رسائل مباشرة:
كيف تؤثر الاستشارة الإلكترونية على المشهد السياسي التونسي؟

رسائل مباشرة:

كيف تؤثر الاستشارة الإلكترونية على المشهد السياسي التونسي؟



انتهت في 20 مارس الجاري فترة المشاركة في الاستشارة الوطنية الإلكترونية، والتي تمثل قسماً من خارطة الطريق التي أعلنها الرئيس التونسي قيس سعيّد تمهيداً لإجراء استفتاء شعبي على الإصلاحات السياسية في 25 يوليو القادم بعد مرور عام على الإجراءات الإصلاحية التي اتخذها. وعلى الرغم من التسهيلات التقنية التي قدمتها السلطات لتيسير الدخول إلى منصة الاستشارة الإلكترونية، التي بدأت في منتصف يناير الماضي، فضلاً عن توفير آليات للمشاركة عبر الرسائل النصية القصيرة؛ إلا أن نسبة المشاركة جاءت ضعيفة، حيث بلغ عدد المشاركين في الاستشارة نحو نصف مليون شخص من إجمالي حوالي 12 مليون نسمة، هو تعداد التونسيين في الداخل والخارج.

دلالات رئيسية

تطرح نتائج المشاركة في الاستشارة الإلكترونية التي أطلقها الرئيس سعيّد في منتصف يناير الماضي وانتهت في 20 مارس الجاري بالتزامن مع حلول ذكرى عيد الاستقلال، لمعرفة اتجاهات الرأى العام التونسي في عدة محاور، منها الشأن السياسي والانتخابي، والتعليم والثقافة والصحة، والاقتصاد والتنمية المستدامة؛ جملة من الدلالات المهمة التي ترتبط بمواقع القوى السياسية المختلفة في المشهد التونسي، ويمكن تناولها على النحو التالي:

1- اعتراف ضمني بضعف المردود: كشفت نسبة المشاركة في الاستشارة الإلكترونية عن أن هذه الخطوة تعكس إدراك المجتمع التونسي بأن الآليات التي طرحها الرئيس لإجراء عملية الإصلاح تبدو في حاجة ماسة إلى إعادة هيكلة، فضلاً عن أن إقرار السلطات بضعف المشاركة يمثل اعترافاً ضمنياً من قبلها بحدود جدوى هذه الخطوة. وهنا، يمكن فهم طرح الحكومة ما أسمته تعويض الاستشارة الإلكترونية بالحوار بين مختلف مكونات المشهد السياسي التونسي، خاصة أن ذلك يمكن أن يقلص من حدة التوتر والتصعيد مع بعض القوى السياسية التي تراجع تأييدها للإجراءات الحكومية في الفترة الماضية.

2- استمرار تأثير أحزاب المعارضة: يبدو أن التحركات التي قامت بها حركة “النهضة”، والأحزاب والحركات الداعمة لها، قد أثرت نسبياً على مشاركة قطاع من المواطنين في الاستشارة الإلكترونية، حيث دعت التونسيين إلى تجاهل “الاستشارة الشعبية الإلكترونية”. ويلاحظ أن هذه الأحزاب والحركات تمكنت من تكوين ما يمكن تسميته بـ”التحالف اللحظي” بعدما تسببت قرارات 25 يوليو الماضي في تراجع تأثيرها، وكشفت عن الاختلالات الهيكلية التي تعاني منها، وألقت الضوء على السلبيات التي نتجت عن مشاركة بعضها في إدارة شئون الدولة خاصة حركة “النهضة”.

3- عدم اختيار التوقيت المناسب: اعتبرت اتجاهات عديدة أن عدم اختيار التوقيت المناسب لإجراء الاستشارة الوطنية كان سبباً في ضعف الإقبال الشعبي عليها، إذ إنها أُجريت بعد نحو ثمانية أشهر من القرارات التي اتخذها الرئيس في 25 يوليو الماضي، والتي استقطبت دعماً واسعاً على مستوى الشارع التونسي، وكان من الممكن لهذه الاستشارة أن تحظى باهتمام سياسي أكبر لو أُجريت بعد فترة وجيزة من القرارات الأولى، إلا أن تأخر إجرائها فضلاً عن تصاعد تأثير الأزمة الاقتصادية كان له دور في تراجع نسبة مشاركة المواطنين فيها. فضلاً عن أن بعض التيارات التي اصطفت إلى جانب الرئيس سعيّد بعد اتخاذ قرارات 25 يوليو الماضي، بدأت في توجيه رسائل بأنها لا تتوافق بشكل كامل مع الأجندة السياسية التي يطرحها الرئيس، على غرار الاتحاد التونسي للشغل الذي أكد أمينه العام المساعد صلاح الدين السالمي، في 17 مارس الجاري، أن “الاتحاد لن يلتزم الصمت وسيتحرك إذا لم تقم السلطات بعقد حوار حول المستقبل السياسي والاقتصادي للبلاد”. كما أعلن عن رفض الاتحاد للإصلاحات الاقتصادية التي تقترحها حكومة نجلاء بودن للحصول على تمويل من صندوق النقد الدولي.

4- حدود التجاوب مع التقنية الجديدة: تشير نسبة المشاركة في الاستشارة الإلكترونية إلى تراجع مردود الحوارات الإلكترونية في مجال الإصلاح السياسي، إذ يبدو أن قسماً من القواعد الانتخابية غير قادر أو لا يفضل استخدام الوسائط الإلكترونية في التعبير عن آرائه السياسية. كما كشفت آلية الاستشارة الإلكترونية عن عدم فعاليتها في فتح المجال أمام شرائح متنوعة للتعبير عن آرائها، على غرار الطلبة وأصحاب الشهادات العليا العاطلين عن العمل، إذ يبدو أن اهتمامات هذه القطاعات ينصب على الأوضاع المعيشية والاقتصادية في المقام الأول.

مسارات محتملة

في ضوء نتائج الاستشارة الوطنية، يمكن القول إن ثمة مسارات محتملة قد يتجه إليها المشهد التونسي في المرحلة القادمة. المسار الأول، يتمثل في إعادة هيكلة أجندة الإصلاح، حيث تشير بعض التقديرات إلى أن المعطيات الراهنة ربما تدفع الرئيس قيس سعيّد إلى إعادة هيكلة الأجندة الإصلاحية بهدف التجاوب مع الضغوط التي تمارسها المكونات السياسية المختلفة، وتعزيز القدرة على استقطاب دعم القوى التي سبق أن أيدت القرارات التي اتخذها في 25 يوليو الماضي، بسبب السلبيات العديدة التي كشفتها الفترة التي سيطرت فيها حركة “النهضة” على بعض مؤسسات الدولة.

في حين ينصرف المسار الثاني، إلى استمرار تعثر الخصوم،إذقد لا تدفع تلك النتائج الرئيسسعيّد إلى تغيير مساره الحالي، بل إن هناك مؤشرات عديدة تكشف أنه سوف يمضي قدماً في تنفيذ خارطة الإصلاحات للنظام السياسي والدستوري للبلاد، خاصة بعد أن أكدت الحكومة أن الرئيس ملتزم بالمواعيد والتواريخ المعلن عنها في خطة الإصلاح.

وهنا، فإن الإصرار على تنفيذ الأجندة الإصلاحية الحالية قد يفرض مزيداً من الضغوط على التيارات المعارضة، التي لم تتمكن خلال الفترة الماضية من تأليب الشارع التونسي على الرئيس، ولم تفلح في حشد دعم دولي أو إقليمي ضد إجراءاته السياسية. وتُبدي تلك القوى مخاوف من أن تسفر خارطة الإصلاح التي طرحها الرئيس، برغم التحديات التي تعترضها، عن تجاوز القضايا الخلافية، بالتوازي مع احتمال تفكك “التحالف اللحظي” الذي تأسس بسبب معارضة العديد من الأطراف لبعض الإجراءات التي تتضمنها الأجندة الإصلاحية.

أما المسار الثالث، فيرتبط بتجميد الوضع القائم؛ إذباتت تونس تواجه خيارات صعبة، في ظل استمرار حالة التشرذم والتصعيد بين الرئيس والأحزاب والحركات السياسية الرافضة لقرارات 25 يوليو، خاصة أن كلا الفريقين يتمسك بمواقفه، ومستمر في حشد أدواته وتوظيف أوراقه لإضعاف الطرف الآخر. ومع صعوبة الوصول إلى صيغة توافقية بينهما، فإن ذلك قد يؤدي في النهاية إلى عدم حدوث تغييرات بارزة في المشهد السياسي الحالي.

الرقم الصعب

ختاماً،تبقى كل تلك السيناريوهات مفتوحة في ظل اضطرابات المشهد السياسي داخل تونس، واستمرار حالة الانقسام السياسي التي قد تظل العنوان الأبرز في هذا المشهد خلال المرحلة المقبلة، خاصة بعد الرسائل التي وجهتها النتائج التي أسفرت عنها الاستشارة الإلكترونية. ويبقى موقف الاتحاد العام التونسي للشغل محوراً رئيسياً في التفاعلات التي تجري على الساحة السياسية، في ظل الثقل الذي يحظى به، والذي يدفع كل الأطراف إلى محاولة استقطاب دعمه لمواقفها خلال المرحلة الحالية.