مؤشرات مختلفة:
هل تشهد العلاقات الأمريكية-الإسرائيلية تحولات في المرحلة القادمة؟

مؤشرات مختلفة:

هل تشهد العلاقات الأمريكية-الإسرائيلية تحولات في المرحلة القادمة؟



على الرغم من الشراكة الاستراتيجية بين الولايات المتحدة وإسرائيل على مر العقود، فإنها شهدت مع تولي الرئيس الأمريكي جو بايدن مقاليد منصبه- والذي اتسم تاريخه السياسي منذ أن كان عضواً بمجلس الشيوخ، وخلال توليه منصب نائب الرئيس الأمريكي الأسبق باراك أوباما لثماني سنوات، بالدعم القوي لإسرائيل- تحولات عدة، لأسباب داخلية أمريكية، وأخرى تتعلق بسياسات الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة داخلياً وخارجياً، والمواقف التي تبنتها تجاه بعض الأزمات الدولية التي تنخرط فيها الولايات المتحدة، فضلاً عن الاختلافات الجذرية في مقاربة الحليفين تجاه عدد من القضايا والأزمات بمنطقة الشرق الأوسط.

اتجاه معاكس

شهدت الأشهر القليلة الماضية العديد من المؤشرات التي تكشف عن بروز تيار جديد يدعو إلى إعادة التفكير في طبيعة العلاقات الأمريكية-الإسرائيلية، ومدى خدمتها للمصالح والأمن القومي الأمريكي، ومن أبرز تلك المؤشرات ما يلي:

١- تعيين مسئولين منتقدين لإسرائيل: كثيراً ما كان الرؤساء الأمريكيون، الديمقراطيون والجمهوريون على حد سواء، يختارون مسئولين تنفيذيين مؤيدين لإسرائيل وسياساتها، ولكن مع تزايد تبني تل أبيب سياسات تتعارض مع المصالح الأمريكية، خاصة فيما يتصل بتعزيز العلاقات مع روسيا والصين، والتحولات في المزاج العام الأمريكي حول التأييد الأمريكي لإسرائيل؛ بدا لافتاً أنه تم اختيار مسئولين في مناصب عليا أمريكية يعارضون السياسات الإسرائيلية، كان آخرهم المتحدثة الجديدة باسم البيت الأبيض كارين جان بيير التي حلت محل جين ساكي، في 5 مايو الجاري، والتي تتهمها وسائل الإعلام الإسرائيلية بـ”معاداة إسرائيل وجماعات الضغط الأمريكية الموالية لها”، وفي مقدمتها منظمة “لجنة الشئون العامة الأمريكية-الإسرائيلية” (أيباك)، حيث سبق أن نشرت مقالاً في مجلة “نيوزويك” في 26 مارس ٢٠١٩ دعت فيه المرشحين للانتخابات الرئاسية لعام ٢٠٢٠ إلى الابتعاد عن “أيباك”، إلى جانب مهاجمتها رئيس الوزراء الإسرائيلي السابق بنيامين نتنياهو، فضلاً عن انتقاداتها للسياسات الإسرائيلية تجاه الفلسطينيين.

٢- اتساع نطاق الخلافات حول بعض القضايا: تزايدت الخلافات بين واشنطن وتل أبيب حول العديد من القضايا المهمة، ويأتي في مقدمتها المحادثات النووية غير المباشرة مع إيران في فيينا من أجل إعادة إحياء الاتفاق النووي لعام ٢٠١٥، الذي انسحبت منه إدارة الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب في ٨ مايو ٢٠١٨، حيث ترفض تل أبيب جهود إدارة الرئيس جو بايدن للعودة للاتفاق؛ لكونه -من وجهة النظر الإسرائيلية- سيزيد من الدور الإقليمي لإيران، وسيساهم في توفير الأموال التي تستخدمها في تمويل الإرهاب. كما عبر العديد من المسئولين الأمريكيين عن قلقهم بشأن الاستثمارات الصينية في إسرائيل، ولا سيما في قطاع التكنولوجيا، والمشاركة في مشاريع البنية التحتية الكبرى، بالإضافة إلى عدم اتخاذ الحكومة الإسرائيلية موقفاً داعماً للسياسات الأمريكية لعزل روسيا دولياً في أعقاب العمليات العسكرية التي تشنها ضد أوكرانيا منذ ٢٤ فبراير الماضي، والمستمرة حتى الآن. ولهذا أعربت مجموعة من المشرعين من الحزبين الديمقراطي والجمهوري عن دهشتها وخيبة أملها لأن إسرائيل، التي تتلقى مساعدات خارجية أمريكية أكثر من أي دولة أخرى في العالم، لم ترسل أسلحة إلى أوكرانيا أو تنضم إلى نظام العقوبات الذي تفرضه الولايات المتحدة وأوروبا ودول أخرى على روسيا.

٣- تراجع التأييد الداخلي لتل أبيب: كشفت نتائج استطلاع لمؤسسة “جالوب” ظهرت في ١٧ مارس الماضي، أن ٥٥٪ من الأمريكيين يتعاطفون أكثر مع الإسرائيليين، و٢٦٪ يتعاطفون مع الفلسطينيين، بينما كانت تلك النسبة في عام ٢٠٢٠ حوالي ٥٩٪ مقابل ٢١٪ على الترتيب. وقد أظهرت النتائج أيضاً أن هناك انقساماً حاداً داخل الحزب الديمقراطي حول دعم إسرائيل، حيث يؤيد ٤٠٪ الإسرائيليين و٣٨٪ الفلسطينيين، بينما كان دعم الديمقراطيين للحليف الإسرائيلي يتفوق على دعم الفلسطينيين بحوالي ٣٥ نقطة مئوية في عام ٢٠١٣، في حين تستمر معدلات التأييد لإسرائيل مرتفعة داخل الحزب الجمهوري.

٤- تغير قائمة الأولويات لدى الديمقراطيين: اتساقاً مع تراجع التأييد الديمقراطي لإسرائيل وسياساتها في الأراضي الفلسطينية، وصعود التيار التقدمي داخل الحزب الديمقراطي، الذي برز بقوة على الساحة السياسية الأمريكية خلال الانتخابات الرئاسية لعام ٢٠٢٠، وخاصة بعد الدور الكبير الذي لعبه في فوز جو بايدن على منافسه الجمهوري دونالد ترامب؛ واجه الرئيس بايدن ضغوطاً لإحداث تحول في السياسات الأمريكية التقليدية الداعمة لإسرائيل، في ظل تغير الأولويات لدى الديمقراطيين. فقد أشار شبلي تلحمي في دراسة استقصائية ظهرت نتائجها في ١٧ أبريل الفائت، إلى أن الديمقراطيين وضعوا إسرائيل في أسفل قائمة حلفاء الولايات المتحدة المهمين، حيث يعتبر أقل من ١٪ من الديمقراطيين إسرائيل كخيار أول أو ثانٍ بين أهم الحلفاء للولايات المتحدة، وقد جاءت خلف ثماني دول أخرى. وتكشف نتائج هذا الاستطلاع عن فجوة متزايدة بين الناخبين والديمقراطيين المنتخبين الذين يعتمدون على اللوبي الإسرائيلي ليتم انتخابهم.

لكن اللافت في هذا السياق، هو أن تغير الأولويات ربما لا يقتصر على الديمقراطيين، فقد امتد أيضاً إلى الجالية اليهودية في الولايات المتحدة. قد أظهرت نتائج الاستطلاع الأخير الذي أجراه معهد الناخبين اليهودي خلال الفترة من ٣ مارس إلى ٤ أبريل الماضيين، أن قضية تغير المناخ تتصدر قائمة أولويات الناخبين اليهود الأمريكيين بنسبة ٢٩٪، تليها قضية حقوق التصويت بنسبة ٢٨٪، وكذلك القضايا الاقتصادية بنسبة ٢٥٪، بينما تأتي قضايا إسرائيل والتهديد الإيراني في ذيل قائمة الاهتمامات بنسبة ٤٪ و٣٪ على الترتيب.

5- توجيه انتقادات متعددة لمنظمة “أيباك”: تواجه منظمة “أيباك” انتقادات متعددة وقوية من قادة ومعلقين يهود بارزين، بمن في ذلك بعض كبار المسئولين السابقين، بعد إعلانها دعم أكثر من 30 عضواً في الكونجرس صوتوا لإلغاء نتائج الانتخابات الرئاسية في ٦ يناير ٢٠٢١. وبدلاً من تغيير مسارها، فقد أعلنت عن تأييد ١٠٩ من أعضاء الكونجرس الذين تصفهم تقارير عديدة بأنهم “مناهضين للديمقراطية” في انتخابات التجديد النصفي للكونجرس المقرر لها في نوفمبر القادم، وهو الأمر الذي يثير، وفقاً لاتجاهات عديدة، التساؤل داخل الأوساط السياسية الأمريكية حول اهتمام جماعات اللوبي الإسرائيلية بمستقبل الديمقراطية الأمريكية.

مناخ مواتٍ

لا تزال تداعيات الصدام الحاد الذي نشب بين رئيس الوزراء الإسرائيلي السابق بنيامين نتنياهو والرئيس الأمريكي الأسبق باراك أوباما حول الاتفاق النووي الإيراني مستمرة، حيث عمَّقت الخلافات الأمريكية-الإسرائيلية، وأعاقت عمل المنظمات وجماعات الضغط اليهودية داخل الولايات المتحدة. هذا بجانب التغييرات الجيلية داخل الولايات المتحدة، التي تعد دافعاً رئيسياً للتغير في السياسة الأمريكية تجاه إسرائيل، خاصة أن هناك اتجاهات داخل الجيل الجديد تبدي اهتماماً متزايداً بحركات العدالة الاجتماعية التي أصبحت موضع دعم من قبله مع تنامي التيار المؤيد لها في أعقاب حادث مقتل الأمريكي من أصول إفريقية جورج فلويد، وبروز حركات اجتماعية مثل حركة “حياة السود مهمة” التي تدعو إلى العدالة الاجتماعية داخل الولايات المتحدة.