درء المخاطر:
لماذا نفى خامنئي ضلوع إيران في طوفان الأقصى؟

درء المخاطر:

لماذا نفى خامنئي ضلوع إيران في طوفان الأقصى؟



يمكن تفسير حرص المرشد الأعلى للجمهورية علي خامنئي على تأكيد عدم تورط إيران في التصعيد الحالي بين إسرائيل والفصائل الفلسطينية في ضوء اعتبارات عديدة يتمثل أبرزها في تجنب رد الفعل الإسرائيلي المتشدد، والحفاظ على قنوات التواصل مع الولايات المتحدة الأمريكية، وعدم توفير فرصة جديدة للرئيس السابق دونالد ترامب والحزب الجمهوري، واحتواء التحفز الأمريكي المناوئ لإيران وحلفائها.

موقع “قطره”: قائد الثورة: من يقول أن الملحمة الأخيرة من صنع غير الفلسطينين فقد أخطأ في حساباته

رغم حرص المسؤولين الإيرانيين، لا سيما العسكريين، على الإشادة بعملية “طوفان الأقصى” التي نفذتها حركة حماس في 7 أكتوبر الجاري، وإعلان استمرار دعم إيران لما تسميه بـ”محور المقاومة”، مع السماح لوسائل الإعلام الرئيسية بنشر تقارير تفيد ضلوع إيران في تقديم دعم عسكري للفصائل الفلسطينية خلال الفترات الماضية، إلا أنه كان لافتاً في الوقت نفسه أن المرشد الأعلى للجمهورية علي خامنئي أكد أن إيران لم تكن طرفاً في العملية الأخيرة، بما يعني أنه يحاول تأكيد النفى الأمريكي المتكرر بعدم تورط إيران في هذا الهجوم بعد أن نشرت وسائل إعلام أمريكية مثل صحيفة “وول ستريت جورنال”، تقارير عن اجتماعات بين قادة الحرس الثوري وحماس قبل الهجوم بأيام قليلة. فقد قال خامنئي، في 10 أكتوبر الجاري، أن “ما حصل عمل قام به الفلسطينيون، وكل من يقول غير ذلك مخطئ ومستهتر بالشعب الفلسطيني”.

اعتبارات عديدة

يمكن تفسير حرص خامنئي على نفى مشاركة إيران في العملية العسكرية التي شنتها حماس ضد إسرائيل في ضوء اعتبارات عديدة يتمثل أبرزها في:

1- تجنب رد الفعل الإسرائيلي تجاه طهران: يمكن القول إنه بقدر ما أن إيران، وغيرها من الدول، اعتبرت أن تنفيذ هذه العملية العسكرية كشف خللاً أمنياً كبيراً داخل إسرائيل، بقدر ما أنها باتت تعتبر أن ذلك قد يكون حافزاً للحكومة الإسرائيلية من أجل إبداء رد فعل أكثر تشدداً سواء في التعامل مع حماس والفصائل الفلسطينية، أو “داعميهم”، في إشارة إلى إيران تحديداً.

وهنا، فإن إيران لا تستبعد أن تحاول إسرائيل الرد على تلك العملية، لرفع كلفتها بالنسبة للأطراف التي نفذتها، بحيث لا يقتصر ذلك الرد على تدمير القدرات العسكرية لحركة حماس كما تتوعد الحكومة الإسرائيلية، وإنما يمتد إلى رفع مستوى الهجمات ضد المواقع التابعة لإيران والمليشيات الشيعية الموالية لها في سوريا، والأهم من ذلك استئناف العمليات الاستخباراتية التي كان جهاز الموساد يقوم بها داخل إيران في الفترة الماضية، حيث يمكن بعد عملية “طوفان الأقصى” أن تختار إسرائيل أهدافاً أكثر أهمية وتأثيراً داخل إيران خلال المرحلة القادمة، حيث كانت تركز في الفترة الماضية على استهداف المنشآت النووية والعسكرية، إلى جانب بعض العلماء النوويين والقادة العسكريين.

2- احتواء “التحفز” الأمريكي المضاد: رغم أن الولايات المتحدة الأمريكية دائماً ما كانت تسعى إلى استعراض قدراتها العسكرية لـ”ردع إيران”، خاصة خلال فترات التوتر بين الطرفين، حيث كانت تقوم بإرسال قطع عسكرية إلى منطقة الخليج العربي ومضيق هرمز، إلا أن التحفز الأمريكي الأخير الذي كان أحد نتائج العملية العسكرية التي شنتها حركة حماس ضد إسرائيل، بدا لإيران مختلفاً عن محاولات استعراض القدرات الأمريكية في السابق، وذلك في ضوء عاملين: أولهما، اقتراب بعض القطع العسكرية الأمريكية من المنطقة، خاصة في شرق المتوسط، على غرر حاملة الطائرات “جيرالد فورد”، بما يعني أن واشنطن لم تعد تستبعد ليس فقط توسع نطاق التصعيد العسكري الحالي ليشمل مناطق ودولاً أخرى، على غرار لبنان، وإنما أيضاً مشاركتها بشكل مباشر في هذا التصعيد.

وثانيهما، الخطاب الداعم الذي تبناه الرئيس الأمريكي جو بايدن تجاه إسرائيل، في مرحلة ما بعد العملية العسكرية، والذي لم يتأثر بالخلافات العالقة بين إدارة الرئيس بايدن والحكومة الإسرائيلية برئاسة نتنياهو، حيث أكد الرئيس بايدن وقوف الولايات المتحدة الأمريكية إلى جانب إسرائيل، وتقديم دعم عسكري نوعي بدأ يصل إلى الأخيرة بالفعل، مع وصف حركة “حماس” بأنها باتت أشبه بتنظيم “داعش”.

هنا، اعتبرت إيران أن الانخراط في تصعيد سياسي مع الولايات المتحدة الأمريكية في الوقت الحالي لا يتوافق مع مصالحها وحساباتها، خاصة أن ذلك سوف يوفر فرصة للاتجاه المناوئ لإيران لتصعيد حملته ضدها في الداخل الأمريكي، ومن ثم دفع الإدارة الأمريكية نفسها إلى تبني نهج أكثر تشدداً، لاسيما مع اقتراب موعد الانتخابات الرئاسية الأمريكية التي سوف تجرى في نوفمبر 2024، وتزايد حاجة الرئيس بايدن للحصول على مزيد من الدعم من جانب اليهود الأمريكيين لتعزيز حظوظه في تجديد ولايته الرئاسية.

3- الحيلولة دون تزايد فرص ترامب في انتخابات الرئاسة الأمريكية: ترى اتجاهات في طهران أن تصعيد حدة التوتر في المنطقة، وتورط إيران فيه بشكل غير مباشر قد يعزز من فرص الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب في الانتخابات الرئاسية القادمة، إن استطاع الوصول إلى هذه المرحلة، أو أى مرشح جمهوري آخر يتبنى سياسة أكثر تشدداً تجاهها.

وهنا، فإن إيران ورغم تأكيدها باستمرار على أنها غير معنية بهوية من يصل إلى البيت الأبيض، معتبرة أن كل الرؤساء يتوافقون حول الخطوط العريضة للسياسة الخارجية الأمريكية، فيما يبقى الخلاف حول الأدوات التي يمكن استخدامها في سبيل تنفيذ تلك السياسة، فإنها في الوقت نفسه ترى أن وصول ترامب أو أحد مرشحي الحزب الجمهوري، يمكن أن يؤدي إلى تصاعد حدة التوتر والتصعيد بين طهران وواشنطن مجدداً، ووصوله إلى مرحلة الصدام المباشر، على غرار ما حدث في 3 يناير 2020 عندما أقدمت إدارة الرئيس دونالد ترامب على اغتيال القائد السابق لفيلق القدس التابع للحرس الثوري قاسم سليماني، برفقة نائب أمين عام مليشيا الحشد الشعبي العراقي، بل وهددت بتدمير “مراكز ثقافية” إيرانية، في إشارة إلى الحوزات الدينية الإيرانية، التي تحظى بمكانة خاصة لدى إيران، لاعتبارات استراتيجية وتاريخية عديدة.

4- انهيار التفاهمات النووية والإقليمية الحالية: من شأن تورط إيران بشكل مباشر في المواجهة الحالية أن يعصف بكل التفاهمات ويوقف الاتصالات التي تجريها مع الولايات المتحدة الأمريكية. فقد بدا واضحاً أن تلك التفاهمات كان لها دور أولاً في الوصول إلى صفقة تبادل السجناء التي تم تنفيذها في 18 سبتمبر الفائت، وقضت بحصول إيران على 6 مليار دولار من أموالها المجمدة لدى كوريا الجنوبية وإفراج السلطات الأمريكية عن خمسة إيرانيين متهمين بانتهاك العقوبات الأمريكية المفروضة على إيران، مقبل إفراج السلطات الإيرانية عن خمسة أمريكيين محتجزين لديها.

كما أن هذه التفاهمات كان لها دور في وقف استهداف القوات الأمريكية في كل من العراق وسوريا خلال الشهور الأخير، بعد أن كانت إيران تستخدم هذه الاستهدافات لممارسة ضغوط أقوى على الولايات المتحدة الأمريكية، وتعزيز موقعها في المفاوضات التي كانت تجري حول الاتفاق النووي، مع الولايات المتحدة الأمريكية.

ومن دون شك، فإن ثبوت تورط إيران في تلك العملية سوف يدفع الاتجاه الرافض لعقد مزيد من الصفقات مع الولايات المتحدة الأمريكية، إلى محاولة ممارسة ضغوط أقوى على إدارة الرئيس بايدن من أجل إنهاء العمل بالسياسة الحالية والاتجاه نحو رفع مستوى الضغوط على إيران بالتنسيق مع الدول الأوروبية، التي قررت الإبقاء على العقوبات الخاصة بالصواريخ والمسيرات الإيرانية في مرحلة ما بعد رفع الحظر الأممي المفروض على الأنشطة الإيرانية المرتبط ببرنامج الصواريخ الباليستية.

سياسة مزدوجة

في النهاية، يمكن القول إن إيران تتبع سياسة مزدوجة في التعامل مع التطورات التي تشهدها الأراضي الفلسطينية في الوقت الحالي، ففيما تسمح بتوجيه رسائل تفيد أنها ليست بعيدة عن مجرى ما يحدث من تصعيد بين إسرائيل والفصائل الفلسطينية، فإن تحاول من جهة أخرى تأكيد أنها ليست معنية بالانخراط بشكل مباشر في التصعيد، بما يعني أنها تواصل تبني سياسة إدارة التصعيد مع خصومها عبر حلفائها.