتخذ إيران وتركيا مواقف متباينة حيال الأزمة السورية. فعلى الرغم من قبول أنقرة لوجود الرئيس السوري بشار الأسد، في السلطة مؤخراً؛ إلا أنها غير مؤيدة له أو للعناصر والمجموعات الموالية لحكومته. أما على الجانب الآخر، فإن إيران تُعد أحد أهم الداعمين لحكومة الأسد في سوريا منذ عام 2011.

ومع أن إيران وتركيا قد جلستا معاً للحوار المشترك، مع روسيا أيضاً، في قمة طهران يوم 19 يوليو 2022؛ إلا أن هذه اللقاءات ذاتها قد كشفت عن احتمالات قوية لتصاعد التوتر بين طهران وأنقرة داخل الأراضي السورية خلال الفترة المقبلة. حيث ترفض إيران، وهو ما أعلنته صراحةً في القمة الأخيرة، تنفيذ الأتراك عملية عسكرية شمالي سوريا؛ مرجعة ذلك إلى أن تلك العملية سوف تصب في صالح الإرهابيين هناك.

إنّ هذا التباين الإيراني التركي في وجهات النظر يُعد مؤشراً قوياً لما يمكن أن تُلقي به مستجداتُ الأوضاع ذات الصلة بالمشهد السوري من نتائج على معادلة الحضور العسكري الإيراني التركي في سوريا. إذ إنه وفي ظل الانسحاب العسكري النسبي من جانب الروس في سوريا سوف يسعى الطرفان إلى تعزيز مكاسبهما العسكرية والسياسية داخل الأراضي السورية خلال الفترة المقبلة، وهو ما سيقود إلى نوعٍ من الصدام بينهما قد يتبلور في الغالب عن طريق إشراك الجماعات الموالية للطرفين.

ولعلّ المساعي الإيرانية لتوسيع قاعدة انتشارها العسكري داخل سوريا في ظل الانشغال الروسي بالأزمة مع أوكرانيا من جانب، ودعمها لحكومة الأسد منذ سنوات، قد يدفعها دفعاً لاستغلال الوضع الناشئ حالياً داخل سوريا لصالحها، ورفض أي محاولة تركية لتعظيم مكاسبها هناك.

3- ضغوط إيرانية لإخراج القوات الأمريكية من سوريا: خلال قمة طهران، شدد المرشد الإيراني علي خامنئي على ما أسماه “ضرورة طرد” الولايات المتحدة من منطقة شرق نهر الفرات في سوريا التي تشمل أجزاء من شمال وشرق ذلك البلد. ويتسق ذلك من ناحية مع الدعوات الإيرانية لـ”إخراج القوات الأمريكية من المنطقة”، ولكنه يتزامن من ناحية أخرى مع سعي إيراني للاستحواذ على القرار السوري من خلال تعزيز قواعد الانتشار العسكري.

وكما سبقت الإشارة، يجري ذلك على النحو الذي أوضحتْهُ قمةُ طهران، بتنسيق إيراني روسي، واضطراراً من موسكو لسلك ذلك الدرب بسبب الأزمة الحالية مع أوكرانيا. ولكن هذا يتزامن في الوقت ذاته مع مساعٍ تركية لتحقيق مكاسب عسكرية أكبر في سوريا مع تراجع اهتمام الروس بملف سوريا.

وانطلاقاً مما ذُكر، من الممكن أن تتسبب دعوات خامنئي لـ”طرد” الأمريكيين من شرق الفرات إلى تصعيد خطير بين القوات الموالية لإيران والولايات المتحدة في سوريا، وهو ما يعني بالتالي امتداد دائرة الصراع لتشمل الروس المتواجدين في سوريا. ولا يُتوقع أن يحدث مثل هذا الصدام بين قوات البلدين بشكل مباشر، بل عن طريق الوكلاء وعلى النحو المعمول به في أوكرانيا.

وهنا، ينبغي الإشارة إلى أن المصالح التركية في سوريا تتعارض مع نظيرتها الإيرانية والروسية، مما قد يقودنا إلى إمكانية توصل الأمريكيين والأتراك، برغم الخلافات القائمة ذات الصلة، في سوريا إلى تكوين جبهة مضادة لطهران وموسكو في سوريا مستقبلاً، خاصة إذا ما أقدمت قوات إيرانية بالفعل على التعرض للأمريكيين النشطين على الأراضي السورية.

إن هذا السيناريو لا يعني سوى تحول سوريا إلى ساحة مواجهة حقيقية بين روسيا وإيران من جانب، والولايات المتحدة والحلفاء من جانب آخر، وهو ما سوف يُقرأ هنا على أنه امتدادٌ للأزمة الأوكرانية.

احتمال قائم

إلى جانب الاحتمالات الواردة لتصاعد الصراع بين إيران وتركيا، على وجه التحديد، في سوريا خلال قادم الأيام؛ فإن تطورات الموقف قد تقود في المستقبل القريب إلى تحول سوريا لساحة مواجهة بين القوات الإيرانية والروسية من ناحية والقوات الأمريكية من ناحية أخرى، وقد يستتبع ذلك تزايد في معدل الانتشار العسكري الأمريكي داخل الأراضي السورية، خاصة وأن دمشق قد تتحول في هذه الحالة إلى أحد فصول الصراع الروسي الأمريكي.

كما أن زيارة الرئيس الأمريكي، جو بايدن، الأخيرة إلى الشرق الأوسط، التي بدأت في 13 يوليو 2022، قد أظهرت بشكل واضح عودة الاهتمام الأمريكي بالمنطقة، على خلاف وجهات النظر التي سادت خلال الأشهر الأخيرة من تراجع تلك الأولوية نسبياً، علاوة على ما اتضح بعدها من محاولات جادة من قِبل واشنطن وموسكو لاكتساب وجذب حلفاء جدد في الإقليم.