لعنة الجغرافيا:
لماذا أصبحت الحرب الأهلية وشيكة في أفغانستان؟

لعنة الجغرافيا:

لماذا أصبحت الحرب الأهلية وشيكة في أفغانستان؟



تشير التحولات الأخيرة في أفغانستان إلى أن الوضع الحالي قد لا يطول كثيراً، حيث لم تقم حركة “طالبان” حتى الآن بإدماج القوميات الأخرى في الحكم، في الوقت الذي تستعد فيه جبهات ومسؤولون سابقون أفغان إلى تنظيم صفوفهم للقتال ضد “طالبان”. وفي ظل استعداء الحركة للقوميات على النحو المُشار إليه، ودعم بعض الدول لها؛ فقد تحدث في القريب العاجل حرب واسعة النطاق في أفغانستان، تحمل في طياتها احتمالات قوية لأن تتطور إلى حرب أهلية قد تُعيد إلى الأذهان تفاعلات عقد التسعينيات من القرن الماضي.

وعلى ذلك، سوف يمكن الإشارة إلى أبرز هذه التحولات الجارية في الوقت الراهن، والتي قد تؤدي إلى اندلاع تلك الحرب في أفغانستان.

التمييز العرقي

1- عدم تشكيل حكومة ائتلافية حتى الآن في أفغانستان: منذ إعلانها عن تشكيل حكومة جديدة في أفغانستان في شهر سبتمبر 2021، لم تقم حركة “طالبان” حتى الآن بإدماج القوميات والطوائف الأخرى في الحكم، وهو ما تسبب لها – ولا يزال- في موجة انتقادات محلية واسعة في الداخل. فقد اقتصرت الحكومة المعلنة من جانب الحركة على أعضاء “طالبان” فقط، ولم تشمل الطاجيك والهزارة أو الأوزبك، علاوة على الطوائف الأخرى. بل إن تشكيلة “طالبان” الحكومية لم تشتمل فيما بينها على أي امرأة.

لذا، تواجه “طالبان” غضباً حقيقياً مكتوماً واستياءً داخلياً واسعاً من جانب هذه القوميات بسبب استبعادها من الحكم في أفغانستان، بل إن هذا الإقصاء يُعد السبب الجوهري في مناهضة جميع القوميات داخل أفغانستان، باستثناء البشتون التي تتألف منها الحركة، لحكم “طالبان”.

فقد باتت هذه الطوائف ترى حكم الحركة ليس إلا نوعاً من التمييز القائم على العرق والقومية، لذا من غير المستغرب أن نجد تكراراً لأنباء الاعتداء البدني أو مصادرة أملاك تابعة لقومية الهزارة في أفغانستان. وعليه، فإن الوضع مرشح للانفجار في أي وقت داخل أفغانستان بسبب استبعاد باقي القوميات من الحكم.

تهديد الجوار

2- تفاقم خلافات الحركة مع دول الجوار في آسيا الوسطى: لا تقتصر تداعيات استبعاد “طالبان” لبقية القوميات من الحكم في أفغانستان على الداخل الأفغاني فقط، بل إن دول الجوار الإقليمي خاصة، والمجتمع الدولي عامة، تضغط في سبيل الإعلان عن “حكومة ائتلافية” في كابول تضم على الأقل أكثر القوميات انتشاراً في البلاد إلى جانب البشتون، وهم الطاجيك والهزارة والأوزبك. ويأتي على رأس دول الجوار الإقليمي إيران وطاجيكستان وأوزبكستان التي ينتمي حوالي 55% من السكان في أفغانستان إلى أعراقهم المحلية.

وتظهر هذه الدول امتعاضاً من استبعاد قومياتها في أفغانستان من الحكم. فإيران وعلى ألسنة المسؤولين الرسميين، سواء في الحكومة أو الجيش أو حتى في الحرس الثوري، مثل قائد وحدة “فيلق القدس” إسماعيل قاآني، تدعو إلى تشكيل حكومة وطنية شاملة في أفغانستان تشمل الطاجيك على وجه التحديد، ولطالما نددت بعدم شمولهم في منظومة الحكم. كما تدعو كل من دوشنبه وطشقند -في الوقت نفسه- إلى إشراك الأعراق التي تنتمي إليهم في الحكم بكابول. وتعبر هذه الدول باستمرار عن استيائها من نهج حكم “طالبان” على المستوى السياسي.

يُضاف إلى ذلك قلق الجوار الأفغاني على مستقبل بقاء القوميات المماثلة، إذلا تنحصر انتقادات دول الجوار الأفغاني للحكومة المعلنة من قِبل “طالبان” على سياسة الإقصاء السياسي لقومياتهم فقط، بل إن الأمر قد تطور إلى حد القلق بشأن مستقبل بقاء هذه الطوائف في أفغانستان.

فقد نُشرت عدةُ تقارير تداولتها -على سبيل المثال- وسائل إعلام إيرانية مؤخراً، تقول إن أفغانستان يجري تفريغها من الشيعة الهزارة، كما يجري الاعتداء عليهم وعلى ممتلكاتهم في أفغانستان، وهو ما تسبب في بروز حالة من القلق الشديد في طهران إزاء مستقبل هذه القومية التي تعتبرها إيران امتداداً ونفوذاً لها في أفغانستان. إن الإيرانيين باتوا يعبرون صراحة عن هذا القلق، حتى إن البعض في طهران طالب بالتدخل من أجل حمايتهم.

وعلى الرغم من أن حجم المشكلة يختلف بعض الشيء، إلا أن طاجيكستان وأوزبكستان تبديان مخاوف مماثلة، وتتداول وسائل إعلامهم مثل هذه التقارير. وعلى أي حال، فإن دول الجوار الأفغاني تلك تحاول الضغط من أجل حماية القوميات المنتمية إلى أعراقها في أفغانستان، وهو ما دفع طاجيكستان -مثلاً- إلى استقبال بعض قادة الجبهة المناوئة لـ”طالبان”، فيما تدعم دولٌ أخرى الحركات القومية الوطنية المناوئة لـ”طالبان”.

كما تصاعدت حدة النشاط الإرهابي في أفغانستان خلال الأشهر التي تلت استيلاء حركة “طالبان” على الحكم في أفغانستان منتصف أغسطس الماضي. فقد وجد تنظيم “داعش” الإرهابي الساحة أكثر اتساعاً له من أجل مد نطاق وعدد عملياته بعد ذلك التاريخ المذكور، حتى بات تهديداً لمنطقة آسيا الوسطى ولجوارها أيضاً، وليس فقط للداخل الأفغاني. ولا تُخفي تلك الدول الواقعة في محيط أفغانستان مخاوفها الجدية من هذه التهديدات.

وبالنسبة لإيران، فإنها قد أعلنت صراحة عن تلك المخاوف مراتٍ، من بينها ما أعربت عنه مساعدة رئيسة البعثة الإيرانية لمنظمة الأمم المتحدة، زهراء إرشادي، في أبريل 2022، من قلق بلادها من تصاعد نشاط “داعش” في أفغانستان.

أما روسيا، القريبة جغرافياً من آسيا الوسطى، فقد عبّرت عن هذه المخاوف على لسان النائب الأول لمندوب روسيا الدائم لدى الأمم المتحدة، دميتري بوليانسكي، في ديسمبر 2021، ومرة أخرى حينما تطرق إليها وزيرُ الخارجية سيرجي لافروف في مارس 2022.

إن ما يُفاقم مخاوفَ تلك الدول على وجه التحديد هو أن التهديد الإرهابي لدول آسيا الوسطى لا يقتصر على تنظيم “داعش” وحده، بل يشمل أيضاً الجماعات الإرهابية الأخرى مثل تنظيم “تحريک-طالبان” الباكستاني و”القاعدة” اللذين لا يزالان يمثلان خطراً أمام تلك الدول.

وعلى غرار دول آسيا الوسطى، بدأت باكستان تعاني في الآونة الأخيرة من تصاعد النشاط الإرهابي في أفغانستان، وخاصة من تلك التهديدات التي تمثلها حركة “”تحريک-طالبان”، وهو التنظيم الشبيه بـ”طالبان” الأفغانية. حيث أدركت إسلام أباد مؤخراً مخاطر ذلك التنظيم عليها بعد ازدياد العمليات الإرهابية ضد جنود جيشها، خاصة على الحدود مع أفغانستان، وهو ما دفعها لتوجيه ضربات ضده في أبريل 2022. حيث يسعى التنظيم الباكستاني إلى السيطرة على الحكم مثل نظيره في أفغانستان.

لذا، قد يدفع هذا كله دول الجوار مستقبلاً إلى مناهضة حكم “طالبان” في أفغانستان، بعد عدم سيطرتها على الأوضاع الأمنية المحلية وسماحها أو عدم قدرتها على كبح جماح التنظيمات الإرهابية هناك.

“الأسود الخمسة”

3- التحدي الأكبر من جانب جبهة أحمد مسعود: يُعد هذا هو التحدي الأكبر الذي تواجهه حركة “طالبان” في طريقها لإحكام السيطرة على الداخل الأفغاني. حيث أعلن نجل قائد “تحالف الشمال” السابق، أحمد مسعود، عن أنه سوف يواصل مناهضة ومقاومة “طالبان” حتى يتم تشكيل حكومة وطنية شاملة (ائتلافية) تدمج جميع القوميات والطوائف في أفغانستان، وعلى رأسهم الطاجيك الذين يمثلون حوالي 37% من إجمالي الشعب الأفغاني.

ويتمتع مسعود بدعم واسع سواء في الداخل الأفغاني أو من بعض الدول الأخرى، داخل إقليم آسيا الوسطى أو خارجه. حيث تتركز قوة مسعود، الذي ينتمي إلى قومية الطاجيك، في إقليم بنجشير (الأسود الخمسة) شمال شرقي أفغانستان، ويحظى بدعم قوي من دول مثل إيران وطاجيكستان على وجه الخصوص.

ويسعى مسعود في الوقت الراهن لاستعادة قوته وإعادة تنظيم صفوفه داخل جبهة بنجشير من أجل استئناف القتال ضد حركة “طالبان”، بعد أن اضطر لترك البلاد بالتزامن مع استيلائها على الحكم العام الماضي. وأعلن مسعود نفسُه عن ذلك مراراً كان آخرها في حديثه مع قناة “آرتيو-Atre” الفرنسية في مايو 2022، حينما قال نصاً: “نحن في قتال من أجل الحرية والديمقراطية في أفغانستان”، مؤكداً على أن جبهته تسعى لزيادة عناصرها في الوقت الحالي، حيث ينحدر كثير من أفرادها من الجيش الأفغاني السابق وآخرون “متطوعون”، على حد تعبير مسعود.

وشدد مسعود -في الوقت نفسه- على أنه إن لم تقم “طالبان” بتشكيل حكومة ائتلافية، فإنه “لن يكون هناك خيار سوى المقاومة”. وقد دفعت هذه التحركات الأخيرة، من جانب أنصار مسعود، خأخيرة “طالبان” إلى أن ترسل خلال الأسابيع الأخيرة أرتالاً من المركبات العسكرية إلى بنجشير في محاولة لإخماد أي تحرك من جانب الموالين لمسعود أو “الجبهة الوطنية” بوجه عام.

أمراء الحرب

4- تشكيل “المجلس الأعلى للمقاومة الوطنية” في الخارج: لا تقتصر المقاومة الداخلية ضد “طالبان” في الوقت نفسه على جبهة مسعود، فقد أعلن أمراء حرب وسياسيون أفغان سابقون في المنفى أواخر شهر أبريل الماضي، عن تأسيس “مجلس أعلى للمقاومة الوطنية” للضغط على حركة “طالبان” من أجل تشكيل حكومة شاملة، محذرين من أن الحرب الأهلية ستكون البديل عن ذلك “حتماً”. وأكد هؤلاء الأفراد على أن مهمة المجلس ستكون “تحرير” أفغانستان.

ويتزعم هذا التوجه أحدُ أبرز الشخصيات الأوزبكية الشهيرة في أفغانستان والمقيم حالياً في تركيا، وهو عبد الرشيد دوستم الذي تولى منصب نائب رئيس أفغانستان إبان الحكومة السابقة. حيث جمع دوستم في أواخر أبريل 40 شخصاً من السياسيين الأفغان السابقين في العاصمة التركية من أجل النظر في التحولات الجارية داخل بلادهم.

معضلة الاعتراف

5- العقوبات الخارجية والمجتمع الجديد: تعاني أفغانستان من أوضاع معيشية صعبة للغاية، زادت من حدتها الاضطراباتُ الأمنية التي أعقبت استيلاء حركة “طالبان” على الحكم في أغسطس 2021. فقد أظهرت تقارير الأمم المتحدة مؤخراً أن نسبة الفقر في أفغانستان تجاوزت 80% خلال الأشهر الأخيرة، بينما أشارت منظمات إغاثية إلى أن حوالي 24 مليون أفغاني يواجهون جوعاً شديداً، وأن ما يصل إلى 9 ملايين آخرين على شفا المجاعة. وجميع هذه التحولات قد تدفع بالأفغان إلى الانضمام للحركات المناوئة لـ”طالبان”.

وإلى جانب ذلك، فرضت العقوبات الدولية على أفغانستان قيوداً على تجارتها الخارجية، مما أضاف عوامل أخرى لأسباب الاستياء المحلي من جانب المواطنين في أفغانستان.

غيوم الحرب

وختاماً، إن كانت جميع هذه العوامل قد تدفع أفغانستان إلى حرب محتملة على المدى الطويل على الأقل، إلا أن كابول تستطيع النجاة من ذلك من خلال إرضاء القوميات المحلية عن طريق تشكيل حكومة شاملة ائتلافية، وهو ما سيقود بالتبعية إلى تهدئة الأطراف الخارجية، كما قد ينتهي الأمر، تحت شروط أخرى أيضاً، إلى اعتراف دولي بحكومة “طالبان” المعلنة.