هل أخطأ بايدن في اليمن؟ – الحائط العربي
هل أخطأ بايدن في اليمن؟

هل أخطأ بايدن في اليمن؟



بعد أربع سنوات قضاها الرئيس الأميركي دونالد ترمب في البيت الأبيض وقبل نهاية ولايته بأيام معدودات، وقع وزير خارجيته مايك بومبيو في 11 يناير (كانون الثاني) 2021 أمراً تنفيذياً بتصنيف جماعة “أنصار الله” الحوثية جماعة إرهابية في توقيت مريب، كان واضحاً أن الغرض منه توريط الإدارة الجديدة المقبلة حينه، وذلك بعد أربع سنوات من الصمت والتغاضي عن الأمر.

ولا بد من أن الأمر جاء كحملة دعائية للوزير المغادر كما هي عادة المسؤولين الغربيين في اتخاذ قرارات تصل حد التناقض مع ممارساتهم خلال فترة توليهم مناصب رسمية استعداداً لانتقالهم إلى العمل مع مكاتب العلاقات العامة التي يستأجرها كثير من حكومات العالم لتحسين صورتها في الولايات المتحدة خصوصاً.

كان مفهوم سلفاً أن الإدارة الجديدة المقبلة ستقرر إلغاء التصنيف في محاولة لجذب “الجماعة” نحو خيار المفاوضات السياسية الذي استثمر الرئيس جو بايدن فيه جزءاً كبيراً في إطار حملته الانتخابية، وفي شهر فبراير (شباط) 2021 تم اتخاذ القرار لتحفيز الحوثيين للانخراط في العملية السياسية، وكان بايدن أثناء حملته الانتخابية اعتبر إنهاء الحرب قضية محورية في سياسته الخارجية، ومع إلغاء التصنيف عين البيت الأبيض السيد تيم ليندركينغ الدبلوماسي الخبير بالشرق الأوسط مبعوثاً خاصاً إلى اليمن، في إشارة جلية إلى الاهتمام بالقضية.

وعلى الرغم من تأخر القرار الذي وقع عليه وزير الخارجية بومبيو، فقد رحبت به دول التحالف وكل خصوم الحوثيين بمبرر أنه موجه ضمناً ضد حليفتها إيران، وأنه سيشكل ضغطاً على “الجماعة” يدفعها للانخراط في العملية السياسية المعطلة منذ لقاءات ستوكهولم في شهر ديسمبر (كانون الأول) 2018 التي أسفرت عن وقف القتال حول مدينة الحديدة الساحلية.

في الطرف الآخر، رأت الأمم المتحدة ومنظمات دولية كثيرة أن التصنيف كجماعة إرهابية سيجعل التواصل معها صعباً، مما سيؤدي إلى تفاقم سوء الأزمة الإنسانية التي يعانيها اليمنيون، والأخطر أنها ستوقف عمليات التعامل البنكي والتحويلات التي تسهم في تخفيف الضغط الاقتصادي والحصار المالي على المواطنين الذين يعيشون في المناطق التي يسيطر عليها الحوثيون.

في واقع الأمر، فإن التصنيف كان ذا أثر معنوي هزيل، لكنه لا يؤدي إلى تغيير الموازين على الأرض، لأن الطرف الآخر الذي يعترف به العالم كممثل للحكومة اليمنية عاجز عن تحقيق أي اختراق معنوي أو مادي يستغل معه قراراً بتلك الأهمية السياسية، وعلى الرغم من المحاولات المستمرة للإبقاء على التصنيف الذي ألغته الإدارة الأميركية، إلا أن البيت الأبيض ووزير خارجيته أنتوني بلينكن كانا عازمين على الانخراط الكامل في المسار السياسي منذ اليوم الأول لوصولهما إلى الحكم.

اليوم، ارتفعت الأصوات المطالبة بإعادة “الجماعة” إلى قائمة الإرهاب، وهو عمل سياسي معنوي صرف لا يمكن له بأي حال معالجة الأزمة أو تشكيل ضغط عليها، ولكنه حتماً سيصيب المواطنين بداية، لأن هذا الأمر مرتبط عضوياً بأحوال المواطنين المعيشية ولا يتعرض لمسألة توريد السلاح أو استخدامه، كما أنه لا يؤثر في القيادات الميدانية للجماعة وسيعطيها ما يكفي إعلامياً لتبرير عجزها عن تحسين الأوضاع المعيشية في مناطق سيطرتها.

في البدء، وقبل الإصرار على إعادة التصنيف عربياً أو دولياً، يجب ضمان نتائجه وانعكاساته على المواطنين قبل السير في الخطوات التي تؤدي إليه، ومن هنا فالاعتراض عليه مبني على عدم قدرته على تحقيق الفوائد التي يؤملها المطالبون به، لأن العجز الماثل أمامنا في التوصل إلى صيغة ملائمة لجذب “الجماعة” إلى المسار السلمي لن تتم معالجته بقرار تصنيفها أو إلغائه، ويجب منطقياً الالتفات إلى ما يجري في الميدان بصورة أكثر واقعية.

هل تستعيد الحكومة اليمنية ثقة المواطن؟

لقد أثبتت السنوات السبع، ونحن نقترب من بدء الثامنة، أن مواصلة السير في استخدام القوة لن يحقق لأي من الطرفين أياً من آمالهما، كما أن إعادة العمل بالقرار، من وجهة نظري، عمل دعائي سيزيد تعقيد النشاط السياسي الذي تبذله بعض العواصم الغربية لوضع حد للحرب التي أنهكت اليمن والمنطقة، وفاقمت سوء الأحوال المعيشية في بلد هو الأفقر في المنطقة إن لم يكن في العالم، ولا تجديه المسكنات والمساعدات الإنسانية التي حولت معظم مواطنيه إلى حال فقر مدقع وجوع يشهده العالم صباح ومساء كل يوم.

إنني وكثيرين، ومنذ اليوم الأول، أدركنا أن قرار إدارة الرئيس السابق دونالد ترمب سيتم إلغاؤه مع وصول الإدارة الجديدة، لأنها لا يمكن أن تناقض علانية ما تعلنه عن مساعيها وبذل جهودها جادة للتوصل إلى تسوية سلمية، وفي الوقت نفسه تتخذ قراراً باستمرار تصنيف أحد الأطراف جماعة إرهابية.

وكان الرئيس بايدن واضحاً حين قال في آخر مؤتمر صحافي إنه يفكر في إعادة تصنيف جماعة “أنصار الله” الحوثية كجماعة إرهابية، لكن رسالته الأهم هي قوله إن هناك طرفين في الحرب، وهو اعتراف ضمني بـ “جماعة” الحوثي كطرف أساس في أية تسوية محتملة.

صحيح أن التصنيف لا يضع حجراً على التواصل مع “الجماعة” كما صار مع حركة “طالبان”، لكن الفارق هنا أن الولايات المتحدة كانت راغبة في الانسحاب الناجز وترك الأفغان يقررون مصيرهم بأنفسهم، وإنهاء أطول حرب خارجية خاضها الجيش الأميركي، لتكون محاصرة بوضع كانت “طالبان” قادرة فيه على السيطرة بمفردها على غالبية المساحة الجغرافية للبلد، بينما في الوضع اليمني هناك صعوبات يعرفها الجميع، فـ “الجماعة” تعتمد في مقاومتها على قدرتها في الصمود أمام التصعيد العسكري، وهو قد يبدو ممكناً لكن تأثيراته الإنسانية ستفوق كل ما حدث خلال السنوات السبع الماضية.

إنني أعلم أن إعادة التصنيف لن تؤثر في مجريات الأمور، والحقيقة أيضاً أن جدية الأطراف اليمنية غير متوافرة حالياً، كما أنني على يقين أن استمرار تبادل القصف لن يغير في الأمر شيئاً، وسيبقى المواطن وحده في المنطقة يدفع فاتورة هذه الحرب وتنحرف البوصلة من اقتناء التكنولوجيا والدواء إلى شراء وتهريب السلاح ومنظومات الدفاع.

التنازلات المريرة هي التي ستحقق السلام والاستقرار في البلد ولا سبيل إلى غير ذلك، وعلى الرغم من أن الأطراف المنخرطة في الحرب ليست مقتنعة حتى الآن بهذا الأمر، فإن تحقق إعادة التصنيف لن يحقق أياً من أهداف المطالبين به سوى الحديث عن انتصار دبلوماسي لا يفيد المنطقة عموماً ولا الشعب اليمني خصوصاً.

نقلا عن اندبندنت عربية