مصالح متشابكة:
لماذا زار الرئيس الصومالي تركيا؟

مصالح متشابكة:

لماذا زار الرئيس الصومالي تركيا؟



قام الرئيس الصومالي حسن شيخ محمود بزيارة تركيا في 27 أكتوبر 2023، التقى خلالها بعدد من المسئولين هناك، وفي مقدمتهم الرئيس رجب طيب أردوغان. وأثارت هذه الزيارة تساؤلات عدة بشأن دوافعها، ودلالات توقيتها، ولا سيما مع تحركات الصومال لمواجهة إرهاب حركة “الشباب” التي تصاعد نشاطها بشكل ملحوظ في الآونة الأخيرة، في محاولة لاستعادة سيطرتها الميدانية من خلال مواصلة عملياتها الإرهابية ضد الجيش الصومالي. وأشاد الرئيس التركي بجهود حكومة وشعب الصومال في تحرير وإعادة إعمار بلادهم، مؤكداً أن “تركيا ملتزمة بمساعدة أشقائها في الصومال”.

متغيرات مستجدة

جاءت زيارة الرئيس الصومالي لتركيا في ظل متغيرات محلية وإقليمية كانت لها انعكاساتها على الوضع الصومالي، وعلى التوجهات الخارجية للسياسة التركية، وهو ما يمكن بيانه على النحو التالي:

1- تصاعد التوتر في غزة: تزامن لقاء شيخ محمود وأردوغان مع تصاعد التوتر في قطاع غزة، واستمرار العمليات العسكرية الإسرائيلية في القطاع، وهو ما دفع تركيا إلى السعى لتحشيد بعض الدول لتكثيف الضغوط على إسرائيل. وهنا، يمكن فهم تأكيد الرئيس التركي في تصريحات له بعد لقائه نظيره الصومالي، على أن “هذا اللقاء يعد بمثابة رسالة قادمة من البلدان الإسلامية من أجل دعم الشعب الفلسطيني المظلوم”.

2- تراجع النفوذ الفرنسي في غرب أفريقيا: جاءت زيارة الرئيس الصومالي لتركيا وسط مساعي أنقرة لملء الفراغ الناجم عن تراجع النفوذ الفرنسي في غرب أفريقيا، إذ بات استمرار الاستراتيجية الفرنسية في أفريقيا مصدر انتقاد من جانب المواطنين الأفارقة، وهو ما تسعى تركيا إلى استغلاله لصالحها لتطوير حضورها في القارة السمراء.

وتجدر الإشارة إلى أن تركيا سعت خلال العامين الماضيين إلى تبني خطاب مناهض للقوى الاستعمارية التقليدية في القارة، وخاصة فرنسا، بشكل استراتيجي لصالحها، من خلال تقديم صورة لها كدولة تتمتع بـ”ماضٍ إيجابي في تعاملاتها مع أفريقيا”، على عكس فرنسا. وفي هذا الإطار تمثل الخبرة والحضور التركي في الصومال أحد المداخل المهمة لأنقرة لتعزيز نفوذها على حساب تراجع الدور الفرنسي في أفريقيا.

3- تصاعد النشاط الإرهابي في الصومال: تمكنت حركة “الشباب” الصومالية من السيطرة على جزء من الأراضي الصومالية، وخاصة في منطقة جلجدود. وجاء النشاط الملحوظ للحركة في ظل عدد من المتغيرات التي مثلت بيئة خصبة لها، في الصدارة منها التغيير الحادث في استراتيجية الاتحاد الأفريقي حيال الأوضاع الأمنية في الصومال، حيث أعلنت بعثة الاتحاد الإفريقي الانتقالية في الصومال “أتميس”، في 21 يونيو 2023، بدء سحب قواتها المتمركزة في الصومال تدريجياً، بحيث يتولى الجيش الصومالي في نهاية عام 2024 المسئولية عن فرض الأمن والاستقرار في مقديشيو، ومواجهة حركة “الشباب” المصنفة إرهابية. كما ارتبطت عودة نشاط حركة “الشباب” بتوتر العلاقات بين العشائر والحكومة المركزية بالإضافة إلى عدم فعالية خطط مقديشيو لتجنيد أبناء العشائر ودمجهم في قوات الشرطة.

وتجدر الإشارة إلى أن حركة “الشباب” نفذت خلال الأشهر الماضية عدداً من العمليات النوعية، كان آخرها في 19 أغسطس الماضي، حيث قامت بالهجوم على فندق الحياة وسط العاصمة، ما أدى إلى سقوط 30 قتيلاً وإصابة نحو 117 من بينهم عدد من أفراد القوات الأمنية. وهنا، يمكن فهم توجيه حكومة شيخ محمود في 22 سبتمبر 2023، دعوة لمجلس الأمن الدولي بتأجيل المرحلة الثانية من خطة سحب قوة الاتحاد الأفريقي من الصومال.

4- استمرار التوتر في منطقة القرن الأفريقي: لا يمكن فصل زيارة الرئيس الصومالي لتركيا عن تصاعد حدة التوتر في منطقة القرن الأفريقي التي تمثل أولوية استراتيجية لتركيا، وظهر ذلك في تفاقم الصراع بين مقديشيو وأديس أبابا بسبب محاولات الأخيرة الوصول إلى البحر الأحمر وإيجاد موطئ قد لها، وذلك من خلال بوابة الصومال التي تمتلك واحداً من أطول سواحل القارة الأفريقية على البحر الأحمر.

بيد أن الصومال أعلنت في أكتوبر الجاري رفضها مساعي إثيوبيا للوصول إلى البحر الأحمر أو الانخراط في مفاوضات مع أديس أبابا بشأن إمكانية وصول الأخيرة إلى سواحل البحر الأحمر، وهو ما أثار غضب أثيوبيا التي هددت بتقليص الدعم الخاص بجهود مكافحة حركة “الشباب” في الصومال، وربما إعادة اللاجئين الصوماليين الموجودين لديها، والمقدر عددهم بنحو 100 ألف لاجئ إلى وطنهم.

مساحات تفاهم

خلاصة القول، لقد اكتسبت زيارة الرئيس الصومالي لتركيا ولقائه نظيره التركي أهمية كبيرة، إذ تشير إلى حجم المصالح المتشابكة بين البلدين، وحرص أنقرة ومقديشيو على تعزيز مساحات التفاهمات السياسية والأمنية المشتركة لتأمين سلسلة طويلة ومعقدة من المصالح، في الصدارة منها، سعى الصومال لتثبيت التعاون الأمني مع تركيا في مواجهة حركة “الشباب”، خاصة مع تراجع الدعم الأفريقي للصومال بعد سحب جانب معتبر من القوات العسكرية التابعة للاتحاد الأفريقي من مقديشيو، فضلاً عن أن الدعم الأمريكي للصومال في هذا الإطار لا يكفي، إذ تبدو الصومال في هذا التوقيت بحاجة إلى دعم عسكري إضافي. كما تمثل تركيا أولوية للصومال في عملية إعادة بناء الجيش الصومالي التي بدأتها حكومة شيخ محمود. ولذلك تضمنت زيارة شيخ محمود لأنقرة طلبات مباشرة للحكومة التركية بدعم قدرات الجيش الصومالي، لمواصلة حربه ضد حركة “الشباب”.

بالتوازي مع ذلك، يشكل متغير الطاقة أحد محاور العلاقة بين البلدين، إذ أن ثمة جهوداً تركية مستمرة منذ عام 2020 للاستحواذ على مشاريع الطاقة في الصومال، وظهر ذلك في توقيع عدد من الشركات التركية خلال الأعوام الثلاثة الماضية على اتفاقيات مع الصومال بشأن التنقيب عن النفط في المياه الإقليمية للأخيرة، في محاولة لاستغلال احتياطيات النفط والغاز وآفاق التعدين في الصومال من خلال إنشاء آلية تسمح لكل من الشركات الخاصة والمملوكة للأتراك باستكشاف فرص الطاقة في البلاد، التي تتمتع بموقع استراتيجي في القرن الأفريقي. كما تجدر الإشارة إلى توقيع اتفاقية بين شركتين من الصومال وتركيا في أغسطس الماضي بشأن توليد الكهرباء من النفايات في العاصمة مقديشيو.

نقطة استناد

في المقابل، فإن الصومال تمثل نقطة استناد استراتيجية لتعزيز النفوذ التركي في القارة الأفريقية، خاصة بعد الانسحاب الفرنسي من دول الساحل والصحراء، وتراجع حضورها في عموم القارة الأفريقية. كما تمثل سوقاً واعدة للمنتجات التركية، إذ بلغ معدل التبادل التجاري بين البلدين بنهاية عام 2022 ما يقرب من 300 مليون دولار بالإضافة إلى نمو استثمارات القطاع الخاص التركي في الصومال.

وعلى صعيد متصل، تستهدف أنقرة من تعزيز نفوذها في الصومال تطوير وجودها في القرن الإفريقي لتأمين مصالحها هناك، لا سيما في الدول المشاطئة للبحر الأحمر التي تسعى تركيا إلى تعزيز نفوذها فيها.

ختاماً،يمكن القول إن زيارة الرئيس الصومالي لتركيا تأتي في توقيت لافت للبلدين، إذ تتزامن مع تصاعد ضغوط الجماعات المسلحة على الحكومة الصومالية التي باتت غير قادرة على مواجهة حركة “الشباب” بشكل منفرد، لا سيما بعد خروج قوات “أتميس” الإفريقية من البلاد، الأمر الذي انعكس بشكل لافت على المنظومة الأمنية الصومالية. لذا تراهن مقديشيو على دور تركي لتعويض الحضور الأمني للاتحاد الأفريقي. وفي المقابل، تبدى تركيا حرصاً لافتاً في هذا التوقيت لتعزيز تمركزها في أفريقيا بعد تراجع نفوذ باريس، ولذلك تسعى إلى تأمين قدرات الحليف الصومالي باعتباره بوابة عبور رئيسية لتركيا داخل القارة السمراء.