دور نشط:
مؤشرات تزايد الاهتمام الأمريكي بأزمات منطقة القرن الأفريقي

دور نشط:

مؤشرات تزايد الاهتمام الأمريكي بأزمات منطقة القرن الأفريقي



‏بدأ المبعوث الأمريكي الخاص لمنطقة القرن الأفريقي، مايك هامر، في ٢٤ يوليو الجاري، جولة تشمل مصر والإمارات وإثيوبيا، والتي تستمر حتى الأول من أغسطس القادم، في وقت تتصاعد فيه حدة الأزمات في منطقة القرن الأفريقي ومحيطها الإقليمي، على غرار استمرار الأزمة بين الحكومة الإثيوبية والجبهة الشعبية لتحرير تيجراي، وتعثر مفاوضات سد النهضة، وتزايد نشاط التنظيمات الإرهابية بالمنطقة، وتفاقم أزمة الأمن الغذائي في العديد من الدول الأفريقية بسبب الحرب الروسية-الأوكرانية. واللافت في هذا السياق، هو أن هذه الزيارة سبقتها زيارة أخرى قامت بها مديرة الوكالة الأمريكية للتنمية الدولية سامانثا باور إلى الصومال وكينيا، خلال الفترة من ٢٢ إلى ٢٤ يوليو الجاري.

وتأتي زيارتا المسئولَيْن الأمريكيين لدول عربية وأفريقية في ظل اهتمام إدارة الرئيس جو بايدن المتزايد بالقارة، وهو ما عبّرت عنه نائبة الرئيس الأمريكي كامالا هاريس، خلال مشاركتها الافتراضية بقمة الأعمال الأمريكية-الأفريقية في ٢٠ يوليو الجاري، والتي أعلنت فيها عن استضافة الولايات المتحدة خلال الفترة من ١٣ إلى ١٥ ديسمبر المقبل قمة قادة الولايات المتحدة وأفريقيا، وأكدت -بحسب بيان البيت الأبيض- في اليوم ذاته على أهمية العلاقات بين واشنطن والدول الأفريقية، وكذلك زيادة التعاون بشأن الأولويات العالمية المشتركة.

قضايا رئيسية

ركزت المباحثات التي أجراها هامر وباور خلال زيارتيهما الأخيرة على عدد من القضايا المركزية التي تتقدم الأجندة الأفريقية للإدارة الأمريكية، وتتمثل في:

١- الوصول إلى حل دبلوماسي لقضية سد النهضة: انعكس تزايد اهتمام الإدارة الأمريكية بهذه القضية في أول زيارة للرئيس الأمريكي جو بايدن لمنطقة الشرق الأوسط، خلال الفترة من ١٣ إلى ١٦ يوليو الجاري، حيث أكد البيان الختامي لقمة “جدة للأمن والتنمية”، في ١٦ من الشهر نفسه، على دعم الأمن المائي المصري، وضرورة التوصل إلى اتفاق بشأن ملء وتشغيل سد النهضة في أجل زمني معقول على النحو المنصوص عليه في بيان رئيس مجلس الأمن الدولي في ١٥ سبتمبر الماضي، وبما يتوافق مع القانون الدولي.

وتأكيداً لاهتمام الإدارة الأمريكية بهذه القضية، ذكر بيان وزارة الخارجية الأمريكية، في ٢٣ يوليو الجاري، أن مهمة هامر خلال زيارته تتمثل في تقديم دعم الولايات المتحدة الرامي للتوصل لحل دبلوماسي للمسائل ذات الصلة بسد النهضة، وبما يحقق مصالح جميع الأطراف، ويسهم في المزيد من السلام والاستقرار بالمنطقة، وأنه سيتشاور في أديس أبابا مع الاتحاد الأفريقي الذي يرعى محادثات بشأن السد.

وقد أكد المبعوث الأمريكي الخاص لمنطقة القرن الأفريقي على أن الإدارة الأمريكية تعمل على صياغة حل دبلوماسي لأزمة سد النهضة، في إطار الرؤية الأمريكية الأوسع لتجنب الصراعات والأزمات في منطقة القرن الأفريقي، والتي ستكون لها تداعيات على منطقة الشرق الأوسط والمصالح الأمريكية فيهما.

٢- تعزيز فرص تسوية الأزمة الإثيوبية: تولي إدارة الرئيس الأمريكي أهمية خاصة لإنهاء الأزمة بين الحكومة الإثيوبية والجبهة الشعبية لتحرير تيجراي، وأعمال العنف المستمرة في البلاد، والانتهاكات ضد المدنيين؛ لكن الجهود الأمريكية لم تنجح حتى الآن في تسوية الأزمة، رغم الضغوط المتعددة التي تمارسها إدارة بايدن ضد أطراف النزاع، وتوقيع بايدن، في 17 سبتمبر الماضي، أمراً تنفيذياً يُتيح للإدارة الأمريكية فرض عقوبات ضد المتحاربين في إقليم تيجراي.

وفي الوقت ذاته، كان هناك تركيز أمريكي على تقديم المساعدات الإنسانية للمتضررين من استمرار النزاع، ولا سيما في وقت تواجه فيه دول القرن الأفريقي أزمة غذاء في أعقاب الحرب الروسية-الأوكرانية. ولذلك أكد بيان الخارجية الأمريكية أن هامر خلال زيارته الثانية لأديس أبابا منذ تعيينه في منصب المبعوث الأمريكي للقرن الأفريقي، سيركز على استعراض التقدم بشأن تسليم المساعدات الإنسانية، والمساءلة عن انتهاكات ومخالفات حقوق الإنسان، وجهود الدفع بمحادثات السلام بين طرفي النزاع في ظل استمرار التزام الإدارة الأمريكية بتعزيز الجهود الدبلوماسية لعملية سياسية شاملة تحقق السلام الدائم والأمن والازدهار للشعب الإثيوبي بأسره.

وتُمثل زيارة هامر لإثيوبيا محاولة جديدة من الإدارة الأمريكية لدفع الأطراف الإثيوبية المتحاربة إلى طاولة المفاوضات لإنهاء الصراع في الجزء الشمالي من البلاد، حيث تأتي الزيارة بعد أيام قليلة من إعلان طرفي النزاع عن رغبتهما في إجراء محادثات سلام لإنهاء الأزمة، إذ أعلن رئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد، في ١٤ يونيو الفائت، عن تشكيل لجنة للتفاوض مع قوات إقليم تيجراي.

٣- تقديم مساعدات إنمائية لاحتواء أزمة الغذاء: مع تضرر دول القرن الأفريقي من ارتفاع أسعار المواد الغذائية، ونقص الإمدادات الغذائية، بسبب الحرب الروسية-الأوكرانية، تعهدت واشنطن بتقديم ما يقرب من ١.٣ مليار دولار من المساعدات الإنمائية الإنسانية التي يحتاج إليها أكثر من ١٨ مليون شخص في المنطقة، وبما يساعد على التخفيف من حدة الجوع في المناطق الأكثر تضرراً من أزمات الغذاء العالمية، بحسب تغريدة للسفارة الأمريكية بالقاهرة على حسابها بموقع “تويتر” في ٢٤ يوليو الجاري. وخلال زيارة باور للصومال، في ٢٤ يوليو الجاري، أعلنت عن تقديم الولايات المتحدة ٤٧٦ مليون دولار كمساعدات إنسانية وتنموية ضرورية لشعب الصومال.

٤- استمرار جهود مواجهة التنظيمات الإرهابية: تأتي زيارة باور للصومال اتساقاً مع عودة اهتمام الإدارة الأمريكية بها بعد موافقة بايدن، في ١٦ مايو الماضي، على طلب لوزارة الدفاع الأمريكية (البنتاجون) لإعادة تأسيس وجود مستمر للقوات الأمريكية في الصومال، في تراجع عن قرار الرئيس السابق دونالد ترامب، في ديسمبر ٢٠٢٠، بسحب نحو ٧٠٠ جندي أمريكي من الصومال، وهو القرار الذي وصفته الإدارة الأمريكية الحالية بـ”المتسرع”، وذلك للتصدي للتهديد الإرهابي المتزايد الذي تمثله حركة “شباب المجاهدين” الصومالية. وستقدم القوات الأمريكية المشورة والمساعدة للصوماليين في قتالهم ضد حركة “الشباب”، لكنها لن تشارك في العمليات القتالية ضد الحركة.

٥- دعم المسار الديمقراطي في السودان: على الرغم من أن زيارة هامر الأخيرة لن تشمل السودان، فإن ذلك لا يعني غياب الاهتمام الأمريكي بالتطورات الداخلية السودانية، والتوترات المستمرة بين المكونين المدني والعسكري التي تعرقل عملية الانتقال الديمقراطي في البلاد، حيث إن هذا الملف تركز عليه بصورة أساسية مساعدة وزير الخارجية للشئون الأفريقية مولي فاي بالتعاون مع شركاء الولايات المتحدة الإقليميين والدوليين.

اتجاه مضاد

بعد فترة من تراجع الاهتمام الأمريكي بالقارة الأفريقية خلال سنوات حكم الرئيس السابق دونالد ترامب، أولت إدارة جو بايدن اهتماماً متزايداً بالقارة التي أصحبت ساحة للنفوذ الروسي والصيني، ولما تملكه الدول الأفريقية من قدرات غير مستغلة، بجانب الأزمات والصراعات التي من شأنها التأثير على المصالح والأمن القومي الأمريكي. ولذلك تبنت الإدارة العديد من الإجراءات على كافة المستويات لتعزيز الحضور الأمريكي في القارة، ولمواجهة النفوذ الروسي والصيني بها، وكان آخرها الإعلان عن استضافة قمة قادة الولايات المتحدة وأفريقيا التي ستركز على دور واشنطن في مساعدة دول القارة في التخفيف من تأثير جائحة كوفيد-١٩، والأوبئة المستقبلية، وتعزيز الأمن الغذائي، ودعم السلام والأمن بالقارة، والاستجابة لأزمة التغير المناخي التي تؤثر سلباً على الدول الأفريقية.