مهمة عربية فى موسكو – الحائط العربي
مهمة عربية فى موسكو

مهمة عربية فى موسكو



قامت مجموعة الاتصال العربية التى شكلها مجلس وزراء الخارجية العرب فى اجتماعه الأخير فى مارس الماضى بزيارة إلى موسكو يوم الإثنين الماضى لبحث الأزمة الروسية-الأوكرانية وتداعياتها على الدول العربية، وقد كُتِبت هذه المقالة قبل إتمام المجموعة مهمتها بزيارة لوارسو للقاء وزير الخارجية الأوكرانى، غير أن التحليل الوارد فيها لن يتأثر كثيراً بالنتائج المتوقعة للزيارة، وقد شُكلت هذه المجموعة بناء على توصية اجتماع مجلس وزراء الخارجية العرب على مستوى المندوبين الدائمين في٢٨فبراير الماضى الذى دعت له مصر بعد بدء العملية بثلاثة أيام، وقد عبر المجلس عن القلق إزاء التطورات الجارية فى أوكرانيا، وأكد تأييد الجهود الدبلوماسية الرامية لحل الأزمة، كما أكد على أهمية احترام مبادئ القانون الدولى وميثاق الأمم المتحدة ودعم المساعى الهادفة إلى تخفيف حدة التوتر وضبط النفس بما يكفل عودة الاستقرار، وعبر عن القلق إزاء الأوضاع الإنسانية وتأكيد أهمية التعاون والتنسيق بين الدول العربية للحفاظ على أمن وسلامة الجاليات العربية فى منطقة النزاع، وأوصى بتشكيل مجموعة اتصال عربية على المستوى الوزارى تتولى إجراء الاتصالات والمشاورات اللازمة ومتابعتها مع الأطراف المعنية بهدف المساهمة فى إيجاد حل دبلوماسى للأزمة، ولاحقاً أكد مجلس الجامعة على المستوى الوزارى فى اجتماعه بتاريخ ٩ مارس الماضى هذه التوصيات، وشُكلت مجموعة الاتصال من وزراء خارجية مصر والجزائر والعراق والأردن والسودان وبدأت عملها كما سبقت الإشارة. وقد اعتبر البعض تحرك الجامعة العربية متأخراً إذا قورن بالتحركات التركية والإسرائيلية مثلاً، وهو انتقاد يُغفل أننا بصدد تحرك جماعى يعبر عن توافق إرادة الدول الأعضاء فى الجامعة، وهو توافق لا شك أن التوصل إليه أصعب بكثير إذا قورن بقرار تتخذه حكومة دولة ما، كما ثار جدل حول طبيعة مهمة المجموعة وما قيل عن استعدادها للقيام بدور فى تهدئة الأزمة وتسويتها، وهو معنى لم يغب عن القرارات والتصريحات التى ارتبطت بتشكيلها، وشكك البعض فى قدرة المجموعة والجامعة كلها على القيام بأى دور فاعل فى هذا الصدد، وهو رأى صحيح غير أنه لا يعود إلى معطيات تتعلق بالجامعة وإنما بتعقد الأزمة والتناقض الصارخ بين مطالب طرفيها المباشرين، وعلى سبيل المثال تكفى الإشارة إلى طلب روسيا موافقة أوكرانيا على ضم القرم لروسيا والاعتراف بالجمهوريتين الانفصاليتين المتوقع انضمامهما لاحقاً لروسيا بالآلية نفسها التى ضُمت بها القرم، والدليل على هذا أن جهود الوساطة الراهنة رغم جديتها لم تتوصل حتى الآن لنتيجة محددة، فما هى فائدة هذا التحرك العربى إذن؟

الواقع أنه لا تخفى المصالح الحيوية للدول العربية كدول كثيرة غيرها التى تأثرت بالصراع الحالى، ويكفى الحديث عن الأمن الغذائى وأمن الطاقة حيث يعتمد معظم الدول العربية على القمح من روسيا وأوكرانيا اللتين تحتلان عالمياً المرتبتين الأولى والخامسة على التوالى فى صادرات القمح، ومن ثم فإن التهديد يتمثل فى تعثر الصادرات نتيجة توقفها من أوكرانيا وارتفاع الأسعار الذى وقع بالفعل، كذلك فإن الارتفاع الكبير فى أسعار البترول سوف يفضى إلى زيادة سعرية موجعة فى السلع كافة نتيجة ارتفاع تكلفة النقل، ولذلك فإن الدول العربية متضررة بالتأكيد من استمرار العمليات العسكرية، ونظراً لتعقد الموقف الراهن ما بين تفهم الهواجس الأمنية الروسية واستحالة القبول بسلوك يتعارض صراحة مع ميثاق الأمم المتحدة ومبادئ القانون الدولى، وكذلك نتيجة للاستقطاب الحاد بين طرفى الصراع اللذين لا يمكن التماهى تماماً مع أى من موقفيهما فإن المبدأ الحاكم لمواقفنا وتحركنا الدبلوماسى حيال الحرب فى أوكرانيا كما شدد السيد أحمد أبو الغيط الأمين العام للجامعة فى كلمته أمام الدورة الأخيرة لمجلس وزراء الخارجية العرب في٩مارس الماضى سيظل دائماً المصلحة الوطنية والمصلحة العربية عموماً، وإن صراعات القوى العالمية الكبرى سوف تضع ضغوطاً علينا جميعاً، وسوف تُحَمل بعض شعوبنا قدراً من المعاناة، وعلينا أن نكون مستعدين للدفاع عن مصالحنا وعن المواقف التى تخدم أهدافنا.

من هنا فإن الأهمية الأولى فى تقديرى لمهمة مجموعة الاتصال العربية فى موسكو ومن بعدها وارسو أنها تأتى تعبيراً عن موقف عربى جماعى، وإنه أمر لو تعلمون عظيم نفتقده كثيراً فى علاقات العرب الإقليمية التى تتباين فيها المناهج العربية على نحو يمكن أن يضر بالأهداف العربية والوطنية معاً، ولنتذكر بالفخر المواقف العربية الجماعية التى أدت إلى تفادى صدام عراقي-كويتى في١٩٦١، وصنعت الصمود فالنصر بعد هزيمة١٩٦٧، أما البعد الثانى لأهمية الزيارة فيتمثل فى أنها تعبر عن موقف غير منحاز لأى من طرفى الأزمة ليس فقط من باب الحرص على المصالح العربية لديهما، فقد يُغْضب عدم الانحياز هذا أيهما أو كليهما، وإنما لأنه ليس من الصالح الوطنى أو العربى التماهى مع أى من الموقفين لأنهما لا يعبران عن الحقيقة المطلقة، ومن الأهمية بمكان أن تفهم القوى الكبرى أن أجندتها لا تتطابق بالضرورة مع مصالح القوى الإقليمية، وليس هذا بالنهج السهل ولكنه النهج الأمثل كما شدد الأمين العام، ويتطلب النجاح فى تبنيه الالتفات إلى قضايا حيوية بما يزيد من قدرتنا على النجاح، وقد لفت السيد أبو الغيط فى كلمته السابقة إلى ما سبق أن تداوله الاجتماع الوزارى التشاورى فى الكويت فى يناير الماضى بشأن المقترح الكويتى بدراسة ملف الأمن الغذائى من كافة جوانبه ودراسة إمكانيات وفرص التكامل الغذائى العربى، وذكر أن الظروف الطارئة تدفعنا مجدداً للعمل بكل جدية لاقتحام هذا الملف، فهل نرتفع إلى مستوى التحديات؟ أقول دائماً لو أننا نفذنا عشرة قرارات قمة عمان العربية في١٩٨٠بخصوص التكامل الاقتصادى والأمنى العربى لكان حالنا الآن غير الحال.

نقلا عن الأهرام