ارتدادات الصراع:
هل تستغل التنظيمات الإرهابية الحرب في السودان؟

ارتدادات الصراع:

هل تستغل التنظيمات الإرهابية الحرب في السودان؟



مع اقتراب الحرب في السودان من افتتاح عامها الثاني في 15 أبريل القادم، بدأت دول وأجهزة عديدة في توجيه تحذيرات من التداعيات التي يمكن أن يفرضها ذلك على تصاعد نشاط التنظيمات الإرهابية من جديد. ففي هذا السياق، أشار تقرير صادر عن مكتب الاستخبارات الوطنية الأمريكي، في 16 مارس الجاري، إلى إمكانية تحول السودان إلى “بيئة مثالية للشبكات الإرهابية والإجرامية الدولية”.

وكما يبدو، فإن ما آلت إليه الحرب المستمرة في السودان يُساهم في توجيه أنشطة تنظيمي “داعش” و”القاعدة” وغيرهما إلى الداخل السوداني، خاصة في ظل إصرار طرفى الصراع على الاستمرار في الحرب، بصرف النظر عن النتائج الكارثية لهذا الصراع على وحدة الدولة السودانية واحتمال توجهها نحو التفكك.

عوامل دافعة

اللافت أن ثمة عدداً من العوامل المُساعدة لإمكانية تحول السودان إلى “بيئة حاضنة” للتنظيمات الإرهابية، يتمثل أهمها فيما يلي:

1- استمرار الصراع وإمكانية تفكك الدولة: يُتيح استمرار الصراع العسكري بين الجيش وقوات الدعم السريع، التوجه بالسودان نحو التفكك، وربما الوصول إلى مرحلة “الدولة الفاشلة”، بما يُمكن أن يؤدي إلى تعزيز نفوذ تنظيمى “داعش” و”القاعدة” في المنطقة الممتدة من غرب أفريقيا إلى شرقها، بل وجعل شرق أفريقيا ضمن المناطق الأكثر خطورة فيما يتعلق بأنشطة التنظيمات الإرهابية.

والمُلاحَظ أن استمرار الصراع بهذا الشكل، بما يتضمن من تدمير للبِنى التحتية، وتزايد عمليات النزوح المستمرة، فضلاً عن اللجوء إلى خارج الحدود السودانية، سوف يضع السودان، ودول الجوار الإقليمي، مثل الصومال وأوغندا وإثيوبيا وكينيا، في صدارة أنشطة تلك التنظيمات، ربما بصورة تفوق دول الساحل الأفريقي التي شهدت انقلابات عسكرية، مثل مالي والنيجر وبوركينافاسو.

2- تصاعد حدة التحديات الأمنية: يساهم ضعف البيئة الأمنية والاستقرار المجتمعي في تعزيز احتمالات تحول السودان إلى بيئة استقطاب للتنظيمات الإرهابية وملاذ لتمركزها ونشاطها، الأمر الذي سوف يُفاقم من حدة التهديدات الأمنية لهذه التنظيمات، سواء على المستوى الداخلي أو على المستوى الإقليمي.

واللافت أن تشابك حدود السودان مع دول توجد فيها فروع لتنظيمى “داعش” و”القاعدة”، ومن بينها “حركة الشباب” الصومالية، فضلاً عن فروع “داعش” في الكونغو الديمقراطية وتشاد؛ يجعل من السهولة لهذه التنظيمات استغلال الفراغ الاستراتيجي الناتج عن الصراع العسكري المستمر في السودان، في الانتشار وإعادة التموضع، خاصة في مناطق الحدود المشتركة بين السودان ودول الجوار الإقليمي. ولعل ذلك ما يُمكن أن يجعل من السودان في المستقبل القريب مصدراً حقيقياً للتنظيمات المتطرفة، والجماعات الإرهابية، ليُصبح تكراراً لنموذج أفغانستان، أو الصومال.

3- أهمية موقع السودان للتنظيمات الإرهابية: تُساعد الأوضاع الأمنية والسياسية غير المستقرة، إضافة إلى الحدود الممتدة والهشة، من منظور السيطرة الأمنية، في توفير المناخ المناسب لتنفيذ المشروعات المفترضة لتنظيمى “داعش” و”القاعدة”، خاصة مع توافر الفرص لتجنيد الآلاف من الأفراد في صفوف هذه الجماعات وغيرها نتيجة انتشار الفقر والجوع، وغياب الدولة عن رعاية مواطنيها وحمايتهم.

وبالتالي، توفر ظروف السودان الحالية، من عدم الاستقرار المجتمعي، والضعف الأمني، فرصة لكافة التنظيمات الإرهابية، لتكوين نقاط ومرتكزات تجمع، وتشكيل خلايا مسلحة نشطة، ليس فقط في المناطق الحدودية القريبة من ليبيا وتشاد وأفريقيا الوسطى، ولكن أيضاً على أطراف العاصمة الخرطوم، التي ستكون مرشحة في حال استمرار الصراع العسكري لتُصبح مرتكزاً للدعم والإسناد الخاص بفروع تنظيمى “داعش” و”القاعدة”.

وكما يبدو، ففي حين يعتمد تنظيم “داعش” على الوجود في دول غرب أفريقيا، والتوغل الذي يبدو عليه في دول الساحل الأفريقي، لتمرير عناصره المقاتلة إلى دارفور، ومنها إلى أطراف الخرطوم، يعوِّل تنظيم “القاعدة” على القرب الجغرافي من أقوى نقاط تمركزه، في الصومال، فضلاً عن الحضور الفاعل له في بعض دول الساحل، لتوفير عملية إسناد لمشروعه في السودان.

4-        مركزية موارد السودان كمصادر تمويل: فبالنظر إلى أن السودان تتمتع بموارد طبيعية متعددة، فإن هذه المصادر، وخاصة الذهب، تُمثل أهمية فائقة للتنظيمات المتطرفة والجماعات الإرهابية، كمصادر تمويل لأنشطتها وتحركاتها. وقياساً إلى السيناريو الذي كانت هذه التنظيمات قد اتبعته في دول الساحل الأفريقي- مالي وبوركينافاسو والنيجر- على خلفية غياب سلطة الدولة المركزية؛ فإن السيطرة على بعض مناطق تعدين الذهب داخل السودان قد تُصبح هدفاً مستقبلياً لهذه التنظيمات.

5-        تأثير انتشار التسليح الشعبي: أثارت الدعوات المتزايدة إلى فتح المجال أمام الأفراد لشراء السلاح، للانخراط فيما يُطلق عليه “المقاومة الشعبية”، مخاوف بشأن انزلاق البلاد إلى حالة من فوضى انتشار السلاح، وبروز المزيد من المليشيات القبلية المسلحة التي سوف تكون لها امتدادات إقليمية، بحكم توافر الروابط الإثنية مع بعض دول الجوار الجغرافي للسودان.

وفي ظل حالة السيولة -بل الهشاشة- الأمنية التي تُعاني منها السودان، فإن حالة التجييش الشعبي التي تتشابه مع السياسات التي انتهجها نظام الرئيس السابق عمر البشير، يُمكن أن تؤدي إلى بروز مجموعات ذات ارتباطات مع تنظيمات إرهابية خارج السودان، خاصة تلك التي تنشط في بعض دول غرب أفريقيا وشرقها، مثل تنظيمى “داعش” و”القاعدة”، حيث سيؤدي التكالب على شراء السلاح من قبل الأفراد إلى المزيد من تدفق السلاح إلى الداخل السوداني، بما يُتيح المجال لهذه التنظيمات للاستفادة من الهشاشة الأمنية للعمل في تجارة السلاح، والتمركز داخل السودان.

مسارات متوقعة

في هذا السياق، يُمكن القول إن البيئة غير المستقرة وحالة السيولة الأمنية التي تُعاني منها السودان، نتيجة استمرار الصراع العسكري، تُوفر فرصة مواتية لانتشار نشاط التنظيمات الإرهابية، خاصة في ظل ما تحظى به السودان من موقع مهم وموارد طبيعية، بالتزامن مع انتشار الأسلحة عبر الحدود، وتضاعف أعداد النازحين.

وكما هو متوقع، فإن وضعية عدم الاستقرار تلك سوف تؤدي إلى عدد من المسارات المحتملة، أهمها مساران: الأول، انتقال عناصر من التنظيمين من خارج السودان إلى داخل البلاد، الأمر الذي سيُشكل خطراً من منظور أن هذه العناصر ليست معروفة، وتتزايد صعوبة متابعتها في ظل حالة السيولة الأمنية الحاصلة. والثاني، تصاعد التنافس بين التنظيمات على الاستقطاب والتجنيد لعناصر داخل السودان، تكون بمثابة خلايا قادرة على تنفيذ عمليات في العمق الاستراتيجي للدولة، والأهم تكون قادرة على السيطرة على أجزاء من مواردها.