منطقة اشتعال:
لماذا حذرت الجزائر من امتداد “قوس النار” في الساحل الأفريقي؟ 

منطقة اشتعال:

لماذا حذرت الجزائر من امتداد “قوس النار” في الساحل الأفريقي؟ 



في 14 نوفمبر الجاري، حذر وزير الخارجية الجزائري أحمد عطاف، في اجتماع تشاوري حول مجلس الأمن، عقد في لندن، من أن منطقة الساحل جنوب الصحراء باتت موطناً لأخطر النقاط الساخنة والصراعات المسلحة والأزمات متعددة الأبعاد. وأكد عطاف أن مشاكل هذه المنطقة تمتد في شكل قوس نار، من البحر الأحمر إلى المحيط الأطلسي ومن السودان إلى الصحراء الغربية، وهو ما يثير التساؤلات حول دوافع التحذير الجزائري.

أسباب عديدة

ثمة جملة من العوامل التي تقف خلف تحذيرات الوزير الجزائري من قوس النار في الساحل الأفريقي، من أبرزها:

1- تصاعد حدة الصراعات السياسية في منطقة الساحل، لا سيما بعد عودة القتال والصراع المسلح بين الجيش المالي وحركة أزواد التي تدافع عن إقامة دولة لجماعة الطوارق في شمال مالي، وهو ما يهدد بانهيار اتفاق السلام بين الجانبين،إضافة إلى تنامي نشاط التنظيمات الإرهابية مثل داعش والقاعدة والتي تسعى إلى إقامة إمارات ودويلات “إسلامية” في المنطقة مستغلة حالة الاضطراب الأمني عقب انسحاب القوات الفرنسية من مالي والنيجر بعد مطالبة الحكومات العسكرية الجديدة في هذه الدول بسحبها. 

حيث شهدت المنطقة سلسلة من الانقلابات العسكرية، لعل آخرها إطاحة الجيش النيجري بالرئيس المخلوع محمد بازوم في يوليو الماضي. فيما تمتد حالة عدم الاستقرار من مالي إلى النيجر وحتى تشاد التي لا تزال تمر بفترة انتقالية وصراع مكتوم بين الرئيس الانتقالي محمد ديبي والحركات التشادية المعارضة التي تسعى إلى إسقاطه، ويمتد هذا القوس ليشمل السودان الذي لا يزال يمرّ بحالة من عدم الاستقرار السياسي والأمني جراء الحرب الدائرة بين قوات الجيش السوداني وقوات الدعم السريع، فيما لا تزال منطقة القرن الأفريقي مهددةً باشتعال الحروب الإقليمية، ولا سيما بعد إعلان إثيوبيا عن استراتيجيتها البحرية ومطالبها بحق الوصول إلى الموانئ والبحر الأحمر، ويأتي ذلك في ظل استمرار الحرب بين الحكومة الصومالية وحركة الشباب.

2- تنامي دور الحركات المسلحة والتنظيمات الإرهابية الخطرة، فثمة قلق جزائري من امتداد الأزمات إليها، إذ يمتد قوس الأزمات على حدودها الجنوبية والمشتركة مع دول مثل مالي، حيث تخشى الجزائر من امتداد الصراع بين الجيش المالي وحركة أزواد المرتبطة بالطوارق، والتي تمتد في العديد من دول الساحل الأفريقي ودول الشمال الأفريقي ومن بينها الجزائر، وتخشى الجزائر من انتفاضة الطوارق وظهور حركات مسلحة تطالب بالاستقلال عن الجزائر. وبجانب ذلك، فإن امتداد قوس الأزمات أو “قوس النار”، مثلما حذّر وزير الخارجية الجزائري، في جنوب الجزائر، من الطبيعي أن يشكل تهديداً على الأمن القومي الجزائري، لأنه يسمح بتزايد نشاط التنظيمات الإرهابية في المنطقة الممتدة من البحر الأحمر إلى المحيط الأطلسي، والتي يمكن في ظل الهشاشة الأمنية اختراق الحدود الجزائرية وتعزيز حضورها في جنوب الجزائر أو تنفيذ العمليات الإرهابية في الداخل الجزائري.

3- استثمار العضوية غير الدائمة للجزائر بمجلس الأمن في تعزيز دورها الإقليمي، حيث تأتي تصريحات وزير الخارجية الجزائري في الوقت الذي تستعد فيه الجزائر لتسلم عضويتها غير الدائمة في مجلس الأمن في 2024. ويبدو أن الجزائر ترغب في استثمار عضويتها غير الدائمة في مجلس الأمن في تعزيز دورها الإقليمي، وأن تلعب دوراً أوسع وأكبر في منطقة الساحل الأفريقي، وهي منطقة مصالح حيوية للجزائر، وترغب الجزائر في استقطاب تأييد الحكومات لسياستها الخارجية، ودعم الموقف الجزائري في العديد من الملفات، وخاصة الصراع الجزائري-المغربي والموقف الأفريقي من ملف الصحراء، ناهيك عن الاهتمام الجزائري بتعزيز الروابط الاقتصادية في إطار المنافسة الاقتصادية مع المغرب في المنطقة.

انعكاسات محتملة

من المتوقّع أن تعزز عضوية الجزائر غير الدائمة في مجلس الأمن من تحركاتها في منطقة الساحل الأفريقي، وذلك على النحو التالي:

1- تنامي دور الوساطة الجزائرية في منطقة الساحل، فثمة اهتمام جزائري بتعزيز الحضور السياسي في منطقة الساحل الأفريقي، وقد كشفت الجزائر بشكل واضح عن هذا الدور من خلال رفضها التدخل العسكري في النيجر، وأعلنت عن وساطة دبلوماسية بين النيجر وبعض دول منظمة الإيكواس المؤيدة للتدخل العسكري، وذلك برغم التحديات التي تواجه الدور الجزائري ولا سيما بعد تمسك المجلس العسكري في النيجر بفترة انتقالية أطول مما اقترحتها الجزائر.

لكن الجزائر أثبتت من خلال علاقاتها مع بعض القوى في المنطقة أنها لا تزال تملك بعض الأوراق التي يمكن من خلالها أن تستمر في أن تلعب دوراً هاماً في تحقيق الاستقرار في المنطقة، وقد كان لافتاً أن بعض القوى الغربية مثل الولايات المتحدة قد أعربت عن دعمها للمبادرة الجزائرية، ويبدو هذا الطرح وجيهاً في ظل تصاعد القتال بين الجيش المالي والحركة الأزوادية، فالجزائر لديها اهتمام بالحفاظ على استقرار الأوضاع في شمال مالي، ولدى العديد من القوى الدولية اهتمام بتعزيز الدور الجزائري بعد خروج القوات الفرنسية من المنطقة، وقد نجحت الجزائر في وقت سابق في التوصل إلى اتفاق سلام بين الجيش المالي والطوارق وتعمل على الحفاظ على تنفيذه.

وقد أكّد وزير الخارجية الجزائري في الاجتماع المذكور في كلمته، أن “أولوياتنا (المجموعة الأفريقية) تتمثل في العمل على إحياء اهتمام مجلس الأمن ومشاركته في معالجة الصراعات والأزمات التي تشن في المنطقتين الأفريقية والعربية، في شراكة وثيقة مع الاتحاد الأفريقي وجامعة الدول العربية”، مشيراً إلى أن “تلك هي الروح التي تستعد بها الجزائر للانضمام إلى مجلس الأمن، في غضون شهر ونصف تقريباً، متحمسة تماماً لتقديم نصيبها في المسعى الجماعي للحفاظ على السلم والأمن الدوليين”. وذكر عطاف أن بلاده ستدعو خلال عضويتها التي ستدوم عامين، إلى “التغلب على نهج العمل الروتيني، ومعالجة الأسباب الجذرية للصراعات …”.

2- تعزيز التقارب مع القوى الصديقة في مواجهة القوى المناوئة، فعلى سبيل المثال، لا تزال فرنسا تراقب بقلق التحركات الجزائرية في ظل العلاقات المتوترة بين الجانبين، وقد كشفت أزمة النيجر عقب انقلاب يوليو الماضي عن اختلاف المقاربة الأمنية والسياسية للجزائر عن المقاربة الفرنسية. فبينما سعت فرنسا للتدخل العسكري في النيجر عبر استخدام الأجواء الجزائرية، رفضت الجزائر العرض الفرنسي والتدخل العسكري كحل لأزمة النيجر. وربما يعزز هذا الموقف الجزائري من التقارب مع بعض القوى المنافسة للدور الفرنسي في المنطقة، مثل روسيا وألمانيا وإيطاليا.

وقد لفت الوزير الجزائري إلى أن “تعميق الاختلافات والانقسامات الجيوسياسية، بين الأعضاء الدائمين، قد اقتحم جميع مداولات مجلس الأمن، وأعاق قدرة المجلس على التصرف والرد، وهذا الوضع أحيا مطالبات دولية بإصلاح شامل، قصد مساعدة مجلس الأمن في تجاوز صعوباته الداخلية، وتقديم رد مناسب للتحديات الحالية”. وأكد عطاف: “نعتقد أيضاً أنه ليس لدينا بديل عن مجلس الأمن، وأنه علينا العمل على أن يكون على مستوى التطلعات والآمال التي وضعتها فيه شعوبنا جماعياً”.

3- تعزيز الدعم السياسي لجبهة البوليساريو، من المتوقع أن تعمل الجزائر على تكثيف جهودها لإقناع دول الساحل بالطرح الانفصالي في إقليم الصحراء، وربما التوصل إلى صفقات سياسية مع هذه الدول، مع اتجاه بعض القوى الغربية لدعم الطرح المغربي ومنح المنطقة حكماً ذاتياً، وخاصة مع تواتر التقارير التي تشير إلى توجه فرنسي لدعم مبادرة الحكم الذاتي المغربية وتوسيع الاستثمارات الفرنسية في منطقة الصحراء، في الوقت الذي تتجه فيه الجزائر إلى استعادة علاقاتها مع إسبانيا بعد فترة من التوتر من خلال توقيع اتفاقيات لتصدير الغاز، في محاولة لتحييد الموقف الإسباني من ملف الصحراء. ومن ثم يتوقع أن تتصاعد “الحرب الباردة” بين الجزائر والمغرب حول ملف الصحراء مع اتجاه الجزائر إلى زيادة تحركاتها الدبلوماسية لتغيير موقف الدول الغربية واستغلال تأثيرها في بعض المحافل الدولية مثل مجلس الأمن. 

توظيف متعدد

وفي المجمل، من المتوقع أن تعمل الدبلوماسية الجزائرية على توظيف عضويتها غير الدائمة في تحقيق بعض المكاسب السياسية، لا سيما تعزيز دورها كوسيط في العديد من النزاعات التي تشهدها منطقة الساحل الأفريقي بما يعزز من مصالحها ويحيد من مخاوفها في المنطقة، وخاصة الوساطة الجزائرية بين مجموعة الإيكواس والمجلس العسكري في النيجر، والدور الذي يمكن أن تلعبه الجزائر في احتواء المواجهات المسلحة الدائرة بين الجيش المالي وحركة تحرير أزواد في شمال مالي. علاوة على استمرار الجزائر في تقديم الدعم السياسي لجبهة البوليساريو ودعم أطروحتها الانفصالية في مواجهة التحركات المغربية التي نجحت في استقطاب مواقف العديد من القوى الإقليمية والدولية لدعم مبادرة الحكم الذاتي في الصحراء.