تثبيت الهيمنة:
لماذا تصاعد التوتر مجدداً بين بغداد وأربيل؟

تثبيت الهيمنة:

لماذا تصاعد التوتر مجدداً بين بغداد وأربيل؟



بدأت الحكومة العراقية خلال الفترة الحالية في منح أولوية خاصة لضبط الأوضاع المرتبطة بقطاع الطاقة في إقليم كردستان، وذلك على خلفية حكم المحكمة الاتحادية العليا، الذي صدر في 15 فبراير الماضي، وقضى بعدم دستورية قانون النفط والغاز لحكومة إقليم كردستان، الصادر عام 2007، وإلغائه لمخالفته أحكام مواد دستورية. وقد تزامن تصاعد حدة التوتر مجدداً بين الحكومة المركزية والإقليم مع مستجدات سياسية غير مسبوقة، في الصدارة منها استمرار الأزمة السياسية بسبب عدم قدرة الكتل الفائزة في الانتخابات التي أُجريت في 10 أكتوبر الماضي على تشكيل الحكومة، فضلاً عن تنامي الخلافات بين الحزبين الكرديين الرئيسيين في كردستان (الحزب الديمقراطي الكردستاني بزعامة مسعود بارزاني، والاتحاد الوطني الكردستاني برئاسة بافل طالباني) حول منصب رئيس الجمهورية، وهو ما أدى إلى إضعاف الجبهة الكردية حيال الملفات العالقة مع حكومة بغداد.

مؤشرات كاشفة

انعكس تجدد التوتر بين إقليم كردستان والحكومة العراقيةفي مؤشرات رئيسية،يتمثل أبرزها في:

1- تأسيس بغداد شركة للنفط في الإقليم: أعلنت وزارة النفط العراقية، في 21 مايو الجاري، أن الحكومة الاتحادية تهدف إلى تأسيس شركة جديدة للنفط في إقليم كردستان، منوط بها الدخول في عقود خدمة جديدة مع شركات النفط العاملة في الإقليم. وتأتي هذه الخطوة في سياق محاولات الحكومة الإمساك بمفاصل قطاع الطاقة في الإقليم. ويشار في هذا السياق إلى أن الحكومة طلبت مؤخراً من شركات النفط والغاز العاملة في إقليم كردستان توقيع عقود جديدة مع شركة التسويق المملوكة للدولة “سومو” بدلاً من حكومة الإقليم، كما عينت وزارة النفط العراقية شركة المحاماة الدولية “كليري غوتليب ستين آند هاملتون” للتواصل مع شركات النفط والغاز العاملة في الإقليم لبدء مناقشات بحيث تتوافق عملياتها مع القانون العراقي المعمول به.

2- شن حملات اتهامات متبادلة: شنت الحكومة الاتحادية والإقليم حملات متبادلة في الفترة الأخيرة، فبينما اتهمت وزارة النفط ممثلة في شركة نفط الشمال إدارة الإقليم، في 14 مايو الجاري، بالاستحواذ على آبار نفطية في محافظة كركوك، التي تمثل أحد محاور النزاع بين الطرفين؛ أكدت الأخيرة -في بيان لها- أن الاتهامات الموجهة لها هي بمثابة حملة سياسية ضد الإقليم، وليس لها سند قانوني، ولا تهدف إلا لإحداث حالة من الفوضى ضد حقوق الشعب الكردي، وحرمانه من الاستفادة من مقدراته النفطية.

3- مطالبة الأمم المتحدة بالتدخل: قدمت حكومة إقليم كردستان، في 20 مايو الجاري، طلباً لمجلس الأمن من أجل إرسال مبعوث أممي لتنظيم العلاقة بين الإقليم والحكومة الاتحادية، وتسوية الخلافات العالقة بين الطرفين. ويشار في هذا الصدد إلى أن موافقة مجلس الأمن على الانخراط في جهود تسوية الأزمة بين الإقليم وحكومة بغداد لا تنفصل عن وصول العلاقة بين الطرفين إلى أدنى مراحلها، ولا سيما في ملف الطاقة، إثر حكم المحكمة الاتحادية العليا الصادر في منتصف فبراير الماضي. ومع تفاقم الأزمة، دعا الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو جوتيريش، في 22 مايو الجاري، إلى ضرورة إجراء حوار منظم ومستمر بين الحكومة الفيدرالية وحكومة إقليم كوردستان، والخروج باتفاق مستمر يستند إلى الدستور حول المشاكل العالقة، ومنها مشكلة توزيع مصادر الطاقة.

4- تفاقم الخلافات في سنجار: بالتوازي مع اتساع نطاق الخلافات بين بغداد وحكومة إقليم كردستان حيال ملف الحقول النفطية، تتفاقم الأزمة بين الطرفين بشأن قضاء سنجار، حيث زادت مساحات التوتر بعد توغل قيادة العمليات المشتركة للجيش العراقي، في 2 مايو الجاري، في سنجار لملاحقة مسلحين موالين لحزب العمال الكردستاني، وهو ما أدى إلى نزوح الآلاف باتجاه محافظة دهوك التابعة للإقليم. وقد دفعت هذه الخلافات الممثلة الأممية في العراق جينين بلاسخارت، في 17 مايو الجاري، إلى دعوة الطرفين لتنفيذ اتفاق “تطبيع الأوضاع” في قضاء سنجار الذي تم توقيعه في 9 أكتوبر 2020، ويهدف إلى إخراج الجماعات المسلحة من سنجار تمهيداً لعودة نازحيها.

5- استمرار أزمة المنافذ الحدودية: تُعد إدارة المنافذ الحدودية من أكثر الإشكاليات الضاغطة على طبيعة العلاقة بين الحكومة الاتحادية وإقليم كردستان، خاصة وأن عوائد تلك المنافذ تمثل مورداً مهماً. وقد تفاقمت أزمة المنافذ الحدودية، في بداية أبريل الماضي، بعد أن تعرضت الحكومة الاتحادية لانتقادات من جانب بعض القوى السياسية التي اتهمتها بعدم السيطرة على المنافذ الحدودية في الدولة، وإدارة الموارد العامة التي يتم الحصول عليها من خلال تلك المنافذ. بل إن بعض تلك القوى أشار إلى أنها تتبنى سياسة انتقائية في هذا الصدد.

6- عودة الجدل حول الملفات المتنازع عليها: أشارت كلمة رئيس حكومة الإقليم مسرور بارزاني، التي ألقاها على هامش مشاركته في مناقشة أجراها معهد تشاتام هاوس (Chatham House) بلندن، في 20 أبريل الماضي، إلى أن تطبيق نظام الكونفدرالية في العراق سيمنح المكونات في العراق قوة أكثر. كما جددت هذه الكلمة الجدل داخل العراق حول الملفات المتنازع عليها بين الحكومة الاتحادية والإقليم، والتي يبدو أنها مرشحة للتطور والتفاقم خلال المرحلة المقبلة، خاصة أن ثمة أسباباً سياسية وأخرى اجتماعية يمكن أن تساهم في ذلك، على غرار عمليات التغيير الديمغرافي المتعددة، وامتناع المليشيات المسلحة عن الانسحاب من المناطق التي سبق أن دخلتها في إطار الحرب ضد تنظيم “داعش”، فضلاً عن تصاعد حدة الانقسامات السياسية على الساحة العراقية والتي تنخرط فيها القوى السياسية الكردية بشكل مباشر.

مرحلة جديدة

في الختام، يمكن القول إنه من الواضح أن اهتمام الحكومة العراقية بتعزيز سيطرتها على موارد الطاقة في إقليم كردستان، يأتي في وقت يسعى فيه الإقليم إلى تكريس سيادته، وشرعنة حضوره السياسي محلياً ودولياً، من دون النظر إلى طبيعة التوجهات السياسية للحكومة الاتحادية. لذلك قد تشهد العلاقة بين الحكومة في بغداد وحكومة الإقليم في أربيل، مزيداً من التوتر خلال المرحلة القادمة، خاصة مع تصاعد حدة التجاذبات السياسية بين القوى السياسية العراقية، فضلاً عن تباين تحالفات الأحزاب الكردية نفسها مع هذه القوى. لكن هذا التوتر قد يتراجع في حالة ما إذا تمكن الطرفان من تحديد أفق مناسب لوضع حلول نهائية للخلافات العالقة بينهما، وإبداء مرونة متبادلة تجاه الملفات الخلافية، وفي مقدمتها إعادة النظر في القوانين التي وضعها الدستور لتنظيم العلاقة بينهما.