ارتدادات محتملة:
هل يستفيد “داعش” من العملية العسكرية التركية بشمال سوريا؟

ارتدادات محتملة:

هل يستفيد “داعش” من العملية العسكرية التركية بشمال سوريا؟



يمثل تصاعد حدة التوتر في شمال شرق سوريا، بفعل العملية العسكرية التركية، بيئة مناسبة لتنظيم “داعش”، يمكن أن يستغلها لصالحه، بعد إعلان “قسد” توقف العمليات ضده، بما يؤدي إلى تراجع الضغوط عليه، وإعادة بناء خلاياه التي سقطت بفعل عمليات تفكيك شبكات الدعم، إضافة إلى إمكانية توسيع نفوذه بعيداً عن مناطق العمليات العسكرية، وأخيراً التخطيط لهجمات على السجون والمخيمات التي تضم عناصره وأسرهم.

تواصل تركيا عمليتها العسكرية التي أعلنت عنها وزارة الدفاع، في 20 نوفمبر الجاري، بهجمات جوية ومدفعية ضد مناطق سيطرة مليشيا “قوات سوريا الديمقراطية” (قسد) بشمال شرق سوريا، مع تزايد الحديث عن عملية برية متوقعة للجيش التركي خلال الأيام القليلة الماضية، كرد فعل من أنقرة على العملية الإرهابية التي استهدفت منطقة تقسيم باسطنبول في 13 من الشهر نفسه.

ورغم التأثيرات المحتملة لعمليات القصف الجوي والمدفعي للجيش التركي على مناطق سيطرة “قسد”، على مستوى تغيير مناطق النفوذ والسيطرة المستقرة منذ عام 2019، في ضوء تقاسم السيطرة بين الأطراف الفاعلة على الساحة السورية؛ فإن التخوفات لا تتوقف عند حدود تلك التأثيرات، ولكنها تتخطى إلى التحذير من احتمالات استفادة تنظيم “داعش” من هذا الوضع المضطرب خلال الفترة المقبلة.

محددات رئيسية

يمكن النظر إلى التخوفات من احتمالات استفادة تنظيم “داعش” من العملية التركية في شمال شرق سوريا، في ضوء عدد من المحددات الرئيسية، التي يمكن أن توفر بيئة مناسبة لنشاط التنظيم، وذلك على النحو التالي:

1- تصعيد تركي محتمل بعملية برية: رغم عمليات القصف الجوي والمدفعي من جانب الجيش التركي على أهداف في مناطق بشمال شرق سوريا،باعتبارها مناطق لقوات “قسد”، والتي يمكن أن تؤثر على الحالة الأمنية في المناطق التي تسيطر عليها “قسد”؛ إلا أن ثمة تصعيداً تركياً محتملاً بعملية برية، يُمكن أن يفاقم من التوترات التي تُؤثر على الحالة الأمنية.

ومع أنه لا يمكن الجزم بتنفيذ عملية برية، ولكن يبقى أن ثمة تلميحاً بعدم توقف العمليات على القصف الجوي والمدفعي، وهو ما أشار إليه الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، في 23 نوفمبر الجاري، مؤكداً أن عمليات القصف سواء بواسطة الطائرات أو المسيرات أو المدافع “ليست سوى البداية.. وسنواصل العمليات الجوية.. وسندخل أراضي الإرهابيين في الوقت الذي يبدو لنا مناسباً”.

وتأتي تلك التلميحات التركية بعملية برية، في ظل ما نقلت تقارير محلية عن حالة الاستنفار التي تشهدها المجموعات المنضوية تحت ما يُسمى “الجيش الوطني السوري” والذي يتكون من مليشيات موالية لتركيا، فضلاً عن الإشارة إلى حشد عدد من القوات الخاصة التركية في مناطق الشمال السوري المتاخمة للحدود مع تركيا.

2- ضغوط متزايدة لإنهاء العملية العسكرية: منذ إطلاق تركيا العملية العسكرية التي تمثلت في القصف الجوي والمدفعي، تزايدت الضغوط على أنقرة لوقف هذه العملية، وتحديداً من قبل الأطراف الفاعلة على الساحة السورية، ولا سيما الولايات المتحدة الأمريكية وروسيا اللتين بدا أنهما تعارضان أي عمل عسكري تركي في مناطق الشمال السوري ضد “قسد”، حتى قبل انفجار تقسيم.

إذ أبدت واشنطن رفضها للعملية العسكرية التركية، ودعت إلى وقف التصعيد، باعتبار أن القصف يُعرِّض حياة المدنيين والعسكريين الأمريكيين في المنطقة للخطر، مع التحذير من خطورة التصعيد العسكري التركي وتداعياته على جهود مواجهة تنظيم “داعش”، وفقاً لما أعلنه الناطق باسم الخارجية الأمريكية نيد برايس.

بموازاة ذلك، فإن موسكو أبدت تحفظها على العملية التركية، إذ دعا الناطق باسم الكرملين دميتري بيسكوف “جميع الأطراف إلى الامتناع عن أي مبادرة يمكن أن تؤدي إلى زعزعة خطيرة للوضع العام”.

3- إعلان “قسد” وقف عملياتها ضد “داعش”: بعد مرور أسبوع تقريباً على القصف التركي لمناطق “قسد”، أعلن قائدها مظلوم عبدي، في 26 نوفمبر الحالي، وقف عملياتها ضد تنظيم “داعش”، خلال القصف التركي على شمال شرق سوريا، قبل أن يُبرر عبدي القرار بأن عناصر “قسد” باتت “منشغلة بمواجهة أي توغل تركي بري، فضلاً عن أن العناصر التي تعمل مع التحالف الدولي باتت هدفاً لتركيا، إضافة إلى إلحاق أضرار في البنية التحتية بالمنطقة”.

وبغض النظر عن صحة مبررات عبدي، فمن شأن إعلان وقف العمليات ضد “داعش” أن يثير تخوفات الأطراف الفاعلة على الساحة السورية، إضافة إلى المجتمع الدولي، بشأن احتمالات زيادة نشاط “داعش” بصورة كبيرة على وقع العملية العسكرية التركية، وبالتالي ممارسة ضغوط أكبر على أنقرة لوقف القصف الجوي والمدفعي، وإثناء الرئيس أردوغان عن تنفيذ عملية برية.

تداعيات مختلفة

في ضوء طبيعة الوضع الحالي بالنسبة لتنظيم “داعش”، وحال استمرار العملية العسكرية التركية سواء من خلال القصف الجوي والمدفعي، أو الانتقال إلى مرحلة الهجوم البري للتوغل في بعض مناطق سيطرة “قسد” خلال الفترة المقبلة، فإن ثمة عدداً من التداعيات المحتملة التي ترتبط بمحاولات “داعش” استغلال الوضع المضطرب، يتمثل أبرزها في:

1- تقليص الضغوط على التنظيم: منذ مطلع العام الحالي، تعرَّض تنظيم “داعش” لعدة ضربات نوعية من قبل التحالف الدولي بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية، لاستهداف عدد من قيادات التنظيم سواء زعيم التنظيم أبو إبراهيم الهاشمي، أو عدد من القيادات النافذة والمؤثرة على مستوى الفرع السوري، في إطار عمليات ذات طابع استخباراتي لتفكيك شبكات الدعم، وبالتالي من شأن العملية العسكرية التركية، خاصة مع إمكانية تنفيذ هجوم بري بدعم من مليشيات موالية لأنقرة، أن يُخفف من الضغط على فرع “داعش” بسوريا، ويساهم في وقف العمليات العسكرية ضده، بعد إعلان “قسد” وقف العمليات كتأثير مباشر للعملية التركية، وصعوبة تنفيذ التحالف عمليات ملاحقة “داعش” في ضوء القصف الجوي والمدفعي الذي استهدف تمركزات لـ”قسد” في محيط قواعد عسكرية أمريكية، وفقاً لتقارير إعلامية.

2- إعادة بناء الخلايا الإرهابية مجدداً: تمكن التحالف الدولي، بمساعدة قوات “قسد” خلال الأشهر القليلة الماضية، من تفكيك عدد من خلايا التنظيم في شمال شرقي سوريا،وبالتالي فإن العملية العسكرية التركية لا يقتصر تأثيرها على احتمالات تصاعد النشاط العملياتي لـ”داعش”، وإنما يمكن أن تدفع التنظيم لإعادة بناء خلاياه في شمال شرق سوريا، كهدف استراتيجي، بصورة تسمح له بإعادة تنشيط تلك الخلايا في بعض المدن والقرى، لاستغلالها لاحقاً في تنفيذ العمليات على المدى البعيد، خاصة أن التنظيم أظهر قدراً من التكيف مع المتغيرات الميدانية على الساحة السورية منذ عام 2019.

3- توسيع النفوذ بعيداً عن مناطق العمليات: تتركز عمليات القصف الجوي والمدفعي التركي على المناطق المتاخمة لمناطق تمركزات المليشيات الموالية لأنقرة، وتحديداً في محافظة الحسكة، وبالتالي قد يستغل “داعش” العملية العسكرية التركية، وانشغال عناصر “قسد” بالاستنفار لمواجهة أي توغل بري تركي، والاحتماء من الضربات الجوية، في محاولة لتوسيع النفوذ بعيداً عن مناطق العمليات العسكرية، وتحديداً في محافظة دير الزور، التي تشهد أعلى معدل عمليات للتنظيم ضد الأكراد في منطقة شمال شرق سوريا، لمحاولة السيطرة على بعض المناطق والقرى، وتوفير مصادر تمويل من خلال فرض الإتاوات. وهنا ربما توفر العملية التركية بيئة مناسبة، في ضوء احتمالات تأثر الحالة الأمنية بشكل عام في شمال شرقي سوريا.

4- التخطيط لاقتحام بعض السجون والمخيمات: أظهرت محاولة تنظيم “داعش” اقتحام سجن غويران بمحافظة الحسكة في شهر يناير الماضي،قدرته على تنفيذ عمليات كبيرة منسقة ذات أهداف استراتيجية حيوية، لتتصاعد التخوفات من قدرة التنظيم على اقتحام بعض السجون والمخيمات التي تضم عناصره وأسرهم وعددهم يتراوح بين 10 إلى 12 ألف. وبالنظر إلى العملية العسكرية التركية، يبقى أن ثمة تخوفات من فرار عناصر “داعش”، إما من خلال هجمات لعناصر التنظيم لتحرير السجناء وأسرهم، خاصة مع تكرار الهجمات المتكررة على مخيم الهول، الذي تشير بعض التقارير إلى تعرض مناطق محيطة به لقصف تركي، أو عبر تمكن عناصر التنظيم في السجون من الفرار، خاصة في ظل محاولات سابقة للتمرد داخل بعض السجون وتمكن بعض السجناء من الفرار، وهي فرضية قائمة، بعد تلميحات “قسد” بأنها قد تكون مجبرة على التخلي عن تأمين معسكرات وسجون تضم عناصر “داعش” وأسرهم. وبشكل عام، سبق أن اتهمت “قسد” تركيا بالتسبب في فرار عدد من سجناء “داعش” خلال عملياتها العسكرية السابقة.

احتواء التهديد

وأخيراً، بغض النظر عن دوافع الولايات المتحدة الأمريكية وروسيا للضغط على تركيا لوقف العملية العسكرية، وعدم الإقدام على عملية برية، فإن نجاح تلك الضغوط يمكن أن يؤدي إلى احتواء التهديد المحتمل من قبل تنظيم “داعش” كأحد تداعيات العملية العسكرية التركية، الذي ربما لا يرتبط بالضرورة بنشاط عملياتي ملحوظ خلال الفترة الحالية، بقدر ما يمنح التنظيم قدراً من حرية الحركة للاستفادة من الوضع المضطرب لصالحه.