تفعيل الدور:
لماذا عاد مقترح إقامة مركز إيراني للغاز الطبيعي على أراضيها؟

تفعيل الدور:

لماذا عاد مقترح إقامة مركز إيراني للغاز الطبيعي على أراضيها؟



تسعى إيران لزيادة دورها في سوق الطاقة العالمية من خلال مواردها من الغاز الطبيعي، وفي هذ الإطار اقترحت في يونيو 2023 إنشاء مركز للغاز على أراضيها بمشاركة روسيا وقطر وتركمانستان، وتم مؤخراً إعادة تسليط الضوء على ذلك المقترح الذي يرتبط بعدة أبعاد تخدم المصالح الإيرانية والدول المشاركة به، أبرزها تعزيز إنتاجها وصادراتها من الغاز الطبيعي، فضلاً عن أن ذلك المركز ينافس مشاريع إقليمية مشابهة، كما أنه بمثابة ورقة جديدة تدعم موقف طهران في ملف ترسيم الحدود البحرية بالخليج العربي، كما يسهم في تحقيق مستهدف بناء ممر للطاقة بين بحر قزوين ومنطقة الشرق الأوسط.

كشف نائب رئيس الوزراء الروسي “ألكسندر نوفاك”، على هامش منتدى “أسبوع الطاقة الروسي” الذي عُقد في الفترة من 11 حتى 13 أكتوبر 2023 في موسكو، أن شركة “غازبروم” ستدرس وتقيّم مقترح إيران لإنشاء مركز للغاز في الخليج بمشاركة بلاده وقطر وتركمانستان، مؤكداً أنه إذا كان مجدياً وآفاقه واعدة، فستشارك فيه روسيا.

وتجدر الإشارة إلى أن وزير النفط الإيراني “جواد عوجي” صرح في يونيو 2023، بأن بلاده، بمشاركة روسيا وتركمانستان وقطر، تسعى إلى إنشاء مركز للغاز في منطقة “عسلوية” الصناعية في محافظة بوشهر جنوبي إيران الواقعة على الخليج العربي، مشيراً وقتها إلى أنه يجري تنفيذ الاستعدادات والتخطيط اللازم للمركز المشار إليه. ويُشار إلى أن مدينة “عسلوية” تعتبر مركزاً لإنتاج النفط والغاز من حقل “بارس” الجنوبي، والذي يقع في الجزء الأوسط من الخليج العربي في المياه الإقليمية على الحدود البحرية الإيرانية القطرية (انظر شكل رقم 1).

South Pars Gas Field [8] شكل رقم (1): الموقع المقترح لمركز الغاز الطبيعي الإيراني بـ”عسلوية”

(Source: Corporate Social Responsibility Related to Oil, Gas and Petrochemical Industry- Case Study: Assaluyeh, Iran, Society of Petroleum Engineers)

دوافع الطرح

يأتي الطرح الإيراني لتحقيق أهداف محددة تتمحور حول تعظيم دور إيران كمركز إقليمي/ دولي للغاز الطبيعي بدعم من حلفائها، وهو ما له العديد من الإيجابيات لطهران التي تسعى لتعزيز قدراتها في قطاع الطاقة. وفي هذا السياق فإن إلقاء الضوء على ذلك الطرح مجدداً في ذلك التوقيت يعكس العديد من الأبعاد، وذلك على النحو التالي:

1- تعزيز إنتاج وصادرات الغاز الإيراني في السوق العالمية: إن اختيار موقع مدينة “عسلوية” ليصبح مركزاً للغاز الطبيعي له العديد من الدوافع، أبرزها قربه من حقل “بارس الجنوبي”، الذي افتُتحت المرحلة الـ11 والأخيرة من تطويره في أغسطس 2023، وبما يسهم في تحقيق هدف طهران برفع إنتاجها الحالي من الغاز الطبيعي من مليار متر مكعب يومياً إلى 1.5 مليار بحلول عام 2029 (وفق تقرير صادر عن وكالة “استاندرز آند بورز” في 15 أغسطس 2023)، من أجل زيادة الفائض القابل للتصدير، أخذاً في الاعتبار أن إجمالي الاحتياطات القابلة للاستخراج من الحقل تُقدر بنحو 35.6 تريليون متر مكعب من الغاز الطبيعي (وفق تقرير لوكالة tass الروسية).

جدير بالذكر أن إيران واجهت نقصاً في الغاز الطبيعي بالرغم من امتلاكها نحو 32 تريليون قدم مكعب منه كاحتياطات (وفق تقديرات عام 2020)، وبما عكس تأثير العقوبات على بنيتها التحتية من الغاز، وكذا عدم إمكانية إجراء استكشافات جديدة، وهو ما دلل عليه تحذير وزير النفط الإيراني في أكتوبر 2022 (في إفادة لمجلس النواب الإيراني)، من نقص محتمل لـ200 مليون متر مكعب يومياً في الشتاء من العام نفسه، لافتاً إلى حاجة قطاع الغاز إلى 80 مليار دولار استثمارات لمواجهة ذلك النقص المحتمل.

وبالرغم من الجهود الإيرانية لزيادة الفائض من الغاز القابل للتصدير، حيث قامت بزيادة فائض الغاز الطبيعي من 3 مليارات متر مكعب في 2016 إلى 30.5 مليار في 2022، أي بنسبة ارتفاع 916% (انظر شكل رقم 2)، إلا أن قدرات الإنتاج اليومية لا تلبي الطلب المحلي عند الضغط عليها في بعض الأوقات، مثل فصل الشتاء، وبالتالي فإن إنشاء مركز للغاز في إيران سيُغطي الطلب المحلي، إضافةً إلى أنه سيؤدي إلى جذب الاستثمارات الأجنبية والخبرات لدعم البنية التحتية للغاز لتواجه زيادات الطلب اليومي، مع الأخذ في الاعتبار أن حقل “بارس” يواجه مشكلة فنية ويحتاج إلى دعم من الخارج، وبالتالي قد يوفر مركز الغاز فرصاً لإصلاح تلك المشكلة، سواء عبر موسكو أو الدوحة.

شكل رقم (2): تطور إنتاج واستهلاك الغاز الطبيعي والفائض

خلال الفترة (2016-2022) (بالمليار متر مكعب)

(Source: Statistical Review of World Energy 2023, 72nd edition, Energy Institute)

2-   مواجهة المنافسة الإقليمية بالشرق الأوسط: إن المقترح الإيراني يتشابه مع طرح إقامة مركز للغاز الطبيعي الروسي في تركيا، وبما يجعل منطقة “تراقيا” التركية مركزاً لنقل وتوزيع الغاز بين الشرق والغرب، وهو ما عدلته موسكو في يوليو 2023، وذلك وفق ما أعلنه الرئيس الروسي بأن ذلك المركز لن يكون منشآت ضخمة لتخزين الغاز على الأراضي التركية، ولكنه منصة تجارة إلكترونية لتنظيم التداولات التجارية، وبالتالي تسعى طهران لاقتناص ذلك الانسحاب لتفعيل الطموح الروسي بإنشاء مركز للغاز على أراضيها، علماً بأن موسكو هي التي طرحت إنشاء مركز للغاز في تركيا في أكتوبر 2022.

من جانب آخر، يأتي إعادة تسليط الضوء على مركز الغاز الإيراني عقب إطلاق الممر الاقتصادي IMEC، والذي يتضمن ممراً للطاقة لمد الهند والدول الأوروبية بالطاقة، وهو ما يشكل منافسة مباشرة لكل من الدول الضالعة في مركز الغاز الإيراني، نظراً إلى أنه من المخطط مد الدول الأوروبية والهند بالهيدروجين الأخضر أو حتى الكهرباء المولدة من الطاقة المتجددة، مما يقلص طلب تلك الدول على الغاز من روسيا وقطر وتركمانستان.

بخلاف ذلك، فإن الاتجاه إلى إقامة المركز في إيران قد يسفر عن تخزين جزء من الغاز الطبيعي المنتج في قطر وروسيا وتركمانستان، لإعادة تصديره بأسعار رخيصة للدول الأوروبية والآسيوية، وستكون الفائدة الأكبر لموسكو وإيران اللتين قد يتم بيع غازهما الطبيعي مع الغاز القطري والتركمانستاني، وبما يتيح لهما الالتفاف على العقوبات المفروضة عليهما، وهو الأمر الذي تطبقه روسيا حالياً عبر إرسال نفطها لبعض الدول لتخزينه ثم إعادة تصديره، وفي بعض الحالات يتم تكريره إلى منتج آخر.

3-   استحداث ورقة جديدة في ملف ترسيم الحدود البحرية بالخليج العربي: إن قرب مركز الغاز المقترح من حقل “بارس” سيتيح الاستفادة من تصدير موارد الحقل للخارج بأقل تكلفة ممكنة، فضلاً عن إمكانية الاستفادة من أي حقول أخرى للغاز الطبيعي قد يتم اكتشافها بالخليج العربي، أو حتى اشتراط طهران أن يتم توريد جزء من الغاز الطبيعي من الحقول المشتركة مع دول الخليج للمركز الجديد مقابل ترسيم الحدود البحرية، مثل حقل الدرة المتنازع عليه بين السعودية والكويت وإيران. وبالرغم من أن ذلك الأمر مستبعد طرحه حالياً، إلا أنه قد يكون هدفاً مستقبلياً للنظام الإيراني الذي يطمح للاندماج مع دول الخليج في مشاريع حيوية.

ويلفت نموذج ترسيم الحدود البحرية بين قطر وإيران إلى أهمية ترسيم الحدود في منطقة الخليج العربي، والذي سيُمكن من استغلال دول المنطقة لمواردها من الغاز والنفط، ولكن يؤخذ في الاعتبار أن ترسيم تلك الحدود قد لا يُشكل أولوية لطهران في الوقت الحالي، إلا إذا تم ربطها بتعزيز العلاقات البينية مع دول الخليج العربي، والتي منها إقامة مركز الغاز المشار إليه، وبالتالي لا يُستبعد أن يكون ذلك المركز محوراً للنقاش بين طهران ودول الخليج العربي خلال الفترة المقبلة، مع احتمالية ربطه بملف ترسيم الحدود البحرية.

4- إقامة ممر للطاقة بين بحر قزوين والشرق الأوسط: تسعى إيران لربط صناعة الغاز الطبيعي في بحر قزوين بنظيرتها في الشرق الأوسط من خلال المركز المذكور، لا سيما وأن طهران تعتبر عاملاً مشتركاً في الصناعتين لوقوع سواحلها على بحر قزوين والخليج العربي، هذا وسيتم الربط من خلال روسيا وتركمانستان (الواقعتين على بحر قزوين) وقطر (الواقعة على الخليج العربي)، بما يجعل طهران محوراً مركزياً للربط بين المنطقتين، مع احتمالية انضمام بعض الدول لذلك المركز كدول مستوردة (مثل العراق، وسوريا، وتركيا).

ويعزز من الربط الذي تستهدفه إيران بين المنطقتين، أن روسيا وتركمانستان تملكان نحو 5% و3% من احتياطات الغاز البحرية في حوض بحر قزوين (وفق بيانات صادرة لشركة “كرستول” البريطانية للطاقة في يونيو 2017)، والمقدرة احتياطاته بـ8.3 تريليون متر مكعب (وفق إدارة معلومات الطاقة الأمريكية في أغسطس 2013)، وبالتالي قد يتم مد أنابيب من حقول الغاز ببحر قزوين لتصل إلى المركز الإيراني في “عسلوية”، ومنها يتم مد بعض دول الشرق الأوسط بالغاز الروسي والتركمانستاني عبر أنابيب.

إن ذلك المخطط يدعمه حجم احتياطات إيران وروسيا وقطر وتركمانستان من الغاز الطبيعي، والذي يُشكل نحو 57% من إجمالي احتياطي الغاز العالمي (انظر شكل رقم 3)، بما يجعله تكتلاً مؤثراً في سوقي الغاز الطبيعي والطاقة العالميين مستقبلاً.

شكل رقم (3): نسبة مساهمة احتياطي الغاز الطبيعي لروسيا وإيران وقطر وتركمانستان

في احتياطي الغاز العالمي (وفق بيانات عام 2020)

 (Source: Statistical Review of World Energy, 72nd editionEnergy Institute) ,

ويُرى أن اختيار روسيا وتركمانستان للمشاركة في مركز الغاز بإيران يرتبط بمحاولة إقامة تعاون أو نوع من أنواع التنسيق بين الدول الثلاث في قطاع الغاز ببحر قزوين، لأنه في حالة اكتشاف احتياطيات به، وبدعم من مركز الغاز المرتقب إنشاؤه، قد تتجه طهران لتصدير 20% من الغاز الطبيعي بتلك المنطقة لأوروبا (وفق “علي أصولي” الرئيس التنفيذي لشركة “كيبكو” للنفط والغاز الإيرانية).

طموح متزايد

في الختام، تتبنى إيران في تحركاتها لدعم اقتصادها التعاون مع حلفائها التقليديين، وذلك عبر الارتقاء بذلك التعاون لإنشاء كيانات إقليمية مؤثرة في العديد من المجالات الحيوية، وبما يزيد دورها عالمياً، ويجعلها تتجاوز العقوبات المفروضة عليها، إلا أن طرحها إنشاء مركز عالمي للغاز على أراضيها يعكس طموحها الذي تزايد عقب اتجاهها لتحسين علاقاتها مع الدول العربية. وقد تشهد الفترة المقبلة مطالبات إيرانية وروسية لدول الخليج العربي بالمشاركة في ذلك المركز، من أجل خلق تكتل ضخم في قطاع الطاقة، لينسحب ذلك إلى قطاعات أخرى خلال العقود المقبلة.