انعكاسات التوتر:
هل تستعد إيران لاحتمال نشوب حرب في المنطقة؟

انعكاسات التوتر:

هل تستعد إيران لاحتمال نشوب حرب في المنطقة؟



مع تعثر المفاوضات التي تجري في فيينا حول الاتفاق النووي، بسبب الخلافات العالقة بين إيران والدول الغربية، فضلاً عن الوكالة الدولية للطاقة الذرية؛ بدأت إيران في اتخاذ خطوات متوازية توحي بأنها لم تعد تستبعد الانخراط في حرب مباشرة بالمنطقة، وهو ما يمكن تفسيره في ضوء تزايد القلق الإيراني من الترتيبات العسكرية الأمريكية الجديدة، واستهداف واشنطن لمواقع المليشيات الحليفة لها في سوريا، واستمرار العمليات الإسرائيلية لعرقلة النشاط النووي والقدرات العسكرية الإيرانية.

بدأت إيران مجدداً في التركيز على الحضور العسكري الأمريكي في منطقة الشرق الأوسط، بالتوازي مع تعزيز الاستعدادات الداخلية لمواجهة أي هجوم عسكري خارجي خلال المرحلة القادمة. ففي هذا السياق، وجّه رئيس هيئة أركان القوات المسلحة الإيرانية محمد باقري، في 7 سبتمبر الجاري، تحذيرات مباشرة إلى الولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل والدول التي تستضيف قواعد عسكرية أمريكية في المنطقة، حيث قال: “نحن وإضافة إلى قيامنا بتوجيه تحذير خطّي وإرسال الرسائل عبر وزارة خارجيتنا للدول المستضيفة للجيش الأمريكي، وجّهنا ونوجِّه إنذاراً أيضاً عبر تعزيز تواجدنا وزيادة مدى دورياتنا الجوية والبحرية، وتعميق المراقبة الاستخباراتية، وتنفيذ مناورات مختلفة صاروخية وبالطائرات المسيرة وغيرها، ونؤكد جاهزيتنا”. وقبل ذلك بثلاثة أيام، أعلن نائب وزير الدفاع مهدي فرحي أن إيران جهَّزت 51 من مدنها وبلداتها بأنظمة دفاع مدني، ورفعت مستوى تأهب قوات الدفاع الجوي لإحباط أي هجوم أجنبي محتمل.

دوافع عديدة

يمكن تفسير إقدام إيران على اتخاذ هذه الإجراءات في ضوء دوافع عديدة، يتمثل أبرزها في:

1- توسيع نطاق التنسيق الأمريكي-الإسرائيلي: تتابع إيران بدقة اتساع نطاق التنسيق العسكري بين الولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل، والذي ترى أنها الهدف الأساسي منه. وفي رؤيتها، فإن هذا التوجه سوف يستمر أياً كان السيناريو الذي يمكن أن تنتهي إليه المفاوضات في فيينا. فإذا انتهت المفاوضات بالفشل، فإن هذا التنسيق سوف يكون إحدى الآليات التي سوف تلجأ إليها الدولتان للتعامل مع مخاطر تطور البرنامج النووي الإيراني. أما إذا انتهت بالوصول إلى صفقة، فإنه سيكون رسالة طمأنة من جانب واشنطن تفيد بأنها لن تقيد الخيارات المتاحة أمام تل أبيب للتعامل مع ما تراه “خطراً محدقاً” بأمنها ومصالحها.

2- استمرار العمليات الاستخباراتية الإسرائيلية: كان لافتاً أن رئيس هيئة أركان القوات المسلحة الإيرانية محمد باقري عزا هذه التحذيرات في المقام الأول إلى القرار الذي اتخذته واشنطن، في 15 يناير 2021، بضم إسرائيل إلى منطقة القيادة المركزية في الشرق الأوسط. وقد اعتبرت إيران أن هذه الخطوة من شأنها تعزيز العمليات الاستخباراتية التي تقوم بها إسرائيل داخل أراضيها، وتستهدف من خلالها المنشآت النووية، وقادة وكوادر البرنامج الصاروخي والحرس الثوري، والعلماء النوويين، خاصة أن باقري يتوقع أن يساهم ذلك في مد إسرائيل بالمزيد من المعلومات الاستخباراتية التي يمكن أن تساعدها في تنفيذ هذه العمليات، وهو ما يعني أن طهران ترى أن واشنطن لها دور، على الأقل “لوجيستي”، في تنفيذ هذه العمليات التي مثلت اختراقاً أمنياً واضحاً بالنسبة لها.

3- تركيز واشنطن على “بدائل” الاتفاق النووي: رغم أن إدارة الرئيس الأمريكي جو بايدن ما زالت حريصة على تأكيد أنها تفضل الخيار الدبلوماسي في التعامل مع أزمة البرنامج النووي الإيراني، وتُعوِّل على إمكانية الوصول إلى اتفاق عبر المفاوضات التي تجري في فيينا؛ إلا أنها -في الوقت نفسه- حرصت على تأكيد أن لديها خيارات أخرى في التعامل مع سياسة “كسب الوقت” التي تتبعها إيران.

ويبدو أنها تتعمد في الوقت الحالي الإشارة إلى أن هذه الخيارات قد لا تنحصر في العقوبات، على نحو بدا جلياً فيما أشارت إليه تقارير عديدة من اتجاه واشنطن إلى تدشين برنامج إقليمي لإنتاج زوارق مسيرة بغرض مراقبة التهديدات التي تتعرض لها حركة الملاحة، وهي الزوارق التي كانت سبباً في تصاعد حدة التوتر بين إيران والولايات المتحدة الأمريكية في أواخر أغسطس الفائت وبداية سبتمبر الجاري، بعد أن حاولت الأولى احتجاز أحدها في منطقة الخليج العربي وفشلت في ذلك، ثم قامت باحتجاز زورقين في البحر الأحمر قبل أن تفرج عنهما.

كما كان قيام الجيش الأمريكي، في 5 سبتمبر الجاري، بإطلاق قاذفتين من طراز “بي-52″، طويلة المدى ذات القدرات النووية، فوق الشرق الأوسط، بمثابة رسالة تحذيرية إلى إيران، في خضم تصاعد حدة الخلافات بين الطرفين، سواء حول الاتفاق النووي، أو حول البرنامج الصاروخي والتدخلات الإقليمية.

4- استهداف مواقع المليشيات الموالية لطهران في سوريا: ترى إيران أن الضربة العسكرية التي شنتها الولايات المتحدة الأمريكية في محافظة دير الزور السورية، في 24 أغسطس الفائت، واستهدفت مواقع تابعة لمليشيات موالية لها، لا سيما “فيلق فاطميين”، تمثل تحولاً لا يمكن تجاهله في إدارة التصعيد بين الطرفين على الساحة الإقليمية. فقد جاءت الضربة بالتوازي مع استمرار الاتصالات حول الردين الأمريكي والإيراني على مسودة الاتفاق النووي التي طرحها مسئول السياسة الخارجية بالاتحاد الأوروبي جوزيب بوريل، مما يعني أن واشنطن كانت تريد عبرها تأكيد أن رفض طهران توسيع نطاق المفاوضات لتشمل الملفات الإقليمية لن يمنعها من التحرك لمواجهة تدخلاتها وحماية مصالحها.

ورغم أن إيران زعمت أن المواقع التي تعرضت لتلك الضربة ليست تابعة لها، إلا أن ذلك لا ينفي أنها تدرك المغزى الحقيقي للضربة، وهو أن واشنطن تريد توجيه تحذير مباشر لها من أن لديها أكثر من خيار في التعامل معها، رغم أنها ما زالت تُعوِّل على المفاوضات كآلية للوصول إلى صفقة حول الاتفاق النووي.

تحركات محتملة

في ضوء ذلك، يمكن القول في النهاية إن الفترة القادمة ربما تشهد مزيداً من الخطوات التصعيدية بين الطرفين، خاصة أنه لم تتضح بعد ما إذا كانت المفاوضات التي تجري في فيينا سوف تنتهي بالوصول إلى صفقة أم لا. فضلاً عن أن الخلافات العالقة بين إيران والوكالة الدولية للطاقة الذرية حول الأنشطة النووية الإيرانية في بعض المواقع تمثل متغيراً يفرض ضرورة إبقاء كل الاحتمالات مطروحة، بما فيها احتمال فشل الصفقة، على نحو سوف ينتج بدوره تأثيرات مباشرة على اتجاهات التفاعلات بين طهران وواشنطن. ويبدو أن اجتماع مجلس حكام الوكالة الذي سوف يعقد في الفترة من 12 إلى 16 سبتمبر الجاري، سوف يعطي مؤشراً حول المسار الذي سوف تتجه إليه العلاقة بين إيران والوكالة خلال المرحلة القادمة.