الأهداف الخمسة:
لماذا طرح الحزب الدستوري الحر إجراء حوار وطني بمشاركة اتحاد الشغل في تونس؟

الأهداف الخمسة:

لماذا طرح الحزب الدستوري الحر إجراء حوار وطني بمشاركة اتحاد الشغل في تونس؟



أطلق حزب “الدستوري الحر” التونسي برئاسة “عبير موسى” دعوة في 29 يوليو 2022، لإجراء حوار وطني يضم عدداً من الأحزاب والقوى السياسية ومنظمات المجتمع المدني الفاعلة داخل المجتمع التونسي، وذلك بغرض تعديل الدستور الجديد الذي تم إقراره في الاستفتاء الذي تم إجراؤه في 25 يوليو الماضي، ووافق عليه 94% من الناخبين الذين شاركوا في الاستفتاء.

وتهدف هذه المبادرة أيضاً إلى مواصلة الضغوط على رئيس الدولة “قيس سعيد” لمنعه من صياغة قانون انتخابي جديد وفقاً لما أعلن عنه عقب الإعلان عن النتائج النهائية للاستفتاء، ويبرر الحزب ذلك منعاً لأن تتم صياغته وفقاً لهوى الرئيس “سعيد”.

شروط محددة

حددت رئيسة الحزب الدستوري الحر “عبير موسى” عدة شروط لمشاركة الأحزاب والقوى السياسية في الحوار الوطني الذي يدعو إليه الحزب، ومن أبرزها أن يشارك الاتحاد التونسي العام للشغل، وأيضاً الأحزاب السياسية التي لا تنتمي إلى الإسلام السياسي ولا تعترف به، وذلك في إشارة إلى حركة النهضة وائتلاف الكرامة والأحزاب المتحالفة معها مثل حزب قلب تونس، كما يستثني هذا الحوار أنصار الرئيس “قيس سعيد”، مع اشتراط توقيع المشاركين على الميثاق السياسي الذي ستتم صياغته لهذا الحوار الوطني، على أن يسفر هذا الحوار عن إعادة صياغة دستور ديمقراطي لتحقيق تطلعات الشعب التونسي.

محركات متعددة

تهدف المبادرة التي طرحها الحزب الدستوري الحر لإجراء حوار وطني يضم معظم القوى السياسية ومنظمات المجتمع المدني المعارضة للدستور الذي تم تمريره بعد الاستفتاء عليه، إلى تحقيق جملةٍ من الأهداف من أبرزها ما يلي:

1- توحيد صفوف قوى المعارضة السياسية: يتمثل الهدف الرئيسي وراء المبادرة التي طرحها حزب الدستوري الحر في توحيد صفوف المعارضة السياسية التي تتسم بالانقسام والضعف في مواجهة رئيس الدولة “قيس سعيد”، وذلك من خلال تشكيل جبهة سياسية قوية ترتكز على الحزب الدستوري الحر الذي يمارس حراكاً ملحوظاً في الحياة السياسية التونسية منذ تمثيله في البرلمان المنحل، وتكثفت هذه التحركات في مرحلة ما بعد فرض الإجراءات الاستثنائية في 25 يوليو 2021، وذلك من خلال إبداء المعارضة لمعظم الإجراءات الاستثنائية التي أعلنها الرئيس “سعيد” وصولاً إلى الاعتراض على الدستور الجديد، حيث يرى الحزب أن هذا الدستور سوف يكرس حكماً فردياً ديكتاتورياً في البلاد، وهو ما دفع الحزب لمحاولة تشكيل جبهة معارضة قوية عمادها اتحاد الشغل والتيار الديمقراطي وأي من الأحزاب السياسية الأخرى المعارضة لرئيس الدولة والرافضة لتيار الإسلام السياسي مثل آفاق تونس، وبعض منظمات المجتمع المدني مثل منظمة “أنا يقظ” التي قدمت طعوناً ضد نتائج الاستفتاء على الدستور.

2- استمالة اتحاد الشغل لرفض سياسات الرئيس سعيد: يهدف الحزب الدستوري من وراء الدعوة لإجراء حوار وطني مع الإشارة تحديداً إلى مشاركة الاتحاد التونسي العام للشغل في هذا الحوار، إلى استمالة موقف الاتحاد ليصبح متماشياً مع موقف الحزب الدستوري المعارض لسياسات وإجراءات الرئيس “قيس سعيد”، فقد تبنى الاتحاد موقفاً رافضاً للإجراءات الاستثنائية التي اتخذها الرئيس “سعيد” خلال العالم الماضي وخاصة فيما يتعلق بالاستشارة الإلكترونية وإقصاء معظم الأحزاب والقوى السياسية من الحوار الوطني الذي دعا إليه “سعيد”، وهو ما دفع الاتحاد لمقاطعة الحوار بوصفه حواراً معروف النتائج مسبقاً، كما اعترض الاتحاد على الاستفتاء، ورغم ذلك لم يمنع الاتحاد أعضاءه وقواعده الشعبية من المشاركة في الاستفتاء، بل ترك لهم حرية الاختيار في هذا الشأن. وعقب إعلان نتائج الاستفتاء أعرب الاتحاد عن رفضه الانتقادات الأمريكية لنتائج الاستفتاء، وتماشى في ذلك مع موقف الرئيس “قيس سعيد” الرافض لتدخل واشنطن في الشؤون الداخلية للبلاد. وفي هذا السياق، رأى حزب الدستوري الحر أهمية استمالة الاتحاد وضمه لجبهة المعارضة السياسية، وذلك قبل أن يقوم الرئيس “سعيد” بمحاولة استرضاء الاتحاد والاعتماد عليه خلال الفترة القادمة لدعم الإصلاحات السياسية والدستورية القادمة.

3- تنظيم انتخابات رئاسية مبكرة: يسعى حزب الدستوري الحر إلى صياغة موقف سياسي معارض موحد للضغط على الرئيس لإجراء انتخابات رئاسية مبكرة في شهر سبتمبر القادم، مبرراً ذلك بأن الرئيس “قيس سعيد” فاقد للشرعية ولا يملك الشرعية القانونية التي تؤهله للبقاء في منصبه كرئيس للجمهورية التونسية، ومن ثم سوف يطرح الحزب ميثاقاً سياسياً يتضمن مجموعة من الأهداف الكبرى التي يجب العمل على تحقيقها خلال الفترة القادمة، وذلك من أجل إجراء إصلاحات سياسية على رأسها إقامة دولة تونسية لا مجال فيها لتيارات الإسلام السياسي، وتعزز مدنية الدولة، وهو ما يؤدي في نهاية الأمر لدرء المخاطر التي تهدد وحدة وسلامة الدولة التونسية المترتبة على دخول الدستور الجديد حيز التنفيذ، وما لذلك من تداعيات على الأمن القومي للبلاد.

4- منع صياغة قانون انتخابي جديد: يهدف الحزب كذلك إلى عرقلة صياغة الرئيس “قيس سعيد” لقانون انتخابي جديد “على مقاسه” وفقاً لتعبير رئيسة الحزب “عبير موسى”، أي وفقاً لتوجهات ورؤى الرئيس “سعيد” بشأن الإصلاحات السياسية والدستورية مثلما فعل مع الدستور الجديد الذي تضمن نصوصاً من شأنها توسيع صلاحيات الرئيس وجمع السلطة التنفيذية في يده، مع منح الحكومة والمؤسسات التشريعية صلاحيات محدودة مقارنة بما كانت عليه قبل 25 يوليو الماضي، ويعارض الحزب الدستور الحر صياغة القانون الانتخابي الجديد ليصبح الاقتراع الفردي وليس على القوائم الحزبية وفقاً للنظام القديم الذي كان معمولاً به خلال السنوات الماضية، حيث يدعي المعارضون أن النظام الانتخابي الفردي يقوض قدرة الأحزاب السياسية على المشاركة وتحقيق نتائج إيجابية في الانتخابات البرلمانية القادمة قبل نهاية العام الحالي.

5- تعزيز وضع الحزب في الحياة السياسية: تهدف “عبير موسى” رئيسة حزب الدستوري الحر إلى تعزيز وضع الحزب في مرحلة ما قبل إجراء الانتخابات البرلمانية المقررة في 17 ديسمبر القادم، خاصة وأن استطلاعات الرأي العام التي أجراها معهد “إمرود كونسيلتينغ” في شهر يونيو الماضي، أشارت إلى تقدم الحزب في نوايا التصويت في المرتبة الثانية بحصوله على نسبة 33% عند إجراء انتخابات تشريعية، يليه حزب الرئيس “قيس سعيد” الذي حصل على نسبة 20%، وفي المقابل، تصدر “قيس سعيد” نوايا التصويت بنسبة 70% في حال إجراء انتخابات رئاسية، وعلى هذا الأساس يدرك الحزب الدستوري أهمية التحالف مع الاتحاد التونسي العام للشغل ذي القواعد الشعبية الكبيرة، في محاولة للاستفادة من ذلك عند إجراء الانتخابات البرلمانية القادمة.

 سيناريوهات محتملة

جاء طرح مبادرة حزب الدستوري الحر لإجراء حوار وطني يشارك فيه الاتحاد التونسي العام للشغل، بالإضافة إلى عدد من الأحزاب السياسية ومنظمات المجتمع المدني المعارضة للرئيس “سعيد”، في إطار مشهد سياسي يتسم بنوع من الشد والجذب في مرحلة ما بعد إقرار الدستور الجديد. وفي هذا السياق، توجد بعض السيناريوهات المحتملة بشأن مدى قبول اتحاد الشغل للمشاركة في هذا الحوار من عدمه، وذلك كما يلي:

السيناريو الأول: مشاركة الاتحاد في الحوار الوطني الذي يدعو إليه حزب الدستوري الحر، ويرجح هذا السيناريو أن يقبل الاتحاد التونسي العام للشغل الدعوة التي طرحها حزب الدستوري الحر ومن ثم تشكيل جبهة معارضة سياسية قوية لمنع الرئيس “سعيد” من الانفراد بالحكم خلال الفترة القادمة، ويستند ذلك إلى اقتناع الاتحاد بأهمية إجراء حوار وطني حقيقي باعتباره السبيل الوحيد للحفاظ على مكاسب الوطن، وأن التوافق حول الخيارات الوطنية الكبرى لا يتم تحقيقه إلا من خلال الحوار الذي يتسم بالمصداقية والنزاهة دون إملاءات من الداخل أو الخارج، وذلك في إشارة إلى رفضه المشاركة في الحوار الوطني الذي دعا إليه ونظمه الرئيس “قيس سعيد” لأنه كان حواراً خاضعاً لإشراف رئيس الدولة وخاضعاً لتوجهاته وشروطه التي وضعها للمشاركة فيه، والتي على أساسها تم إقصاء معظم القوى السياسية التي تسببت في تأزم الأوضاع السياسية بالبلاد. وفي ظل تماشي موقف الاتحاد مع موقف حزب الدستوري الحر إزاء إجراءات الرئيس “سعيد” وانفراده بالإصلاحات السياسية والدستورية دون توسيع قاعدة المشاركة مع الأحزاب وممثلي المجتمع المدني، فقد يدرك الاتحاد حاجته لتكوين جبهة معارضة مع أحد الأحزاب السياسية الفاعلة في الحياة السياسية التونسية والقادر على التأثير في مساراتها.

السيناريو الثاني: مواصلة المعارضة منفرداً، ويرجح هذا السيناريو عدم مشاركة الاتحاد التونسي العام للشغل في مبادرة حزب الدستوري الخاصة بتكوين تحالف سياسي معارض للرئيس “قيس سعيد”، ويستند ذلك السيناريو إلى عدة اعتبارات من أهمها اختلاف التوجهات السياسية والأيديولوجية بين الاتحاد وحزب الدستوري الحر، خاصة وأن الأخير كان من بين الأحزاب التي رفض الرئيس “سعيد” مشاركتها في الحوار الذي دعا إليه بصفته متورطاً ضمن باقي الأحزاب السياسية في تدهور الأوضاع السياسية في البلاد خلال الفترة الأخيرة، وأيضاً رغبة الاتحاد في تبني موقف وسط وغير متطرف فيما يخص معارضة الرئيس “سعيد”، وهو ما اتضح في معارضة الاستفتاء مع السماح لقواعده الشعبية بحرية الاختيار سواء بالمشاركة أو بالمقاطعة، كما أن الاتحاد يرغب في الحفاظ على قناة اتصال مع الحكومة الحالية برئاسة “نجلاء بودن” من أجل تحديد جلسة مفاوضات جديدة بشأن المطالب التي رفعها الاتحاد فيما يخص زيادة رواتب وأجور موظفي المؤسسات الحكومية، ورفض تجميد رواتبهم وفقاً لشروط الصندوق الدولي للنقد لتقديم قرض بقيمة 4 مليارات دولار للحكومة، أضف إلى ذلك أن الاتحاد العام للشغل يدرك مدى ثقله السياسي داخل المجتمع التونسي، كما يدرك ما يطمح إليه الحزب الدستوري من توظيف التنسيق مع الاتحاد لتعزيز موقف الحزب في المشهد السياسي خلال الفترة القادمة.

معارضة متواصلة

خلاصة القول، تكشف مبادرة حزب الدستوري الحر لإجراء حوار وطني بمشاركة الاتحاد التونسي العام للشغل عن طموحات الحزب لتعزيز موقعه في الحياة السياسية الراهنة في مرحلة ما بعد إقرار الدستور الجديد، ومحاولة استمالة اتحاد الشغل وتوظيف ذلك لتحقيق نتائج إيجابية في الانتخابات البرلمانية القادمة. وفي المقابل، من المرجح أن يواصل اتحاد الشغل معارضته الحالية ضد الرئيس “سعيد” ولكن بما يضمن له الاستجابة لمطالبه ذات الأبعاد الاقتصادية والاجتماعية.