تأمين النفوذ:
لماذا تصاعدت عمليات “داعش” لاستهداف “لواء القدس” بسوريا؟

تأمين النفوذ:

لماذا تصاعدت عمليات “داعش” لاستهداف “لواء القدس” بسوريا؟



تشهد منطقة البادية السورية تصاعد العمليات المنسوبة لمجموعات تنظيم “داعش”، وتحديداً لاستهداف عناصر ما يسمى بـ”لواء القدس” – الموالي للنظام السوري ويتمركز بشكل رئيسي في البادية – إذ تعرض لثلاث هجمات مميتة، أسفرت عن مقتل نحو 9 من عناصره. ورغم أن الهجمات الأخيرة لاستهداف عناصر “لواء القدس” ليست الأولى المنسوبة لـ”داعش”، إذ إن هذه المليشيا تقع في دائرة الاستهداف من قبل عناصر التنظيم، إلا أن اللافت هو التصاعد في عدد العمليات المنسوبة لـ”داعش”، حيث أن الهجمات الثلاث جاءت موزعة على ثلاثة أيام (4 و5 و6) أبريل الجاري، وفقاً للمرصد السوري لحقوق الإنسان.

ملامح رئيسية

تمثل منطقة البادية السورية قاعدة انطلاق ومقراً لعمليات تنظيم “داعش” منذ الهزيمة في معركة الباغوز قبل أربعة أعوام، وبالتالي فإن المنطقة التي تقع في وسط سوريا وتتشكل من حدود محافظات دير الزور وحمص وحماة والرقة وحلب والسويداء، إضافة إلى ريف دمشق، تُعد منطقة تمركز رئيسية لمجموعات “داعش”، سواء على مستوى الدعم اللوجيستي والبحث عن مصادر تمويل، أو على صعيد التخطيط للنشاط العملياتي باتجاه مناطق شمال شرقي سوريا.

وتشير إحصائيات مشروع “مكافحة التطرف” Counter Extremism Project، إلى أن إجمالي العمليات المنسوبة لمجموعات “داعش” في وسط سوريا، التي تشمل منطقة البادية، يبلغ نحو 35 هجوماً خلال شهر مارس الفائت، بثلاث محافظات هى حمص وحماة ودير الزور، مع تسجيل 9 قتلى من العناصر الداعمة للنظام السوري، وجرح 62 من العناصر المسلحة والمدنيين.

ووفقاً لتقديرات “مكافحة التطرف”، فإن عدد العمليات المسجلة في مارس الفائت يمثل أعلى معدل للعمليات المرتبطة بتنظيم “داعش” بوسط سوريا منذ سبتمبر 2021، والأعلى منذ مطلع عام 2023، كما يوضح المخطط التالي:

Source: Counter Extremism Project

دوافع مختلفة

يمكن تفسير تصاعد العمليات المنسوبة لمجموعات تنظيم “داعش” في منطقة البادية السورية، ضد عناصر مليشيا “لواء القدس” خلال الفترة الأخيرة، في ضوء الدوافع التالية:

1- مواجهة حملات التمشيط الأمنية الموسعة: يمثل تصاعد عمليات مجموعات تنظيم “داعش” ضد عناصر مليشيا “لواء القدس”، محاولة للرد على حملات التمشيط والعمليات العسكرية التي تشارك فيها المليشيا بجانب قوات الجيش السوري في المنطقة البادية، عقب شن عمليات منسوبة لمجموعات “داعش” خلال الشهرين الماضيين، في حين لم يُعلن التنظيم عن تنفيذ عمليات في نطاق البادية السورية ضد قوات الجيش السوري أو المليشيات الموالية للنظام السوري.

ويركز التنظيم على مليشيا “لواء القدس” نظراً لاضطلاعها بأدوار بارزة في مواجهته، وتحديداً باتجاه تدمر والسخنة بالريف الشرقي لمحافظة حمص، بالتعاون مع مليشيا “الدفاع الوطني”، وفقاً لتقارير إعلامية محلية، التي أشارت إلى انطلاق عملية تمشيط بالمنطقتين اللتين تشهدان نشاطاً لمجموعات التنظيم منذ أواخر شهر مارس الفائت.

2- تعزيز الوضع الحالي للتنظيم في المنطقة: ترتبط العمليات المنسوبة لمجموعات “داعش” لاستهداف “لواء القدس”، بنمط دفاعي بالأساس، وهذا يتضح من أن أغلب الهجمات كانت ضد القوات المشاركة في عمليات التمشيط، دون الاتجاه إلى استهداف مقرات أو ثكنات أو تجمعات كبيرة لعناصر هذه المليشيا، بما يعني أن تصاعد الهجمات ليس لتوسيع النفوذ بقدر تأمين الوضع الحالي للتنظيم بالبادية.

وفي فترات سابقة، لجأت مجموعات “داعش” لاستهداف مقرات تابعة لـ”لواء القدس”، إذ أشارت تقارير إعلامية محلية إلى مقتل نحو 14 عنصراً من المليشيا وإصابة آخرين، في هجوم على مركز تابع لها، في منطقة تدمر شرقي محافظة حمص، وذلك في سبتمبر 2022. ولكن في المقابل، فإن العمليات الأخيرة المنسوبة لـ”داعش” استهدفت دوريات المليشيا في مناطق نفوذ التنظيم.

ويسعى التنظيم إلى تحقيق هذا الهدف تحديداً، باعتبار أن النطاق الجغرافي لمناطق استهداف عناصر “لواء القدس” يأتي في مناطق استراتيجية للتنظيم في بادية السخنة وبادية تدمر، وتنطلق منهما العمليات الإرهابية باتجاه شمالي شرقي سوريا، وإلى عمق البادية، إذ يرغب التنظيم في مواجهة أي تحركات باتجاه مناطق نفوذه من خلال تصعيد المواجهات.

ولم تكن العمليات المنسوبة لـ”داعش” تقتصر على عناصر “لواء القدس”، ولكن امتدت لتشمل قوات النظام السوري، التي تشارك في عمليات التمشيط بريف حمص الشرقي، إذ أسفر هجوم على قوات الجيش السوري، في 8 أبريل الجاري، عن مقتل 6 عناصر، خلال عملية تمشيط أمني في بادية السخنة.

3- احتمالات انسحاب فصائل إيرانية إلى البادية: من المرجح أن مجموعات “داعش” اتجهت إلى تصعيد الهجمات والعمليات في منطقة البادية، وتحديداً لاستهداف تحركات “لواء القدس”،لمواجهة أي احتمالات لانسحاب بعض عناصر مليشيات إيرانية من مناطق تمركزاتها في محافظة دير الزور، وتحديداً غرب الفرات باتجاه منطقة البادية، وفقاً لما أشار إليه المرصد السوري لحقوق الإنسان.

ورغم أن المعلومات التي أوردها المرصد لا تتعلق بنشاط تنظيم “داعش”، بقدر ما ترتبط بتحولات ميدانية، وتسليم مناطق معينة بمحافظة دير الزور للجيش السوري، خاصة أن المليشيات الإيرانية استغلت الانشغال الروسي بالحرب الأوكرانية، واتجهت لتعزيز نفوذها في سوريا؛ إلا أن من شأن هذه التحركات – حال ثبوت مصداقيتها – أن تمثل تهديداً لنفوذ التنظيم في منطقة البادية، بصورة تدفعه لتصعيد الهجمات ضد أي تحركات لتمشيط هذه المنطقة.

4- تراجع الضربات الجوية الروسية ضد “داعش”: على مدار ما يزيد على عام منذ انخراط روسيا في الحرب الأوكرانية، تراجع الاهتمام والتركيز الروسي على الساحة السورية، وتحديداً على المستوى الميداني العملياتي، إذ تقلصت الدوريات العسكرية الروسية المشتركة مع القوات التركية بمناطق خفض التصعيد، إضافة إلى تراجع الضربات الجوية على مناطق تخضع لسيطرة فصائل مسلحة تُصنف بـ”المعارضة” للنظام السوري.

كما تراجعت بصورة ملحوظة الضربات الجوية الروسية ضد مناطق يُعتقد أنها ملاجئ لتنظيم “داعش”. ورغم أن القوات الجوية الروسية استأنفت الضربات خلال الفترة الماضية، إلا أنها ظلت في حدود متفاوتة، لم تمنع عمليات التنظيم في منطقة البادية خلال الأسابيع القليلة الماضية.

وربما أتاح تراجع الضربات الجوية الروسية في منطقة البادية ضد مجموعات “داعش”، فرصة للتنظيم لإعادة التموضع وتنشيط المجموعات والخلايا، في ضوء تراجع الضغوط عليه منذ تفشي جائحة كورونا، وصولاً إلى الحرب الأوكرانية.

حدود القدرات

على الرغم من أن التنظيم لم يُعلن رسمياً عن أي من العمليات المنسوبة لمجموعاته في منطقة البادية السورية، وهو نهج التنظيم خلال السنوات القليلة الماضية، مقابل التركيز على الإعلان عن عملياته في مناطق شمال شرقي سوريا التي تقع تحت سيطرة مليشيا “قوات سوريا الديمقراطية”؛ إلا أن تصاعد العمليات في منطقة البادية بشكل عام وتركيز الاستهداف على “لواء القدس”، يمكن أن يُفهم في سياق تنشيط مجموعاته وتوجيه النشاط العملياتي باتجاه منطقة البادية خلال الفترة الماضية.

ويتضح أن ثمة تراجعاً في النشاط العملياتي لـ”داعش” بمناطق شمال شرقي سوريا خلال شهري فبراير ومارس الماضيين، وفقاً لما أشارت إليه بيانات وكالة “أعماق” التابعة للتنظيم، على وقع عمليات التحالف الدولي لمواجهة “داعش” بقيادة الولايات المتحدة، ومشاركة “قوات سوريا الديمقراطية”.

وهنا، فإن التنظيم يسعى للتكيف مع المتغيرات الميدانية، بتوجيه النشاط العملياتي بين منطقتي البادية، وشمال شرقي سوريا، وفقاً لحدود قدرته على تحمل الضربات الأمنية والملاحقات في سياق جهود مكافحة الإرهاب، على الجانبين، في ظل عدم التنسيق بينهما لمواجهة “داعش”.

ووفقاً لما تُظهره مؤشرات النشاط العملياتي منذ مطلع شهر أبريل الجاري، فإن ثمة تزايداً في معدل النشاط بمناطق شمال شرقي سوريا، مقارنة بشهري يناير وفبراير الماضيين، تزامناً مع نشاط عملياتي خلال شهر أبريل أيضاً بمنطقة البادية، ولكن يبقى أن الفترة القادمة سوف تكشف حدود قدرات مجموعات “داعش” على تصعيد النشاط العملياتي على جبهتين.