إدارة التهدئة:
هل باتت الأزمات العربية قريبة من عتبة التسويات السياسية؟

إدارة التهدئة:

هل باتت الأزمات العربية قريبة من عتبة التسويات السياسية؟



بينما تقترب دورة الصراع من نهايتها على وقع توقف التصعيد المسلح في بعض الصراعات العربية مثل حالة ليبيا، وتراجعها إلى أدنى مستوى في حالات أخرى مثل سوريا واليمن، لم تبدأ بعد عمليات التسوية السياسية الفعلية لهذه الأزمات رغم تنامي الحديث عن التسويات في الفترة المقبلة. وتُشير العديد من المؤشرات والتفاعلات السياسية إلى أن هناك إمكانية لبدء عملية تسوية ما بعد حالة التهدئة التي تشكل القاسم المشترك المرحلي في هذه الملفات، وبالتالي يمكن الحديث عن أن المرحلة الحالية هي مرحلة “إدارة التهدئة”.

 ومع ذلك، يمكن القول إن عملية التهدئة أو مسارات التسوية المقبلة ربما لن تضع حداً نهائياً للتصعيد المسلح في أي من تلك الحالات. فمن الناحية النظرية، تشير أدبيات دراسات الصراع إلى احتمالات انتكاس مسار التسوية في بعض الحالات. ومن الناحية العملية، فإن قضايا التسوية التي ستطرح على موائد التفاوض لن تكون هينة بالقدر الذي يسمح بإنضاج عملية التسوية سريعاً إلى درجة يمكن القول معها إن الإطار الزمني للتسويات حتى الوصول لحالة من الاستقرار في تلك الدول قد يكون أطول زمناً من دورة الصراع ذاتها.

وفي هذا الإطار، تُشير وثائق الأمم المتحدة إلى أن عملية بناء السلام لإرساء الاستقرار ما بعد تسوية الصراع هي بالفعل الأطول زمناً، وتحتاج إلى آليات وضمانات لا تسمح بتجدد الصراع مرة أخرى.

مظاهر عديدة

هناك العديد من المظاهر التي يمكن أن تؤكد على فرضية “إدارة التهدئة”. ففي اليمن على سبيل المثال، جرى تعليق الهدنة التي تم الاتفاق عليها في أبريل 2021 بعد سته أشهر من إقرارها، إلا أن الهدنة ما بين السعودية والحوثيين لا تزال مستمرة، وتطورت بشكل كبير حيث يتبادل الطرفان الاتصالات واللقاءات المشتركة في صنعاء والرياض.

وفي حين أن الطرفين لا يزال أمامهما شوط طويل للوصول إلى ترتيبات أو توافقات مشتركة، إلا أن آلية الاتصال والتهدئة مستمرة، وأقر المبعوث الأممي إلى اليمن هانز غروندبرغ بهذا الإطار في إفادته الأخيرة أمام مجلس الأمن الدولي في 17 مايو الجاري، حيث أقر بوجود التهدئة وتقدم مساعي الوساطة ما بين الأطراف، مشيراً في الوقت ذاته إلى أنه يتعين وجود اتفاق رسمي على وقف إطلاق النار.

بالتوازي مع ذلك، وعلى الصعيد الليبي، لم تشهد ليبيا منذ إقرار وقف إطلاق النار، في أكتوبر 2020، تصعيداً عسكرياً كبيراً، كما لم تشهد اندلاع حرب أهلية على نحو ما كان موجوداً في السابق، وذلك على الرغم من استمرار تعثر عملية الانتقال السياسي في البلاد. كما أن جهود عملية توحيد المؤسسات ولا سيما المؤسسة العسكرية محل مداولات ومباحثات ما بين الأطراف في إطار اللجنة العسكرية المشتركة (5+5). كما تجاوزت الأطراف السياسية إشكالية القاعدة الدستورية، وتشكلت لجنة (6+6) لوضع قاعدة انتخابية، إلا أنها لا تزال تشهد قدراً من التباطؤ في تقديم منتج نهائي في هذا الصدد، لكن وجود الآليات في حد ذاته وتفعيلها يؤكد على موقف الأطراف من اعتماد الحل السياسي بدلاً من اللجوء إلى التصعيد.

وفي الحالة السورية، ومنذ إقرار مسار خفض التصعيد في اتفاق سوتشي 2017، تحول المشهد الأمني من التصعيد المسلح إلى الاحتكاكات العسكرية التي يمكن رصدها ما بين القوى الإقليمية والدولية، وهي احتكاكات متقطعة من فترة لأخرى، في حين أن التحولات السياسية على الصعيد السوري تكتسب زخماً أكبر، سواء في التقارب العربي مع النظام السوري، وأبرز مظاهرها عودة سوريا إلى مقعدها في الجامعة العربية والمشاركة في القمة العربية بالرياض في 19 مايو الجاري، بالتزامن مع استمرار المباحثات الخاصة بالتقارب السوري-التركي.

أبعاد رئيسية

تتشكل ديناميكيات جديدة في إطار عملية التهدئة، ربما تختلف عن الديناميكيات التي تشكلت في سياق مرحلة الصراع، ومنها على سبيل المثال:

1- التقارب السعودي-الإيراني: وذلك في ضوء الوساطة الصينية، وبالتالي الحديث هنا عن متغير مركب أو متتالٍ، من حيث إن الصين أصبحت لاعباً محورياً في هذه الملفات التي لم تتطرق إليها من قبل، وبالتبعية لم تنسحب الولايات المتحدة منها، والأمر الآخر يتعلق بانعكاسات التقارب ما بين الرياض وطهران، وهو متغير مهم في سياق إدارة عملية التهدئة في الفترة الحالية كاختبار للتقارب، ويتصدر الملف اليمني بالطبع الاختبار ما بين الجانبين.

2- عودة الانخراط الأمريكي: في بعض الملفات بشكل كلي أو جزئي، على نحو يبدو جلياً في عودة الاهتمام الأمريكي بالملف الليبي. ومع ذلك، من الأهمية بمكان الإشارة إلى أن الأولوية الأمريكية هي تقويض الدور الروسي في ليبيا خلال المرحلة الحالية، وهو ما ظهرت ملامحه في التقارب مع القيادة العامة في شرق ليبيا.

وتبع هذا التقارب الأمريكي أيضاً تقارب إيطالي تمثل في زيارة القائد العام للجيش الليبي خليفة حفتر إلى روما في 4 مايو الجاري. ويركز كلا الطرفين الأمريكي والإيطالي، بالإضافة إلى القوى الغربية، عموماً على الملف السياسي، وإمكانية الوصول إلى الانتخابات، كما تدعم واشنطن جهود الحل السياسي على الرغم من أن بكين أصبحت منافساً قوياً لها في هذا الصدد.

3- تحركات البعثات الأممية: وهو ما يتضح من التحركات الأممية مع الوسطاء في الملف اليمني، بالإضافة إلى التحركات التي تقوم بها البعثة الأممية مع مختلف الأطراف المحلية الليبية، إلى جانب القوى الإقليمية. ومن المتصور أن تزايد هامش حركة البعثات الأممية في ملفات الأزمات الإقليمية يأتي في إطار الانفراجة التي شكلتها التطورات الراهنة في ملفات الأزمات عموماً.

تحديات محتملة

على نحو ما سلفت الإشارة، من المتصور أن عملية التهدئة قد تشكل عتبة مهمة لتهيئة الأوضاع لعملية سياسية أو الانتقال السياسي في ملفات الأزمات الإقليمية. ومع ذلك، هناك بعض التحديات المحتملة في هذا السياق، منها على سبيل المثال:

1- الهدوء النسبي: بمعنى أن عملية التهدئة الحالية في العديد من الملفات لا تزال عملية نسبية. فعلى سبيل المثال، في اليمن لا يزال هناك تصعيد مسلح ما بين الحوثيين والحكومة الشرعية، على الرغم من الهدوء ما بين السعودية والحوثيين، كما أن المسار ما بين الطرفين (الرياض والحوثيين) قابل هو الآخر للتعثر، في ظل مساعي الحوثيين للحصول على مكاسب المرحلة أكثر من العمل على إنضاج عملية سياسية يمكن أن تكون محل توافق ما بين كافة الأطراف.

2- التأثير المحدود: في الحالة السورية، تم استيعاب النظام السوري مجدداً في الحاضنة العربية، لكن لا يزال الحديث عن العودة إلى مسار جنيف وتسوية الأزمة داخلياً عالقاً. فرغم أهمية تأثير العودة العربية على مسار التهدئة في الداخل السوري وعلى المستوى الإقليمي، إلا أنها لم ترتبط باستحقاقات سياسية على الصعيد الداخلي. وبالتالي لن يمتد أثر التقارب العربي-السوري إلى هذا الأمر كشأن داخلي، مع استمرار الاهتمام العربي بتطورات البعد الدولي والإقليمي في المشهد السوري.

3- طول المدى الزمني: قد ينعكس التطبيع في ظل الأمر الواقع الذي أفضت إليه ملفات الأزمات على طول المدى الزمني لمرحلة التهدئة بما قد يوحي بترحيل التسويات، والدخول في مراحل انتقالية لاختبار التفاعلات الإقليمية والدولية الجديدة في ملفات الأزمات، وقد تتغير هذه التفاعلات في حد ذاتها في المستقبل، فضلاً عن أنه لا يشترط صمود بعضها بالأساس.

اختبار حاسم

في الأخير، يمكن القول إن المرحلة الحالية هي مرحلة إدارة التهدئة ما بين الفاعلين في العديد من ملفات الأزمات العربية، لكن كفترة بينية ما بين نهاية الصراع وبداية عملية التسوية، لا تزال نتائجها غير منظورة في المدى القريب، وبالتالي فإن الحكم على أن مرحلة التهدئة هي مسار حتمي لبدء عتبة التسويات هو مسألة قيد الاختبار، وحتى وإن كانت أفضل حالاً مما سبق، إلا أن مفاعيلها المرتقبة قد تشهد ارتدادات عكسية في بعض الحالات، وقد تشكل بالفعل عتبة للتسوية في حالات أخرى.