جلسة استماع:
“مستقبل التهدئة الإقليمية في الشرق الأوسط”

جلسة استماع:

“مستقبل التهدئة الإقليمية في الشرق الأوسط”



نظّم مركز “العالم العربي للأبحاث والدراسات المتقدمة”، بالقاهرة، بتاريخ 4 يناير 2022، جلسة استماع عن “مستقبل التهدئة الإقليمية في منطقة الشرق الأوسط”، واستضاف المركز رئيس مجلس إدارة “المصري اليوم” وعضو مجلس الشيوخ الدكتور “عبدالمنعم سعيد” (كمتحدث رئيسي في الجلسة)، كما شارك في الجلسة عدد من الخبراء والباحثين المتخصصين في مجالات مختلفة، وهم: الدكتور محمد عز العرب، والدكتور محمد عباس ناجي، والأستاذ أحمد عليبة، والدكتور أحمد أمل، والأستاذ عمرو عبدالعاطي، والأستاذ محمد بسيوني، والدكتور حمدي بشير، والأستاذة ميرفت زكريا، والأستاذ محمد الفقي.

تأثيرات الانفجار

استهل الدكتور “عبدالمنعم سعيد” الجلسة بالإشارة إلى أن نقطة الانطلاق لتحليل الحالة الإقليمية الراهنة ومؤشرات التهدئة الحادثة في منطقة الشرق الأوسط يتعين أن تكون الانفجار الذي حدث في المنطقة نهاية عام 2010 نتيجة للانتفاضات الشعبية التي جرت، واصطلح البعض على تسميتها بـ”الربيع العربي”، والتي مرت بمرحلتين رئيسيتين، حيث كانت الموجة الأولى في الفترة من 2010 حتى 2012، بينما كانت الموجة الثانية في الفترة من 2019 حتى 2020. والملفت للانتباه أن هذه الانتفاضات كانت لها تأثيرات ممتدة على دول المنطقة، خاصة أن من قاموا بها لم تكن لديهم أجندة واضحة لما يجب أن يحدث.

وأضاف الدكتور “سعيد” أن الربيع العربي أثر بصورة سلبية على الدولة الوطنية العربية، إذ تراجعت فكرة الدولة في مخيلة الكثيرين، وخاصة مع الحروب الأهلية التي تعرض لها عدد من الدول العربية. علاوة على ذلك، فقد وظفت حركات الإسلام السياسي الانتفاضات من أجل تحقيق مصالحها والوصول إلى السلطة، كما توقفت عمليات التنمية في أكثر من دولة عربية. وبموازاة هذه التأثيرات الداخلية، كان للعامل الخارجي حضور واضح في مجريات الأحداث بالمنطقة، وبدا أن المنطقة أصبحت مستباحة للعديد من الفاعلين الدوليين وكذلك الإقليميين، مثل إيران وتركيا، للقيام بأدوار ما تخدم مصالحهم وأهدافهم التي لا تتفق بالضرورة مع مصالح الدول العربية.

اتجاهات الإصلاح

بقدر ما كانت الانتفاضات العربية مؤثرة سلباً على الدولة الوطنية العربية، فإنها أيضاً أنتجت خطابات متصاعدة للإصلاح في المنطقة، إذ كانت الدعوة للإصلاح محاولة من جانب البعض لمعالجة أوجه الخلل والتأزم التي أفضت إلى الانفجار الثوري. وفي هذا الإطار، يشير الدكتور “عبدالمنعم سعيد” إلى أن الدول العربية، التي تمكنت من الصمود في وجه عاصفة الربيع العربي، أطلقت عمليات إصلاح واسعة النطاق برؤى وضعت عام 2030 هدفاً لتحقيقها. وما يعنيه هذا، في النهاية، هو أن الدول العربية التي اختارت الإصلاح الشامل قد وضعت أقدامها على بداية طريق القرن الحادي والعشرين وتقنيات وصناعات وعلوم هذا القرن.

وأوضح الدكتور “سعيد” أن توجّهات الإصلاح في الدول العربية ارتبطت بعدد من الأبعاد الرئيسية ربما أهمها محاولة إعادة الاعتبار للدولة الوطنية في المنطقة، بهدف قطع الطريق على القوى الإقليمية الراغبة في توسيع نفوذها على حساب الدول العربية. ويلاحظ هنا أن تراجع الدولة الوطنية كان أحد المحفزات الرئيسية لتزايد حدة الصراعات الإقليمية، علاوة على ذلك فقد عملت بعض الدول على إطلاق برامج تنموية واسعة النطاق تستند بصورة رئيسية إلى المشروعات العملاقة، كما شهدت بعض الدول، على غرار السعودية، تحولات ثقافية عديدة، ناهيك عن أطروحات التجديد الديني التي انتشرت على امتداد دول المنطقة.

ملامح التهدئة

لم تكن محاولات الإصلاح التي قام بها عدد من الدول العربية بمعزل عن عمليات التهدئة الإقليمية التي شهدتها المنطقة مؤخراً، خاصة أن تكلفة الصراعات الإقليمية كانت باهظة بالنسبة لمشروعات الإصلاح التي شرعت فيها الكثير من دول المنطقة. وهنا، يشير الدكتور “عبدالمنعم سعيد” إلى أن حالة التهدئة القائمة في المنطقة تنطوي على مجموعة من الملامح الرئيسية المتمثلة فيما يلي:

1- الاستدارة النسبية في سياسات القوى الإقليمية: إذ أعربت بعض الأطراف الإقليمية، وعلى وجه الخصوص تركيا، عن رغبتها في التراجع عن سياسات التصعيد التي انتهجتها خلال السنوات الماضية. وافترض الدكتور “سعيد” أن هذه الاستدارة في السياسة التركية كانت مرتبطة بعدد من المتغيرات في مقدمتها مواجهة السياسة التركية في اللحظة الراهنة خطر التوسع المفرط overextension risk، وهو الخطر الناتج عن انخراط تركيا في عدد من الصراعات والأزمات في وقت واحد، مثل ليبيا والصومال وسوريا والعراق، وهو ما أفضى إلى استنزاف شديد للموارد التركية، وأنتج ضغوطاً عديدة على النظام الحاكم.

2- تأثيرات الانسحاب الأمريكي من المنطقة: فخلال السنوات الأخيرة، تبنت واشنطن سياسة تقليل الانخراط والتراجع عن الاشتباك المباشر والموسع مع قضايا وأزمات المنطقة، في مقابل توجيه الموارد والاهتمام الأمريكي إلى مناطق أخرى لمواجهة النفوذ الصيني المتصاعد. وهذه التوجهات الأمريكية، التي أكدت عليها إدارة “جو بايدن”، حفزت العديد من دول المنطقة كي تنخرط في مسارات التهدئة تحسباً لمعطيات مرحلة ما بعد الانسحاب الأمريكي.

وأضاف الدكتور “سعيد” أن هذا الانسحاب الأمريكي تزامن مع صعود النفوذ الصيني عالمياً، وكذلك في المنطقة، حيث تتبنى بكين سياسة الانفتاح على القوى المتعارضة، والتعاطي مع الأضداد، فهي تحظى بعلاقات جيدة مع إسرائيل وفي الوقت ذاته مع إيران، علاوة على علاقاتها مع الدول العربية. وهذا الحضور الصيني في المنطقة يحتاج من الدول العربية البحث في كيفية إدارة العلاقات مع القوى الدولية المختلفة من منظور مصالحها دون الارتهان إلى قوة ما.

3- تهدئة النزاعات والمصالحات الإقليمية: حيث يشير الدكتور “سعيد” إلى أن التهدئة هنا لا تعني حل المشكلات بصورة نهائية، ولكنها تؤدي إلى مستويات أقل من العنف أو على الأقل تجميد مؤقت للحالات التي على وشك الانفجار. وفي هذا السياق، تجلت العديد من حالات التهدئة للنزاعات، ففي يناير 2021 نجحت قمة العلا الخليجية في طي صفحة الأزمة بين قطر ودول الرباعي العربي. كما وقعت بعض الدول العربية اتفاقيات سلام مع إسرائيل. علاوة على ذلك، هناك محاولات جادة لفتح صفحة جديدة في العلاقات بين تركيا وأطراف عربية، مثل مصر والإمارات. وهناك أيضاً محادثات جارية بين إيران والسعودية للتهدئة وتخفيف حدة الصراع بينهما، وهذه المحادثات تُعتبر أحد تجليات الانسحاب الأمريكي من المنطقة، ناهيك عن رغبة طهران في الخروج من الضغوط الاقتصادية التي تواجهها بسبب العقوبات المفروضة عليها.

4- إطلاق مبادرات التعاون الإقليمي: فثمة مبادرات طرحت للتعاون بين أطراف عديدة بالمنطقة، والتي أكسبت مسار التهدئة الإقليمية المزيد من الزخم. ولعل النماذج الأبرز لذلك، منتدى غاز شرق المتوسط، وكذلك مبادرة الشام الجديد، ومبادرة نقل الغاز المصري إلى لبنان عبر الأراضي السورية والأردنية والتي استهدفت إحياء الخط العربي لنقل الغاز والكهرباء المتوقف منذ نهاية عام 2011. والملفت أيضاً أن مبادرة نقل الغاز المصري إلى لبنان أعطت مؤشرات جادة حول الانفتاح الإقليمي على النظام السوري بعد سنوات من العزلة.

معضلات رئيسية

صحيح أن الدكتور “عبدالمنعم سعيد” رجح أن يستمر مسار التهدئة الإقليمية خلال الفترة القادمة؛ إلا أنه أوضح أن هناك عدداً من القضايا يجب أخذها في الحسبان، لأنها تشكل معضلة بالنسبة لمسار التهدئة، وتتمثل أهم هذه القضايا في الآتي:

1- المعضلة السورية، وكيفية التعامل مع النظام السوري بعد سنوات من الصراع الداخلي، لا سيما أن هناك محاولات عديدة للانفتاح على النظام مؤخراً، ناهيك عن أنه حتى الوقت الراهن لم يفرض النظام سلطته على بعض المناطق مثل شمال غرب سوريا، التي يوجد بها العديد من الأطراف الإقليمية والدولية، بالإضافة إلى الجماعات المسلحة والإرهابية.

2- الأزمة اللبنانية، فلبنان يواجه أزمات سياسية واقتصادية حادة، والدولة في حالة أشبه ما تكون بالإفلاس الاقتصادي، وفي خضم هذه الأزمة الحادة يبدو أن المخرج الوحيد للأزمة هو إعادة تأسيس الدولة الوطنية في لبنان بعيداً عن الصيغة الطائفية الحاكمة للدولة منذ عقود.

3- القضية الفلسطينية، وهي تعد القضية الأكثر تعقيداً في المنطقة، فعلى مدار عقود أخفقت كافة المبادرات الممكنة لتسوية الصراع، علاوة على الخلافات الفلسطينية – الفلسطينية، ومحاولة بعض الفصائل تفجير أي تهدئة للأوضاع مع إسرائيل. وبالإضافة إلى ذلك، فإن تشابكات القضية تتنامى في ظل تداخلها مع قضايا أخرى بالمنطقة على غرار الملف النووي الإيراني، وربط طهران التهدئة في المنطقة وقضاياها المختلفة، بما في ذلك القضية الفلسطينية، بإنجاز المفاوضات النووية والتوصل إلى اتفاق.

4- المسألة الليبية، حيث لا يزال الصراع الليبي واحداً من الصراعات غير المحسومة في المنطقة، بالرغم من تراجع حدة الصراع مؤخراً، ومما يزيد من التخوفات إزاء الأوضاع داخل ليبيا التعثر الذي شهدته الانتخابات وتأجيلها على النحو الذي يفضي إلى شبكة من الخلافات وانعدام الثقة بين القوى السياسية، وبالتبعية ضبابية في المشهد وشكوك بشأن مستقبل المسار السياسي في ليبيا.

5- الأزمة السودانية، إذ إن استمرار حالة السيولة الأمنية وثوران الشارع السوداني يثير مخاوف كبيرة حول مستقبل السودان، لأن الكثير من المحتجين في الشارع يرفعون شعارات شبيهة بتلك التي رفعت أثناء الموجة الأولى من الربيع العربي، بل إن بعضهم يريد تفكيك مؤسسات الدولة، وإبعاد المؤسسة العسكرية، وهو أمر قد ينتج سيناريو مكرراً لذلك الذي وقع في حالة سوريا، على سبيل المثال، بحيث تصبح بعض المناطق في السودان خارج سيطرة الدولة، وفجأة تظهر عناصر إرهابية تعمل على استنساخ تجربة داعش في سوريا والعراق.