منصّة فاعلة:
لماذا تكثّف تركيا تحركاتها لتصبح مركزاً لتصدير الغاز الطبيعي لأوروبا؟

منصّة فاعلة:

لماذا تكثّف تركيا تحركاتها لتصبح مركزاً لتصدير الغاز الطبيعي لأوروبا؟



تعقد تركيا قمة عالمية للغاز الطبيعي في فبراير 2023 تستهدف منها تسريع مسعاها لتصبح مركزاً لتصدير الغاز لأوروبا، وهو ما يحمل العديد من الدوافع، فبخلاف الاعتبارات التقليدية الرامية لتعزيز شعبية النظام مع قرب الانتخابات ومواجهة تهديدات أمن الطاقة، تسعى أنقرة لمنافسة بعض جيرانها الأوروبيين الذين يطمحون في أن يصبحوا مركزاً لتجميع وتصدير الغاز لأوروبا، إضافة إلى استحداث منصة فاعلة لربط مصالح الدول المصدرة والمستوردة للغاز مع تحييد الخلافات السياسية، ومحاولة جذب استثمارات شركات الطاقة العالمية للسوق التركية، الأمر الذي تراه أنه قد يؤهلها لأن تصبح لاعباً فاعلاً في سوق الطاقة العالمية التي تزداد أهميتها بسبب التقلبات المتسارعة التي يشهدها، وفي الوقت نفسه يزيد من مرونتها للتعايش والتكيف مع تلك التقلبات.

أعلن وزير الطاقة والموارد الطبيعية التركي “فاتح دونماز”، في 30 يناير 2023 (أثناء قمة “قرن تركيا للطاقة”)، عن استضافة إسطنبول قمة بعنوان “تأمين المستقبل معاً” خلال يومي 14 و15 فبراير 2023، تجمع الدول الموردة للغاز الطبيعي من الشرق الأوسط ومنطقة البحر المتوسط وبحر قزوين وآسيا الوسطى مع الدول المستهلكة في أوروبا، وذلك بهدف مناقشة إنشاء مركز للغاز على الأراضي التركية لتزويد أوروبا بالغاز الطبيعي، إضافة إلى مناقشة موضوعات أخرى على رأسها بحث آثار التطورات العالمية على قطاع الطاقة، والتغيرات في العرض والطلب والتسعير، وأمن الطاقة العالمي. ولفت “دونماز” إلى أنه من المقرر أن يشارك في القمة وزراء طاقة وممثلون رفيعو المستوى من المؤسسات العامة والقطاع الخاص ومنظمات الطاقة الدولية.

وتأتي القمة التي ستستضيفها تركيا في إطار محاولات تفعيل مقترح الرئيس الروسي “فلاديمير بوتين”، في 12 أكتوبر 2022، بشأن توريد الغاز الطبيعي الروسي إلى أوروبا من خلال إنشاء أكبر مركز إمداد للغاز لأوروبا على الأراضي التركية. وفي هذا السياق، لفت وزير الطاقة التركي، في 18 نوفمبر 2022، إلى أنّ بلاده تتوقع بدء العمل في تنفيذ مشروع منصة توزيع الغاز الذي اقترحته موسكو اعتباراً من بداية عام 2023، وأن أنقرة تجري سلسلة من المفاوضات مع موردي الغاز المحتملين لضمان أمن الطاقة في أوروبا وتوازن السوق من خلال ذلك المركز.

دوافع التحرك

تعمدت تركيا تسريع تحركاتها لإنشاء منصة لتصدير الغاز الطبيعي لأوروبا لعدد من الاعتبارات الاقتصادية، تمثل أهمها في التالي:

1- مواجهة المنافسة الإقليمية لشغل مركز تصدير الغاز لأوروبا: يعكس تحرك أنقرة في هذا التوقيت سعيها لمنافسة تحركات بعض الدول الأوروبية الساعية لأن تصبح مركزاً لنقل وتجارة الغاز الطبيعي بين القارة الأوروبية ودول حوض البحر المتوسط، أبرزها إيطاليا التي قامت رئيسة وزرائها “جورجا ميلوني” في يناير 2023 بزيارة كل من الجزائر وليبيا لزيادة إمدادات الغاز منهما، وهو ما أبرزه التالي:

الاتفاق مع ليبيا على تطوير حقلي غاز بحريين لإنتاج ما يصل إلى 800 مليون متر مكعب من الغاز يومياً اعتباراً من 2026 (انظر الخريطة رقم 1).

توقيع اتفاق مع الجزائر يتم بمقتضاه إعادة إحياء مشروع مد أنبوب غاز “جالسي” (انظر خريطة رقم 2) لتصدير الغاز الجزائري لإيطاليا بجانب خط الغاز “ترانسميد”، علماً بأن الخط الجديد تم اقتراحه في 2003 وكان المقرر البدء في تنفيذه بدءاً من عام 2012.

وفقاً لمصادر إيطالية تعتزم روما رفع وارداتها من الغاز إلى نحو 70 مليار متر مكعب سنوياً بحلول عام 2025، لتصبح مركزاً للطاقة في أوروبا، مع توقع أن تكون ألمانيا والنمسا والمجر وبولندا أبرز وجهات توريد الغاز النهائية عبر إيطاليا، ويؤكد ذلك الطرح ما أكده “ستيفانو فينيير” الرئيس التنفيذي لشركة “سنام” الإيطالية (شركة للشبكات والبنية الأساسية للغاز الطبيعي) في يناير 2023، من خلال عرضه استراتيجية الشركة للخمس سنوات المقبلة، والتي كشفت الرغبة في تطوير بنية تحتية إضافية لنقل الغاز لتمكين تدفقات الواردات من شمال إفريقيا وحوض بحر قزوين للمساعدة في جعل إيطاليا ممراً استراتيجياً لتلبية احتياجات الطاقة الأوروبية.

في السياق ذاته، تمتلك إسبانيا قدرات كبيرة في مجال الغاز الطبيعي رجحت أن تسهم في حل أزمة الغاز الطبيعي في أوروبا خلال السنوات المقبلة، على رأسها إعادة تحويل الغاز المسال لهيئته الطبيعية وضخه للدول الأوروبية، حيث يشكل ذلك المجال في إسبانيا 25% من إجمالي قدرات الدول الأوروبية بذات الشأن، علماً بأن إسبانيا أكبر دولة تملك محطات إسالة (6 محطات من أصل 20 محطة أوروبية)، بما يجعلها مركزاً مهماً لإعادة تصدير الغاز الطبيعي لباقي الدول الأوروبية، وذلك في ضوء قدرات تخزينها للغاز الطبيعي التي تقدر بنحو 30% من إجمالي قدرات التخزين في أوروبا، وبالتالي قد تكون التكلفة السياسية لنقل وتصدير الغاز عبر إسبانيا وإيطاليا أقل مقارنة بتركيا، نظراً لكونهما عضوين في الاتحاد محل ثقة، بما يوفر ميزة تنافسية لهما لا تتمتع بها تركيا.

في هذا الإطار، يأتي التحرك التركي لمنافسة التحركات الأوروبية، وتطمح أنقرة في أن يوفر لها توريد الغاز الروسي بالإضافة لغاز دول أخرى (مثل سلطنة عُمان) ميزة تنافسية من حيث حجم مخزونها منه، والذي يمكن أن تقوم بتصديره لأوروبا، مع الوضع في الاعتبار بعض التحديات التي تواجه إسبانيا، وهي ارتفاع تكلفة تصديرها للغاز الذي ستخزنه لأوروبا نتيجة صعوبة تصديره عبر خطوط الأنابيب، نظراً لوجود خطي أنابيب فقط لنقل الغاز يربطان إسبانيا بفرنسا ومنه للشبكة الأوروبية بسعة 7 مليارات متر مكعب سنوياً، وهي سعة محدودة لا تُلبي الطلب المتزايد في أوروبا على غرار خطوط الأنابيب الممتدة من روسيا (على سبيل المثال تقدر الطاقة السنوية لخط “نورد ستريم-1” بنحو 55 مليار متر مكعب من الغاز الطبيعي)، وبالتالي ستضطر مدريد لتصديره في صورته المسالة عبر البحر، مع الأخذ في الاعتبار أنه ليس كل الدول الأوروبية لديها محطات إسالة.

2- استحداث منصة لربط مصالح الدول المصدرة والمستوردة للغاز: تستهدف أنقرةمن عقد قمة الغاز في فبراير المقبل مواكبة استضافة العديد من دول الشرق الأوسط مؤتمرات عالمية للطاقة مؤخراً، أخذاً في الاعتبار أن غالبية المؤتمرات التي عُقدت ركزت على الطاقة المتجددة واستخداماتها، وبالتالي ترى أنقرة أنه يمكن من خلال طرح رؤيتها بشأن استحداث مركز عالمي لاستيراد وتوريد الغاز الطبيعي بين الأقاليم المختلفة إضافة بعد جديد في صناعة الطاقة، خاصة وأن ذلك سيرتبط ببعض الملفات التي تهدد استدامة أمن الطاقة، وعلى رأسها وضع آلية لتسعير الغاز الطبيعي، وتحييد أي إعاقة لضخ إمدادات الطاقة بناء على هوية المُصدر أو المستورد، وهي الإشكالية التي قد تواجه تجارة الغاز الطبيعي في المستقبل.

لا يُستبعد أن تكون القمة التركية للغاز المقبلة، في حالة نجاحها، تمهيداً لإقامتها بشكل دوري بهدف تحييد التوترات السياسية عن صناعة الطاقة العالمية، والوقوف على مستجدات التدابير التركية لتيسير تصدير الغاز من دول الجنوب للدول المتقدمة، وبما يجعل أنقرة لاعباً فاعلاً على خريطة الطاقة العالمية، وفي الوقت نفسه تطمح أنقرة لأن تنافس تلك القمة بعض الفعاليات الحالية، مثل: منتدى غاز شرق المتوسط، ومنتدى الدول المصدرة للغاز الطبيعي، حيث ستوفر القمة التركية مجالات أرحب للنقاش بين الدول المصدرة والمنتجة في كافة المعطيات المتعلقة بمخاطر إمدادات الطاقة، وصولاً إلى توقيع اتفاقات ملزمة لضمان استدامة الطاقة عبر تصدير المعرفة والتكنولوجيا وضخ الاستثمارات من الشمال للجنوب، ويقابل ذلك توريد الطاقة بكافة أنواعها للدول التي تعاني عجزاً في الطاقة ومنها تركيا.

3- جذب استثمارات شركات الطاقة العالمية للسوق التركية: تسعى أنقرة للاستفادة من التوجه العالمي الجديد لزيادة الاعتماد على الطاقة الأحفورية والغاز تحديداً، وذلك على عكس التوجه الذي سبق الحرب الروسية-الأوكرانية الذي يقضي بتقليص الاعتماد على ذلك النوع من الطاقة، حيث كان من المفترض خفض الاستثمارات في قطاع النفط والغاز خلال العقود المقبلة وفق سيناريو “صفر انبعاثات” (انظر الشكل رقم 1)، أو على أقل تقدير الحفاظ على حجم استثمارات ثابت بالرغم من زيادة عدد السكان والأنشطة الاقتصادية حول العالم، وتعويض ذلك عبر الطاقة الخضراء.

وفق الشكل السابق، بلغ حجم استثمارات إنتاج النفط والغاز في 2018 نحو 490 مليار دولار، لتصل إلى نحو 356 مليار دولار في 2021، ولكن لتحقيق سيناريو “صفر انبعاثات” من المفترض أن يبلغ حجم الاستثمارات في النفط والغاز خلال الفترة 2022/ 2030 نحو 366 مليار دولار، وهو الأمر الصعب حدوثه، ولكن في الواقع كشفت تقديرات شركة أبحاث الطاقة “ريستاد إنرجي” أن أكبر 20 شركة لإنتاج النفط والغاز حول العالم ستستثمر نحو 932 مليار دولار حتى عام 2030 لتطوير حقول جديدة في النفط والغاز، منها نحو 405 مليارات دولار في قطاع الغاز فقط (انظر شكل رقم 2)، وبالتالي تطمح أنقرة في الحصول على جزء من تلك الاستثمارات، وفي نفس الوقت جذب شركات الطاقة للاستكشاف والتنقيب عن موارد الغاز المكتشفة حديثاً في سواحلها، والتي تحتاج تكنولوجيا متقدمة لتحقيق أقصى استفادة من احتياطات حقولها.

تدفع تركيا نحو جذب الاستثمارات في قطاع الطاقة، وذلك من خلال إعطاء بعض المزايا على رأسها الإعفاء من دفع ضريبة القيمة المضافة، والإعفاء من الرسوم الجمركية، وإعطاء خصم ضريبي 40%، إضافة إلى تسهيلات على أسعار الفائدة (بحد أقصى 700 ألف ليرة تركية)، الأمر الذي يبرز أهمية ذلك القطاع لتركيا، ورغبتها في جذب الاستثمارات الأجنبية لتعزيز دوره في اقتصادها، وبالتالي تنصيب تركيا نفسها منصة لنقل وتصدير الغاز لأوروبا سيجعلها قبلة جاذبة لتلك الاستثمارات، مع الأخذ في الاعتبار أن الاستثمارات الأجنبية المباشرة في قطاع الطاقة التركي شكلت 10.6% من إجمالي تلك الاستثمارات البالغة 240 مليار دولار خلال الفترة 2003/2021، وهو ثالث أكبر قطاع جاذب للاستثمار الأجنبي المباشر بعد قطاع الخدمات المالية (31.6%) والصناعة (24.2%)، وذلك وفق مكتب الاستثمار التابع للرئاسة التركية (انظر شكل رقم 3).

تحديات متأصلة

في الختام، تعكس تحركات تركيا لتصبح لاعباً فاعلاً في سوق الطاقة العالمية رغبتها في الارتقاء بدورها ليصبح دوراً مركزياً عابراً للأقاليم في ظل وجود فرص متاحة تمكنها من تحقيق ذلك الهدف، وبما يمنحها مسارات حركة أوسع في المستقبل تجاه الشمال والجنوب، وتباعاً تحقيق توازن في علاقاتها الخارجية بدون الانتقاص من مصالحها المتشعبة، نظراً لتقاطع مصالح أنقرة مع كتلتين إحداهما تصدر الطاقة والأخرى تستوردها، ولكن في الوقت نفسه ترتطم تلك التوجهات بعدم قبول دور لتركيا في ذلك القطاع الحيوي، في ضوء إرث متراكم من العداء التركي تجاه العديد من دول الشرق الأوسط والدول الأوروبية، كما أنه من الصعوبة بمكان جمع روسيا وإيران بالدول المستهلكة في قمة واحدة، بما يجعل تلك القمة بمثابة فعالية ترويجية لا تحقق الهدف المستهدف منها.