تغيير تكتيكي:
لماذا تُهدد واشنطن بالتصعيد في الملف النووي مع طهران؟

تغيير تكتيكي:

لماذا تُهدد واشنطن بالتصعيد في الملف النووي مع طهران؟



يمكن تفسير التصعيد الملحوظ في الموقف الأمريكي تجاه الملف النووي الإيراني في ضوء اعتبارات عديدة يتمثل أبرزها في استغلال إيران للحرب الإسرائيلية في قطاع غزة من أجل رفع مستوى أنشطتها النووية، وتخفيض مستوى التعاون الإيراني مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية، وتصاعد دور الاتجاه الأكثر تشدداً في تيار المحافظين الأصوليين داخل البرلمان الإيراني، وتعرض الإدارة الأمريكية لضغوط سياسية داخلية بسبب سياستها تجاه إيران.

موقع “عصر إيران”: الولايات المتحدة تطالب إيران بالتعاون الكامل مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية

فبعد فترة من التهدئة بين الولايات المتحدة الأمريكية وإيران حول الاتفاق النووي، بدا لافتاً أن الأولى بدأت في الاتجاه نحو ممارسة ضغوط أقوى ضد الثانية، حيث هددت، في 7 مارس الجاري، بالسعي لاستصدار قرار جديد ضد إيران في الوكالة الدولية للطاقة الذرية إذا لم تتعاون بشكل كافٍ مع الأخيرة، خاصة فيما يتعلق بالإجابة عن بعض الأسئلة الخاصة بالعثور على جزيئات يورانيوم في منشأتي توركوز أباد ورامين، بعد أن تم إغلاق الملف الخاص بمنشأة مريوان.

وفي الواقع، فإن ذلك يعني أن إدارة الرئيس الأمريكي جو بايدن تسعى في الفترة الحالية إلى إجراء تغيير تكتيكي في سياستها إزاء الملف النووي، بعد أن كانت تتعمد التغاضي عن الانتهاكات الإيرانية المستمرة للاتفاق، في إطار تخفيض التزاماتها فيه، في ظل منحها الأولوية لملفات أخرى مثل الانتخابات الرئاسية الأمريكية التي سوف تُجرى في 5 نوفمبر المقبل، فضلاً عن الحرب الحالية التي تشنها إسرائيل في قطاع غزة والتي تسعى واشنطن إلى عدم توسيع نطاقها من خلال دفع إيران إلى عدم المشاركة فيها، والإيعاز لحلفائها بضبط مستوى مواجهاتهم مع إسرائيل في سياقها.

دوافع عديدة

يُمكن تفسير هذا التوجه الأمريكي الجديد في ضوء دوافع عديدة يتمثل أبرزها في:

1- استغلال إيران للحرب لرفع مستوى أنشطتها النووية: استغلت إيران انشغال الولايات المتحدة الأمريكية بالحرب التي تشنها إسرائيل في قطاع غزة، منذ 7 أكتوبر الماضي، لتطوير برنامجها النووي بشكل كبير. فوفقاً للتقرير الأخير الذي أصدرته الوكالة الدولية للطاقة الذرية، في 26 فبراير الفائت، فإن كمية اليورانيوم التي أنتجتها إيران بنسب مختلفة وصلت إلى 5525.5 كلجم، على نحو يمثل 27 ضعف ما هو منصوص عليه في الاتفاق النووي (202.8 كلجم). وبلغت كمية اليورانيوم المخصب بنسبة 60% نحو 121.5 كلجم، في حين وصلت كمية اليورانيوم المخصب بنسبة 20%، إلى 712.2 كلجم. ويعني ذلك أن إيران ما زالت مصرة على استغلال “الثغرات” التي يتضمنها الاتفاق النووي، والتي مكنتها من رفع مستوى أنشطتها النووية وفي الوقت نفسه الحصول على بعض مزايا هذا الاتفاق، على غرار رفع الحظر الأممي عن الأنشطة المرتبطة ببرنامج الصواريخ الباليستية الذي تمتلكه في 18 أكتوبر 2023.

2- تعمد طهران خفض مستوى التعاون مع الوكالة الذرية: توازى رفع مستوى الأنشطة النووية الإيرانية مع اتجاه إيران إلى اتخاذ خطوات لتخفيض مستوى التعاون مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية. فقد أثارت التصريحات التي أدلى بها رئيس منظمة الطاقة الذرية الإيرانية علي أكبر صالحي، في 11 فبراير الفائت، وألمح فيها إلى أن إيران تستطيع في ظل قدراتها الحالية أن تصل إلى مرحلة إنتاج القنبلة النووية في ظل امتلاكها كل المكونات اللازمة لذلك، مع غياب القرار السياسي في هذا الشأن؛ قلق المدير العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية رفاييل جروسي، الذي طالب السلطات الإيرانية بالسماح له بإجراء زيارة إلى طهران، في مارس الجاري، للتباحث مع كبار المسؤولين بشأن التعاون بين الطرفين. إلا أن طهران ردت بالرفض على هذا الاقتراح، وقدمت بدلاً منه اقتراحاً آخر بتوجيه دعوة لجروسي إلى زياتها في مايو المقبل لحضور المؤتمر الأول للطاقة النووية الذي سوف تنظمه إيران في هذا الشهر.

وقبل ذلك، تعمدت إيران، في 27 سبتمبر 2023، اتخاذ إجراءات تصعيدية ضد 8 من مفتشي الوكالة الدولية للطاقة الذرية، الذي يحملون الجنسيتين الألمانية والفرنسية، حيث قامت بسحب التصاريح الخاصة بهم، وذلك رداً على المواقف التي تتخذها كل من ألمانيا وفرنسا وبريطانيا والولايات المتحدة في الوكالة الدولية للطاقة الذرية والتي توجه خلالها انتقادات قوية للإجراءات الإيرانية.

3- تزايد القلق من التركيبة الجديدة للبرلمان الإيراني: يبدو أن التركيبة الجديدة لمجلس الشورى الإسلامي التي أسفرت عنها الانتخابات التي أُجريت في أول مارس الجاري، أثارت قلقاً خاصاً لدى الدول الأوروبية، في ظل السياسة الأكثر تشدداً التي يتبناها عدد من أبرز النواب الذين حققوا نتائج متقدمة في الانتخابات، على غرار محمود نبويان الذي جاء في المركز الأول في العاصمة طهران، ويتبع نهجاً رافضاً للمفاوضات النووية والتعاون بين إيران والوكالة الدولية للطاقة الذرية، ويرى أن الاستجابة لمزيد من المطالب التي تطرحها الوكالة معناه تعريض “الإنجازات” التي حققتها إيران في البرنامج النووي للخطر، في ظل الرواية التي يعتمدها النظام باستمرار وتقوم على أن عدداً من مفتشي الوكالة على صلة قوية بأجهزة الاستخبارات الأمريكية والإسرائيلية، ويقومون بتمرير المعلومات التي يحصلون عليها خلال عمليات التفتيش إليها.

وربما يسعى هذا الجناح الأكثر تشدداً داخل المجلس إلى ممارسة ضغوط أكبر من أجل المضيّ قدماً في تطوير البرنامج النووي والاستمرار في تخفيض مستوى التزامات إيران في الاتفاق النووي. وهنا، فإن ذلك يمكن أن يتوافق مع حسابات إيران أياً كانت النتائج التي سوف تنتهي إليها انتخابات الرئاسة الأمريكية. ففي حالة فوز الرئيس الحالي جو بايدن بفترة رئاسية جديدة، تكون إيران قد عززت موقعها التفاوضي عبر تطوير البرنامج النووي، وبالتالي تستطيع الانخراط في مفاوضات جديدة مع الإدارة الأمريكية من موقع أكثر قوة تستطيع من خلاله الحصول على امتيازات محددة وتقديم أقل قدر من التنازلات المحتملة.

وفي حالة فوز الرئيس السابق دونالد ترامب، تكون إيران بذلك قد امتلكت ورقة ضغط قوية في مواجهة السياسة المتشددة التي يتوقع أن يتبناها ترامب، ويسعى من خلالها إلى دفع إيران نحو تغيير سياساتها في بعض الملفات التي تحظى بأهمية خاصة من جانب واشنطن.

4- تعرض إدارة بايدن لضغوط سياسية داخلية: ربما تسعى الإدارة الأمريكية عبر هذا التصعيد الجديد في الملف النووي الإيراني إلى استيعاب الضغوط السياسية التي تتعرض لها في الداخل، خاصةً مع اقتراب موعد الانتخابات الرئاسية في 5 نوفمبر المقبل. إذ بدأ الرئيس السابق دونالد ترامب في منح أهمية خاصة للملفات الخارجية في سياق انتقاداته المستمرة ضد الرئيس جو بايدن، وفي مقدمتها الملف الإيراني، حيث يرى أن السياسة التي تتبعها الإدارة الحالية لم تفلح في كبح جماح إيران على المستويين الإقليمي والنووي. وبدأت اتجاهات عديدة في واشنطن في الإشارة إلى أن إصرار إيران على تطوير برنامجها النووي لهذا المستوى يعود في المقام الأول إلى أنها تبدو مطمئنة إلى حدود الخيارات التي يمكن أن تلجأ إليها الإدارة الحالية في التعامل مع ذلك، خاصة مع دخول الولايات المتحدة الأمريكية عام الانتخابات.

ملفات مترابطة

رغم هذا التصعيد الملحوظ في الموقف الأمريكي تجاه الملف النووي الإيراني، إلا أنه لا يبدو أن الولايات المتحدة الأمريكية سوف تتجه إلى اتخاذ خطوة كبيرة على غرار الدعوة إلى نقل الملف النووي الإيراني من الوكالة الدولية للطاقة الذرية إلى مجلس الأمن. إذ إن ذلك من شأنه إرباك حسابات الإدارة الأمريكية، سواء فيما يتعلق بالاستعداد للانتخابات، أو ما يتصل باحتمال أن يفرض ذلك انعكاسات على الصراع الذي تتصاعد حدته تدريجياً في منطقة الشرق الأوسط، فضلاً عن أن هذه الخطوة ليس من المضمون أن تدفع إيران إلى إجراء تغيير في سياستها باتجاه استيعاب الضغوط والمطالب الغربية، بل إنها قد تتجه إلى تبني مواقف أكثر تشدداً قد لا تقتصر على برنامجها النووي وإنما ربما تمتد إلى تدخلاتها في أزمات المنطقة.