مصالح متشابكة:
لماذا قام الرئيس رئيسي بزيارة سوريا في هذا التوقيت؟

مصالح متشابكة:

لماذا قام الرئيس رئيسي بزيارة سوريا في هذا التوقيت؟



تسعى إيران وسوريا عبر الزيارة التي يقوم بها الرئيس إبراهيم رئيسي إلى الأخيرة إلى تحقيق أهداف عديدة تتعلق بتأكيد مشاركة إيران في عمليات إعادة الإعمار داخل سوريا بعد تغير توازنات القوى لصالح النظام السوري، وتوجيه رسائل تهديد جديدة إلى إسرائيل، وتأكيد أن تحسن العلاقات مع السعودية بعد توقيع اتفاق بكين لن يؤثر على العلاقات القوية بين إيران وسوريا، واستمرار الأولى في قيادة ما يسمى بـ”محور المقاومة”.

فالزيارة التي قام بها الرئيس الإيراني إبراهيم رئيسي إلى سوريا خلال يومى 3 و4 مايو الجاري تعد هي الأولى من نوعها لرئيس إيراني إلى سوريا منذ 12 عاماً، حيث كانت آخر زيارة للرئيس الأسبق أحمدي نجاد إلى سوريا في 18 سبتمبر 2010، أي قبل اندلاع الأزمة في سوريا بنحو ستة أشهر، بما يعني أن هناك رئيساً إيرانياً لم يزر سوريا إطلاقاً على مدى فترتيه الرئاسيتين وهو الرئيس السابق حسن روحاني الذي تصاعدت حدة الأزمة السورية في عهده.

لكن أهمية الزيارة لا تكمن فقط في كونها الأولى منذ 12 عاماً، وإنما تكمن في التوقيت الذي أجريت فيه، والذي يتوازى مع تحسن العلاقات بين إيران والعديد من الدول العربية، ولا سيما السعودية، فضلاً عن تزايد اتجاه الانفتاح العربي على سوريا، بالتوازي مع تصاعد حدة التوتر بين إيران وإسرائيل لاعتبارات عديدة. ورغم أن معظم تصريحات رئيسي خلال الزيارة ركزت على توجيه رسائل مباشرة إلى الأخيرة، فضلاً عن تأكيد استمرار تطوير العلاقات الثنائية مع سوريا خلال المرحلة القادم، إلا أن ذلك لم يمنع الطرفين من إجراء مباحثات حول التطورات الإقليمية الأخيرة التي تخص كلاً منهما.

وقد كان لافتاً أن إيران أمعنت في الترويج لأن هذه الزيارة تعكس التطورات الإيجابية التي بدأت تشهدها الساحة الإقليمية وتصب -وفقاً للرؤية الإيرانية- في إطار تعزيز مصالح طهران، على نحو بدا جلياً في المانشيت الرئيسي لصحيفة “وطن امروز” (الوطن اليوم) الذي حمل عنوان “شرق أوسط جديد”.

أهداف رئيسية

ثمة أهداف رئيسية سعت سوريا وإيران إلى تحقيقها عبر هذه الزيارة، يتمثل أبرزها في:

1- تأكيد مشاركة إيران في عمليات إعادة إعمار سوريا: وهو ما يبدو جلياً في عدد ونوعية الاتفاقيات ومذكرات التفاهم التي وقعها الطرفان خلال الزيارة، حيث تم توقيع 15 وثيقة تفاهم، من بينها مذكرة التفاهم لخطة التعاون الشامل الاستراتيجي طويل الأمد بين البلدين في مجال الزراعة والنفط والسكك الحديد، والاعتراف المتبادل بالشهادات البحرية بين البلدين، ويعني ذلك أن التعاون الثنائي بين الطرفين سوف يركز خلال المرحلة القادمة على تطوير البنية التحتية، بما يمثل إشارة إلى أن إيران سوف تسعى إلى المشاركة في عمليات إعادة الإعمار، بعد تراجع حدة الصراع المسلح وتغير توازنات القوى في سوريا لصالح نظام الرئيس بشار الأسد. وقد بدا ذلك جلياً في تصريحات رئيسي التي قال فيها إن “إيران سوف تقف مع سوريا في عمليات إعادة الإعمار كما وقفت في محاربة الإرهاب”.

2- إجراء مباحثات حول العلاقات مع السعودية: وهو ملف يحظى باهتمام مشترك من جانب الطرفين، إذ تحسنت العلاقات بين إيران والسعودية بعد توقيع اتفاق بكين في 10 مارس الماضي، كما شهدت العلاقات بين سوريا والسعودية انفتاحاً ملحوظاً بدا جلياً في الزيارتين المتبادلتين اللتين قام بهما وزيرا خارجية الدولتين، إلى جانب عدم ممانعة السعودية في عودة سوريا إلى جامعة الدول العربية، على نحو بدا جلياً في مشاركتها بالاجتماعات الأخيرة التي عقدت على مستوى وزراء خارجية بعض الدول العربية لمناقشة هذا الملف، وكان آخرها اجتماع عمان الذي عقد في أول مايو الجاري.

وهنا، يمكن القول إن الطرفين يسعيان إلى توجيه رسائل مباشرة إلى السعودية تحديداً مفادها أن ما يمكن أن يطلق عليه “التحالف الاستراتيجي” القائم بينهما لن يتأثر بشكل كبير بتحسن العلاقات مع السعودية، خاصة أن ثمة تكهنات أشارت سابقاً إلى أن أحد شروط الأخيرة لإعادة الانفتاح على النظام السوري يتمثل في “إنهاء” التحالف مع إيران.

صحيفة “رسالت” (الرسالة): زيارة تحمل رسالة الانتصار

3- الاقتراب من الحدود مع إسرائيل: وهو هدف أساسي سعت إيران إلى تحقيقه عبر زيارة رئيسي إلى سوريا، وما سبقها من زيارة قام بها وزير الخارجية حسين أمير عبد اللهيان إلى بيروت، في 28 أبريل الفائت، والتي تعمد خلالها القيام بزيارة لآخر نقطة تماس على الحدود اللبنانية – الفلسطينية. وهنا، فإن ذلك يعد، في قسم منه، محاولة من جانب إيران للرد على التصريحات التي أدلى بها مسؤولون إسرائيليون في الفترة الأخيرة، على غرار وزير الخارجية إيلي كوهين، والتي أشاروا فيها إلى أن إسرائيل نجحت في الاقتراب من حدود إيران بشكل كبير، خاصة بعد افتتاح السفارة الإسرائيلية في عشق أباد عاصمة تركمانستان، التي تقع على بعد 17 كم من الحدود بين إيران والأخيرة.

وقد وجه الرئيس رئيسي رسائل تهديد عديدة إلى إسرائيل. فقبيل إجراء الزيارة بساعات، أدلى رئيسي بتصريحات إلى قناة “الميادين” التابعة لحزب الله اللبناني قال فيها إن “إيران أعلنت عدة مرات أن هذا الكيان (إسرائيل)، إذا ما اتخذ أقل خطوة ضد إيران، فإن خطوتنا الأولى سوف تكون بمنزلة اضمحلاله وإزالته”، مشدداً على أن “أول حماقة وخطوة لإسرائيل ستكون الخطوة الأخيرة لها، ولن يبقى شيء باسم الاحتلال”.

4- استمرار محور المقاومة بقيادة إيران: كان لافتاً أن الرئيس رئيسي حرص خلال وجوده في سوريا على القيام بزيارة إلى مرقد السيدة زينب في العاصمة السورية دمشق، حيث أدلى من هناك بتصريحات عديدة ترتبط بمستقبل العلاقات بين إيران وسوريا. لكن الأهم من ذلك هو رمزية هذه الخطوة، إذ كان مرقد السيدة زينب هو العنوان الأيديولوجي الرئيسي للنفوذ الإيراني داخل سوريا، حيث كانت إيران دائماً ما تستند في تبرير تجنيد عدد كبير من الإيرانيين والشيعة من لبنان وسوريا والعراق وأفغانستان وباكستان للقتال في سوريا بأن ذلك يأتي في إطار “الدفاع عن حرم السيدة زينب”. وبالطبع، فإن الرسالة الأهم التي تحاول إيران توجيهها عبر ذلك هي رسالة متعددة الأوجه.

إذ إن هذه الزيارة تشير إلى أن إيران لن تتراجع عن مساعيها لتعزيز حضورها الإقليمي، وهي رسالة إلى السعودية تحديداً بأن لا تغيير سوف يطرأ على توجهات السياسة الخارجية الإيرانية خلال المرحلة القادمة، وأن إيران لن تقدم تنازلات كبيرة في ملف التمدد الإقليمي من أجل تطوير علاقاتها مع السعودية.

دور مستمر

على ضوء ذلك، يمكن القول في النهاية إن إيران سوف تواصل مساعيها في المرحلة القادمة لتعزيز النفوذ الإقليمي، خاصة أنها ترى في المرحلة الحالية أن هذا النفوذ يعد إحدى أوراق الضغط القوية التي تستخدمها في إدارة صراعها مع بعض القوى مثل إسرائيل. صحيح أن إيران حريصة على تطوير قدراتها العسكرية، بما فيها رفع مستوى جهوزية الجيش الإيراني بعد مرحلة طويلة من التهميش، لكن الصحيح أيضاً أن إيران ترى أن وجودها بالقرب من حدود إسرائيل يعني أن لديها القدرة على رفع كلفة أي عمل عسكري نوعي قد تقوم به الأخيرة داخل الأراضي الإيرانية، وهي رسالة مباشرة إلى الولايات المتحدة الأمريكية بأن مصالحها أيضاً في المنطقة في مرمى الاستهداف الإيراني في حالة تبني الأخيرة سياسة أكثر تشدداً في التعامل مع الخلافات المتصاعدة مع إيران حول الملفات المختلفة، سواء البرنامج النووي، أو القدرات الصاروخية، أو الدعم العسكري الإيراني لروسيا في الحرب الأوكرانية أو غيرها.