واقع جيوسياسي:
ما دلالات ظاهرة “الكانتونات” على الحدود السورية التركية؟

واقع جيوسياسي:

ما دلالات ظاهرة “الكانتونات” على الحدود السورية التركية؟



أصبح جزء كبير من مناطق الشمال السوري خارج السيطرة الحكومية، بل وبات تقسيمه في حكم الأمر الواقع، بما تدلّ على ذلك مجموعة من “المؤشرات اللافتة”، أهمها السيطرة التركية على طرق وإدارة وإرسال أي نوع من المساعدات إلى سوريا، فضلاً عن محاولات أنقرة ربط هذه الكانتونات بالنظام الإداري التركي.

وثمة “عوامل دافعة” لهذه المحاولات التركية، التي تستهدف خلق واقع جيوسياسي مختلف، على طول حدودها الجنوبية، هذا إضافة إلى ربط النشاط الاقتصادي لمناطق الشمال السوري مع جنوب تركيا، بما يُساهم في تحويل الكانتونات إلى منظومة سياسية جديدة، تُلبي الطموحات التركية في إبعاد “الخطر الكردي”، بعيداً عنها.

وقد ساهمت مجموعة من العوامل المُرتبطة بالحرب السورية، والتي تتداخل فيها عدة قوى إقليمية ودولية، بشكل لافت، في تقسيم للأراضي الحدودية شمال البلاد إلى عدة “كانتونات”، تتمتع بدرجات متفاوتة من الحكم الذاتي، خارج سيطرة الحكومة السورية، وتمتد من الغرب إلى الشرق في خمس مناطق تقع على الحدود الشمالية. وتحظى أربعة من هذه الكانتونات بالدعم المُباشر من تركيا.

مؤشرات لافتة

تتبدى المحاولات التركية لتقسيم الشمال السوري، خاصة المناطق الحدودية منه، عبر مجموعة من المؤشرات، لعل أهمها ما يلي:

1- التدخل العسكري التركي في شمال سوريا: فمنذ عام 2016، شهدت مناطق الشمال السوري ثلاثة تدخلات عسكرية مباشرة، من جانب تركيا. كان أول هذه التدخلات ما حمل اسم “درع الفرات”، ثم تبع هذا التدخل حملتان عسكريتان خلال عامي 2018 و2019 على التوالي. ومن خلال هذه الحملات العسكرية الكبرى، استطاعت تركيا إنشاء ثلاثة كانتونات، هي: درع الفرات، وعفرين، ونبع السلام، في شمال غرب سوريا.

ورغم أنّ أنقرة قامت بتوسيع مظلة الحماية التركية إلى منطقة رابعة، هي إدلب، التي تخضع لسيطرة قوات المعارضة السورية المسلحة؛ إلا أن ذلك لم يكن كافياً لديها، لضمان الاستمرار في ارتباط هذه الكانتونات بها، لذا حاولت فرض السيطرة التركية عليها، ليس فقط من خلال ربط النشاط التجاري لمناطق الشمال السوري عبر الحدود بالجنوب التركي، ولكن أيضاً عبر التحكم في قنوات المساعدات الدولية التي تمر إلى الداخل السوري عبر الحدود التركية.

2- السيطرة التركية على المساعدات الإنسانية: حيث تنامى دور أنقرة، منذ سنوات، وبعد التدخل العسكري المباشر في الشمال السوري، في السيطرة على تدفق المعونات التي يتم إرسالها إلى الداخل السوري؛ وذلك باعتبار أن تركيا أصبحت نقطة الانطلاق الرئيسة لإرسال المساعدات الإنسانية إلى سوريا، خاصة بعد أن تحول طريق هذه المساعدات إلى الحدود التركية، في ظل رفض الحكومة السورية إيصال المساعدات والمعونات الإنسانية، إلى مناطق المعارضة السورية في الشمال.

وبهذا الشكل، ساعد رفض النظام السوري على أن تبسط تركيا نفوذها بشكل كبير على تدفق المعونات، من خلال التسهيلات التي قدمتها أنقرة للمنظمات غير الحكومية الدولية، العاملة في هذا المجال؛ ليُصبح بذلك الجنوب التركي مركزاً للعمليات العابرة للحدود، لأجل تسليم المساعدات إلى الداخل السوري، فيما سُمي “عملية النقطة صفر”.

3- صعوبة السيطرة السورية على الكانتونات: رغم أن الحكومة السورية وقواتها المسلحة هي الطرف الوحيد الذي يمكنه توسيع سيطرته على بعض المناطق في الشمال السوري؛ إلا أن مثل هذه العملية لا يمكن أن تتم من دون تفاهم مُسبق مع كافة القوى الدولية، فضلاً عن الإقليمية، خاصة تركيا، التي تُقدم الدعم لهذه المناطق، وتحديداً التي تحتوي على الكانتونات الحدودية.

إذ من شأن أي محاولة من جانب النظام السوري للسيطرة على واحد أو أكثر من تلك الكانتونات أن تتسبب في اندلاع نزاع -بل صراع- عسكري مع الولايات المتحدة الأمريكية أو تركيا؛ الولايات المتحدة التي تدعم قوات سوريا الديمقراطية في الشمال الشرقي من سوريا، وتركيا في حالات درع الفرات وعفرين ونبع السلام، أو حتى في حالة إدلب التي تُسيطر عليها هيئة تحرير الشام.

عوامل دافعة

هناك عدد من العوامل التي تستند إليها أنقرة لإحداث تغيير في ملامح الحياة العامة، في المناطق السورية الخاضعة لسيطرتها العسكرية، خاصة الكانتونات في الشمال السوري، لعل أهمها ما يلي:

1- ربط النشاط الاقتصادي للكانتونات مع تركيا: إذ تسعى أنقرة إلى أن تكون كافة تفاصيل النشاط الاقتصادي في المناطق الحدودية بما فيها الكانتونات التي أنشأتها في الشمال السوري، مرتبطة ومتداخلة مع الاقتصاد التركي ونفوذه داخل سوريا. ومع فقدان النظام إمكانية السيطرة الفاعلة على مساحات واسعة من الأراضي، في شمال غرب البلاد، شهد النشاط الاقتصادي والتجاري في تلك المناطق تحولاً كبيراً في الاتجاه التركي.

فبعد أن تمّ تهميش حلب، التي كانت تُمثل المركز الاقتصادي والإداري الأساسي في الشمال الغربي من سوريا؛ أصبحت المعابر الحدودية مع الجنوب التركي هي البوابة الرئيسة إلى الخارج، من حيث حركة الأشخاص ووصول المعونات والمساعدات الإنسانية، ومن ثم تحول الجنوب التركي إلى المصدر أو الممر الرئيس للنشاط التجاري، وساهم ذلك في تشكُّل اقتصاد عابر للحدود يُقدر حجمه بمليارات الدولارات.

2- فرض الإدارة التركية على الشمال السوري: حيث تحاول أنقرة، في خطوة وراء أخرى، إحداث تغيير في ملامح الحياة، الاقتصادية والإدارية في مناطق الشمال السوري التي تخضع لسيطرتها. ضمن تلك الخطوات -كمثال- جاء إطلاق “سجل مدني” في مدينة إدلب، يعمل كـ”جهة رسمية” من خلال إدارة عدد من الدوائر الرديفة في مختلف تلك المناطق. وتقوم هذه المؤسسة بإصدار معظم الوثائق الخاصة بالملكية سواء العقارية أو الزراعية، وكذلك الوثائق المتعلقة بالعلاقات المدنية، من حالات ولادات أو وفيات أو زواج، أو غيرها من العلاقات المدنية.

واللافت أن هذا يُشير إلى الاستهداف التركي لقطع أواصر العلاقات بين الكانتونات في شمال سوريا مع بقية المناطق السورية، عبر مجموعة من القرارات الاقتصادية والإدارية، التي يسعى كل منها إلى ربط تلك الكانتونات رمزياً مع تركيا، فيما أصبح يُعرف بسياسة “التتريك”، فضلاً عن افتتاح أنقرة فروعاً للجامعات التركية في مناطق الشمال السوري، وكانتوناتها، منذ أوائل عام 2021، وتحديداً في محافظة إدلب، حيث تتم الدراسة فيها باللغة التركية.

3- تحويل الكانتونات إلى واقع سياسي جديد: فإضافة إلى الأنشطة العسكرية، قامت أنقرة بتفعيل أدوارها في مجالات متعددة، مثل المساعدات الإنسانية ومحاولة إرساء قدر من الاستقرار في الكانتونات التابعة لها. وفضلاً عن افتتاح فروع للجامعات التركية في محافظة إدلب، حيث افتتحت فيها كلية للطب البشري وستة معاهد تقنية؛ قامت أنقرة بفرض اللغة التركية على الطلاب كـ”لغة أساسية”، في مقابل إلغاء التدريس باللغة الكردية، حتى في المناطق التي يُشكل فيها الأكراد أغلبية.

بل إنّ الأهم من ذلك أن تركيا والموالين لها عمدوا منذ فترة إلى تغيير أسماء القُرى والبلدات والشوارع، إلى الدرجة التي أُطلق فيها اسم “ساحة أتاتورك” على مركز مدينة عفرين. وهذا مجرد مثال ضمن أمثلة كثيرة على سياسات تركية متعددة لتحويل الكانتونات إلى كيانات مُرتبطة بتركيا، اقتصادياً وإدارياً وتعليمياً، في محاولة منها لتشكيل واقع سياسي جديد في تلك المناطق، واقع يُشير إلى ترسيخ ظاهرة الكانتونات على طول الحدود التركية مع سوريا، ولفترة مستقبلية.

ترتيب مُستقبلي

في هذا السياق، يُمكن القول إن ظاهرة الكانتونات في الشمال السوري، على الحدود السورية التركية، سوف تستمر، على الأقل في المستقبل القريب؛ حيث يبدو أن إدلب ستبقى خاضعة للنفوذ التركي، مع الكانتونات الثلاثة الأخرى، إضافة إلى الكانتون الشمالي الشرقي الذي يُديره الأكراد، وهو سيناريو تبدو ملامحه بوضوح على الأرض، عبر محاولات التتريك التي تقوم بها أنقرة في هذه المناطق.

بل من الملاحظ أن تركيا تعتبر أن أكثر من أربعة ملايين سوري، من أولئك المُقيمين في مناطق الشمال السوري، بمثابة مهاجرين على أراضيها؛ إضافة إلى أربعة ملايين آخرين في الداخل التركي. وهؤلاء وأولئك يشكلون معاً قرابة 8 ملايين سوري، أي “ثُلث” سكان سوريا، الذين تحاول تركيا ربطهم بسياساتها وخياراتها المستقبلية، مع كافة ما يمكن أن ينتج عن ذلك من تداعيات على “الدولة السورية”.