مصالح طوكيو:
محددات السياسة اليابانية تجاه أزمات الشرق الأوسط

مصالح طوكيو:

محددات السياسة اليابانية تجاه أزمات الشرق الأوسط



في الوقت الذي تُبدي فيه العديد من دول المنطقة قلقاً ملحوظاً في أعقاب الانسحاب الأمريكي من أفغانستان، وتزايد حالة عدم اللا يقين بشأن الالتزامات الأمريكية بأمن الشرق الأوسط؛ شهدت المنطقة تحركات من جانب قوى آسيوية متعددة لتعزيز نفوذها، وفي مقدمتها اليابان، ولا سيما بعد زيارة وزير خارجيتها توشيميتسو موتيجي، لثماني دول بالمنطقة (مصر، والأراضي الفلسطينية، وإسرائيل، والأردن، وتركيا، والعراق، وإيران، وقطر) في أغسطس الماضي، وذلك في إطار مساعيها للحفاظ على مصالحها التي أضحت مهددة في المنطقة، بالتوازي مع التوجه نحو مزيد من الانخراط في الشئون الدولية، حيث تُعد السياسة اليابانية في المنطقة محوراً هاماً لجهود طوكيو المستمرة لتأسيس دور عالمي جديد لها خارج منطقة الإندو-باسيفيك.

وقد شهدت الأشهر الماضية العديد من التحركات اليابانية التي تهدف إلى تعزيز الانخراط في قضايا منطقة الشرق الأوسط. ففي أعقاب الهجوم الإرهابي لمليشيا الحوثي على الإمارات، في ١٧ يناير الفائت، أصدرت وزارة الخارجية اليابانية بياناً أدانت فيه الهجوم، وأكدت التزام حكومة اليابان بأمن واستقرار منطقة الشرق الأوسط باعتباره مسألة مهمة للمجتمع الدولي. وأجرى وزير الخارجية الياباني يوشيماسا هاياشي اتصالاً هاتفياً بوزير الخارجية والتعاون الدولي الإماراتي الشيخ عبدالله بن زايد آل نهيان، في 28 من الشهر نفسه، أدان فيه بشدة “هذه الاعتداءات الإرهابية الحوثية التي تشكل تهديداً للجهود المبذولة لترسيخ دعائم الأمن والاستقرار في المنطقة”. كما أجرى وزير الخارجية الياباني اتصالاً هاتفياً آخر بوزير الخارجية السعودي الأمير فيصل بن فرحان، في أول فبراير الجاري، ناقشا فيه سبل تعزيز التنسيق الثنائي المشترك في كثير من القضايا والمجالات المختلفة، كما تبادلا وجهات النظر حيال كثير من القضايا الإقليمية والدولية.

مرتكزات رئيسية

يعتمد الدور الياباني في منطقة الشرق الأوسط، التي تحظى بأهمية استراتيجية بالنسبة لطوكيو، على جملة من المرتكزات التي تشكل محددات السياسة الخارجية اليابانية تجاه دول المنطقة وأزماتها، ويتمثل أبرزها فيما يلي:

١- تعزيز أمن الطاقة الياباني: تُعد الإمدادات الثابتة للغاز الطبيعي المسال والنفط من منطقة الشرق الأوسط، ولا سيما منطقة الخليج العربي، داعماً أساسياً للنمو الاقتصادي لليابان لسنوات عديدة، والتي وصلت إلى ٩٥,٢٪ في ديسمبر الماضي. ولهذا يؤكد المسئولون اليابانيون خلال لقاءاتهم أو اتصالاتهم بمسئولي دول المنطقة التزام طوكيو بضمان سلامة الملاحة الدولية في منطقة الشرق الأوسط. ومع ارتفاع أسعار النفط في السوق العالمية وتأثيراته على الصناعات المحلية والسعر المحلي للمنتجات البترولية، الأمر الذي يزيد من الضغوط على الأسر والشركات الصغيرة والمتوسطة التي تضررت بالفعل بشدة من جائحة فيروس كورونا، طالبت اليابان الدول المصدرة للنفط بزيادة إنتاجها من النفط بما يساهم في تخفيض أسعاره.

٢- دعم التوجه نحو الطاقة المتجددة: بجانب أهمية المنطقة في إمداد اليابان بالنفط والغاز، فإنها كذلك مهمة في إطار التحول الياباني إلى الطاقة المتجددة، والسعى إلى تحقيق “الحياد الكربوني” بحلول عام ٢٠٥٠، وتنفيذ استراتيجية “النمو الأخضر” التي أعلنتها وزارة الاقتصاد والتجارة والصناعة اليابانية في ديسمبر ٢٠٢٠، نظراً لقدرة المنطقة على إمدادها بالهيدروجين والأمونيا لتوليد الكهرباء، وهو ما دفع الحكومة اليابانية إلى عقد شراكات استراتيجية مع دولتى الإمارات والسعودية في هذا المجال.

٣- تبني دبلوماسية اللقاحات في المنطقة: على غرار بعض القوى الدولية، قدمت اليابان العديد من المساعدات الاقتصادية لبعض دول المنطقة بهدف مواجهة جائحة كورونا، وتوفير اللقاحات والمعدات الطبية من خلال “كوفاكس”. ففي ٣٠ نوفمبر الماضي، أعلنت السفارة اليابانية في سوريا أن حكومة اليابان قررت تزويد سوريا بحوالي ١٥٠ ألف جرعة من لقاح “استرازينيكا” المنتج في اليابان عبر منصة “كوفاكس”. وفي 30 يونيو الماضي، قررت تقديم ما يقرب من ٨ ملايين دولار لمساعدة السلطة الفلسطينية في التدابير الوقائية من جائحة كورونا. وقدمت اليابان لإيران منحة مساعدة بقيمة ٦.٣ ملايين دولار، في 26 أكتوبر الماضي، لتعزيز قدراتها الصحية والطبية لمكافحة جائحة فيروس كورونا. كما أرسلت، في 24 يوليو الماضي، نحو ٣ ملايين جرعة من لقاحات “استرازينيكا” عندما كانت البلاد تمر بموجتها الخامسة من الوباء.

٤- تقديم المساعدات الإنسانية لضحايا الصراعات: بينما تقلل طوكيو من الانخراط السياسي والدبلوماسي في الصراعات والحروب الأهلية التي تشهدها منطقة الشرق الأوسط، فإنها تركز على تقديم المساعدات الإنسانية للمتضررين من تلك الصراعات، حيث تعد أكبر مانح لمنظمات الإغاثة الدولية. وتقدم طوكيو مساعدات مالية للاجئين السوريين، ومنها الإعلان، في 22 أغسطس الماضي، عن قرض يبلغ ٤١٠ ملايين دولار للبلديات التركية مقابل الخدمات المقدمة من قبلها للاجئين السوريين المقيمين فيها. وفي مارس الماضي، قدمت الحكومة اليابانية مساعدات للشعب السوري بقيمة ٣.٢ ملايين دولار، لدعم الأسر السورية لمحاربة الجوع وزيادة أمنها الغذائي. وقد قال المنسق الخاص لسوريا بالسفارة اليابانية في سوريا، أكيرا إندو، إن طوكيو ستستمر في تقديم المساعدة الإنسانية لدعم الأشخاص المستضعفين من الأطفال والشباب والنساء وكبار السن وذوي الإعاقة، بغض النظر عن مكان وجودهم في سوريا لتلبية احتياجاتهم الطارئة. وفي ٢١ يناير الفائت، أعلنت الحكومة اليابانية عن مساهمتها بمليوني دولار لمساعدة الأطفال السوريين وأسرهم على مواجهة الشتاء القارس.

٥- تخفيف حدة التوترات الإقليمية: تنشط السياسة اليابانية في التوسط بين أطراف الصراع في المنطقة لتخفيف التوترات وتعزيز استقرار الوضع من خلال الجهود الدبلوماسية المختلفة وعبر الاستفادة من علاقاتها الودية التقليدية مع دول الشرق الأوسط وكذلك تحالفها القوي مع الولايات المتحدة. فمع تأزّم العلاقات بين الولايات المتحدة وإيران في أعقاب الانسحاب الأمريكي الأحادي من الاتفاق النووي في 8 مايو ٢٠١٨، حاول رئيس الوزراء الياباني السابق شينزو آبي التوسط بين واشنطن وطهران، وقام بزيارة الأخيرة، في 13 يونيو 2019، لكن جهوده فشلت. ومع تولي إدارة أمريكية جديدة منفتحة على الحوار مع طهران والعمل الدبلوماسي انخرطت طوكيو مجدداً في الملف النووي، حيث زار وزير الخارجية الياباني طهران، في 22 أغسطس الماضي، لكن دور الوساطة الياباني لم ينجح مجدداً في ظل التعنت الإيراني، وفرض النظام الإيراني شروطاً ترفضها الولايات المتحدة والدول الأوروبية قبل العودة للالتزام مجدداً بالاتفاق النووي، فضلاً عن رفض طوكيو المطالب الإيرانية بتحرير الأصول الإيرانية المجمدة في البنوك اليابانية، حيث جمدت طوكيو أصولاً إيرانية بقيمة ٣ مليارات دولار، معظمها من صادرات النفط والغاز، منذ الانسحاب الأحادي للولايات المتحدة من الاتفاق النووي.

وفيما يخص تدهور الوضع في أفغانستان في أعقاب الانسحاب الأمريكي، أكد وزير الخارجية الياباني خلال خطابه أمام البرلمان الياباني، في 17 يناير الفائت، أن طوكيو ستواصل تقديم الدعم اللازم لمغادرة الأفغان المرتبطين باليابان، وستستمر في جهودها لضمان الاستقرار في أفغانستان من خلال تقديم المساعدات الإنسانية لكابول، وللدول المجاورة، والانخراط في حوار مع حركة “طالبان” بما يحقق استقرار الأوضاع في أفغانستان.

٦- طرح مبادرة ممر السلام والازدهار: تنطلق الرؤية اليابانية لحل الصراع الفلسطيني-الإسرائيلي من أن المشروعات الاستثمارية المشتركة يمكن أن تساهم في تحقيق السلام بالمنطقة؛ ولذلك أطلقت في عام ٢٠٠٦ مبادرة “ممر السلام والازدهار” بالتعاون المشترك مع السلطة الفلسطينية وإسرائيل والأردن. ومن أهم مشروعات المبادرة المنطقة الزراعية الصناعية في مدينة أريحا. ولا تزال القيادة اليابانية ملتزمة بتلك المبادرة لبناء الثقة بين الأطراف المعنية في ظل دعمها لمبدأ حل الدولتين، بجانب العمل على تقديم الدعم لوكالة غوث وتشغيل اللاجئين “الأونروا” ودعم السلطة الفلسطينية في مواجهة الجائحة.

تحول مشروط

تمتلك اليابان العديد من المقومات التي تؤهلها لتعزيز حضورها في المنطقة. فعلى الرغم من علاقاتها الاستراتيجية بالولايات المتحدة ومشاركتها في الحروب التي قادتها خارجياً، فإنها مارست دوراً محدوداً في الحرب الأمريكية على العراق وأفغانستان، الأمر الذي لم يؤثر على مكانتها بالمنطقة. لكن نجاح السياسة اليابانية في منطقة الشرق الأوسط يتطلب من طوكيو بعض التغييرات في مقارباتها التقليدية تجاهها، والانخراط المكثف مع المتغيرات الجديدة التي تشهدها راهناً، وتعزيز علاقاتها الاستراتيجية ليس مع حلفائها التقليديين في المنطقة فقط، ولكن العمل على توسيع شبكة تحالفاتها، وبناء تعاون إقليمي بين منطقتي الشرق الأوسط والإندو-باسيفيك، وتوفير فرص جديدة للتعاون ليشمل مشاريع إقليمية مشتركة في مجالات أخرى مثل التكنولوجيا الخضراء والرعاية الصحية والاستثمار، مع تركيز أقل على ديناميكيات منافسات القوى العظمى التي تحكم سياسات العديد من القوى الدولية في المنطقة.