تقييم النوايا:
هل يتعرض الاتفاق النووي لاختبار جديد؟

تقييم النوايا:

هل يتعرض الاتفاق النووي لاختبار جديد؟



ربما تكتسب أي صفقة محتملة قد تنتهي إليها المفاوضات الحالية التي تجري في فيينا بين إيران ومجموعة “4+1” بمشاركة أمريكية غير مباشرة، أهمية خاصة من جانب القوى المشاركة فيها. لكن الأهم من ذلك بالنسبة لهذه القوى نفسها هو اختبار الصفقة في حد ذاتها. إذ إن هذه الصفقة سوف تسجل، وفقاً لرؤية هذه القوى، على أنها خطوة إيجابية لتسوية أزمة كان من الممكن أن تؤثر على الأمن والاستقرار في منطقة الشرق الأوسط بدرجة كبيرة. إلا أن ذلك لن يكون كافياً، باعتبار أنه من الضروري اختبار مدى قدرة تلك الأطراف على الالتزام بتعهداتها في الصفقة خلال مرحلة انتقالية قد تمتد شهوراً قبل تفعيل مجمل الاستحقاقات التي ستفرضها على المستويات المختلفة، الاقتصادية والتكنولوجية وربما حتى السياسية.

مؤشران رئيسيان

حرصت الأطراف المشاركة على تأكيد أهمية التوافق على تحديد ما يمكن تسميته بـ”فترة اختبار”، وهو ما يبدو جلياً في مؤشرين رئيسيين: أولهما، تأكيد المتحدث باسم وزارة الخارجية الإيرانية سعيد خطيب زاده، في 7 مارس الجاري، على أن التثبت من التزام الولايات المتحدة الأمريكية بتعهداتها في الاتفاق يستغرق شهوراً. إذ قال في هذا السياق: “يحدد الاتفاق في فيينا طريق عودة الولايات المتحدة مع الامتثال الكامل والوفاء بالتزاماتها بموجب خطة العمل الشاملة المشتركة”، مضيفاً: “لن يكون هذا الأمر بين ليلة وضحاها للولايات المتحدة، وسيستغرق الأمر بضعة أشهر. ومن أجل ذلك قررنا مدة زمنية تستند إلى الاتفاق في المفاوضات”.

وثانيهما، الاتفاق الأخير الذي توصلت إليه الوكالة الدولية للطاقة الذرية مع إيران خلال الزيارة التي قام بها المدير العام للوكالة رفاييل غروسي إلى طهران، في 5 مارس الجاري، بشأن وضع خطة مدتها ثلاثة أشهر لحل المشكلات الخاصة بجزيئات اليورانيوم التي تم اكتشافها في ثلاثة مواقع. وطبقاً لذلك، فإن على إيران أن تقدم توضيحات مكتوبة للأسئلة التي سبق أن طرحتها الوكالة، في موعد أقصاه 20 مارس الجاري، على أن تقوم الأخيرة بدراسة تلك الإجابات في غضون أسبوعين، ثم تعقد اجتماعات بين مسئولي الوكالة وطهران بخصوص المواقع الثلاثة التي أثارت الأولى أسئلتها حول الأنشطة التي تجري فيها، وتختتم تلك الفترة بالتقرير الذي سيرفعه المدير العام إلى مجلس محافظي الوكالة في يونيو المقبل.

دوافع مختلفة

يمكن تفسير حرص القوى المشاركة في المفاوضات على تحديد فترة اختبار لأي صفقة قد تنتهي إليها في ضوء اعتبارات عديدة يتمثل أبرزها في:

1- استشراف مآلات التصعيد الروسي-الغربي: رغم أن معظم الأطراف المعنية بالمفاوضات حريصة على تأكيد أن الحرب في أوكرانيا لن يكون لها تأثير كبير على تطورات المفاوضات واحتمالات الوصول إلى صفقة؛ إلا أن هناك مؤشرات توحي بأن الحرب قد تفرض ارتدادات مباشرة سواء على المفاوضات أو على الصفقة المحتملة في حالة الوصول إليها، على غرار محاولات روسيا الحصول على ضمانات بعدم تأثر علاقاتها الاقتصادية مع إيران بالعقوبات الغربية المفروضة عليها بسبب تدخلها العسكري في أوكرانيا. وهنا، فإن أطرافاً عديدة لا تستطيع التعويل فقط على الوصول إلى صفقة، باعتبار أن هذه الصفقة تبقى مهددة في حالة ما إذا تغيرت حسابات بعض القوى المشاركة فيها في ضوء تطورات الحرب في أوكرانيا، بشكل يمكن أن يعيد تجديد أزمة الاتفاق النووي الحالي، خاصة أن الأزمة الأوكرانية تبدو مفتوحة على مسارات متعددة ولا يبدو أنها سوف تصل إلى نهاية قريبة.

2- تجنب بعض ثغرات الاتفاق الحالي: يبدو أن القوى المشاركة في المفاوضات حريصة على تجنب بعض الثغرات التي تضمنها الاتفاق الحالي، وكانت أحد أسباب تراجع التعويل عليه وتعرضه لأزمة قوية بعد الانسحاب الأمريكي منه ثم اتجاه إيران إلى تخفيض التزاماتها فيه. لكن اللافت في هذا السياق، هو أن هذه الثغرات قد لا يتم احتواؤها بالكامل، حيث ستظل هناك -على الأرجح- بنود خلافية في أي اتفاق محتمل، نتيجة التفسيرات المتباينة للأطراف المشاركة في هذه البنود، ولا سيما ما يتعلق بالتدخلات الإيرانية بالمنطقة إلى جانب برنامج الصواريخ الباليستية.

3- تعزيز القدرة على تمرير الصفقة: تواجه الإدارتان الإيرانية والأمريكية ضغوطاً داخلية بسبب المفاوضات الحالية. إذ تتعرض إدارة الرئيس الأمريكي جو بايدن لانتقادات شديدة من جانب بعض أقطاب الحزبين الجمهوري والديمقراطي بسبب تغاضيها عن بعض السلبيات التي يمكن أن يتضمنها الاتفاق المحتمل. في حين تواجه حكومة الرئيس إبراهيم رئيسي حملة من جانب بعض قيادات تيار المحافظين الأصوليين الذي بدءوا في الترويج لأن فريق التفاوض لم يستطع ممارسة ضغوط للحصول على مستوى أعلى من الامتيازات، وتحصين الاتفاق ضد أي محاولة لتهديد استمراره مجدداً. ومن هنا، فإن الإدارتين قد تستندان إلى “فترة الاختبار” باعتبارها آلية لتقليص حدة تلك الضغوط وتوجيه رسائل بأن هذه الفترة سوف تتضح فيها مدى قدرة كل طرف على تنفيذ التزاماته، قبل أن يكون هناك قرار باستئناف العمل بالاتفاق.

4- تجاوز التعقيدات الفنية المحتملة: لا ينفصل ذلك عن محاولات القوى الدولية تجاوز أية تعقيدات فنية قد تواجه عملية تنفيذ الاتفاق، خاصة فيما يتعلق بتعاون إيران مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية أو ما يتصل بعملية نقل كميات اليورانيوم المخصب التي تزيد عن ما يسمح به الاتفاق إلى الخارج. إذ ربما تبدي تلك القوى قلقاً من احتمال أن تتعمد إيران المماطلة في تنفيذ بعض الإجراءات، على نحو دفعها إلى تحديد مواعيد متفق عليها للانتهاء من الإجراءات الخاصة بعودة التعاون بين إيران والوكالة إلى مستواه الطبيعي قبل نشوب أزمة الاتفاق النووي في منتصف عام 2018.

متغيرات أخرى

مع ذلك، فإن ما يُسمى بـ”فترة الاختبار” لن تكون بدورها هي المحور الأساسي الذي سيعتمد عليه استمرار العمل بالاتفاق من عدمه. فقد سبق أن اتفقت الأطراف المشاركة في المفاوضات الخاصة بالاتفاق الحالي، الذي تم التوصل إليه في 14 يوليو 2015، على اتخاذ إجراءات بناء ثقة، وتحديد فترة اختبار أيضاً قبل أن يتم تفعيل العمل بالاتفاق، حيث لم ترفع العقوبات الدولية المفروضة على إيران إلا في منتصف يناير 2016 على سبيل المثال. لكن ذلك لم يمنع -في النهاية- الولايات المتحدة الأمريكية من الانسحاب من الاتفاق في 8 مايو 2018، بسبب ما تمت الإشارة إليه سابقاً بـ”الثغرات” التي يتضمنها، ولا سيما على صعيد استمرار إيران في تطوير برنامجها للصواريخ الباليستية، وتقديم مزيد من الدعم لحلفائها في المنطقة.

ومن هنا، يمكن القول إن استمرار العمل بالاتفاق سوف يعتمد على متغيرات أخرى، أهمها مدى التزام الأطراف المشاركة فيه بتعهداتها على المديين المتوسط والطويل، ومدى استقرار السياسة التي تتبناها كل من إيران والولايات المتحدة الأمريكية تجاهه خلال المرحلة المقبلة.