تغيير الزوايا:
لماذا تزايد استهداف وكلاء إيران لإسرائيل؟

تغيير الزوايا:

لماذا تزايد استهداف وكلاء إيران لإسرائيل؟



تسعى إيران والمليشيات الشيعية الموالية لها في الشرق الأوسط إلى تحقيق أهداف عديدة عبر رفع مستوى استهدافها لإسرائيل، يتمثل أبرزها في الرد على الضربات التي تشنها الأخيرة داخل سوريا، وتقليص الضغوط العسكرية والسياسية التي يتعرض لها حزب الله اللبناني، واستباق الجولة الإقليمية التي يقوم بها وزير الخارجية الأمريكي بلينكن والتي تتضمن النقاش حول مشروع سلام إقليمي، وتقليص أهمية وتأثير الضربات العسكرية الأمريكية.

وكالة أنباء “إرنا”: وزير الخارجية الأمريكي يزور السعودية ومصر

إذ بدأت المليشيات الشيعية الموالية لإيران في كل من العراق وسوريا واليمن في رفع مستوى استهدافها لإسرائيل نفسها، وليس مصالحها فقط، في تغيير واضح للنهج الذي كانت تتبعه تلك المليشيات خلال المرحلة الماضية. إذ كانت مليشيا الحوثيين تركز على استهداف السفن المارة في باب المندب والقطع العسكرية الأمريكية والبريطانية، في سياق المواجهة الحالية التي تتصاعد حدتها منذ بداية الهجمات الحوثية في البحر الأحمر في 1 نوفمبر الماضي وما تبعها من ضربات عسكرية أمريكية وبريطانية بداية من 12 يناير الماضي.

في حين ركزت المليشيات العراقية على استهداف القواعد الأمريكية في كل من العراق وسوريا، ووصلت ضرباتها للمصالح الأمريكية إلى ذروتها عندما شنت هجوماً بواسطة طائرة من دون طيار على قاعدة أمريكية في شمال شرق الأردن “البرج تي 22” في 28 يناير الماضي، على نحو دفع الولايات المتحدة الأمريكية إلى الرد بتوجيه ضربات عسكرية قوية استهدفت مواقع وقيادات بارزة لتلك المليشيات، ولا سيما “كتائب حزب الله العراقي”.

صحيفة “انتخاب”: وزير الخارجية الأمريكي وصل للسعودية لمناقشة التطورات في غزة

لكنّ اللافت في هذا السياق، أن هذه المليشيات بدأت، خلال الأسبوع الأخير، في توجيه ضربات متتالية إلى أراضي إسرائيل نفسها. صحيح أنها وجهت قبل ذلك ضربات إلى مواقع إسرائيل، لكنها لم تكن بهذه الكثافة والتزامن في الوقت نفسه. فقد أطلقت مليشيا الحوثيين، في 19 مارس الجاري، صاروخاً باليستياً موجهاً بعيد المدى سقط في منطقة مفتوحة قرب ميناء إيلات، دون أن يتم رصده واعتراضه أو إطلاق صفارات الإنذار قبل وصوله إلى هدفه.

وقبل ذلك بيوم واحد، أعلن ما يُسمى “المقاومة الإسلامية في العراق” شن ضربات بواسطة طائرات من دون طيار ضد قاعدة للطيران المسير الإسرائيلي في هضبة الجولان. كما استهدفت الجهة نفسها مطار بن جوريون بطائرات من دون طيار في 20 مارس الجاري. وكررت الهجوم، في 21 من الشهر نفسه، والذي أعلنت أنه استهدف هذه المرة محطة توليد الكهرباء في تل أبيب.

دوافع عديدة

يمكن تفسير اتجاه المليشيات الشيعية الموالية لإيران إلى تكثيف ضربات ضد إسرائيل في ضوء دوافع عديدة يتمثل أبرزها في:

1- الرد على الضربات الإسرائيلية ضد إيران: تسعى تلك المليشيات إلى رفع كلفة العمليات العسكرية التي تشنها إسرائيل داخل سوريا وتحاول من خلالها تقليص الوجود العسكري لإيران، لا سيما على مستويات قيادات الحرس الثوري. ويبدو أنها تعمل في هذا الصدد على تنفيذ تكتيك جديد تتبناه إيران ويقوم على محاولة ردع إسرائيل لدفعها إلى وقف عملياتها ضد قياداتها العسكرية داخل سوريا. وقد انعكس ذلك بشكل مباشر في التصريحات التي أدلى بها وزير الدفاع الإيراني محمد رضا آشتياني خلال استقباله نظيره السوري علي محمود عباس في طهران، في 16 مارس الجاري، وقال فيها: “من المهم ردع هجمات إسرائيل في سوريا”، مشيراً إلى أن “هناك خططاً وإجراءات يجري تنفيذها”، وهو ما لا يمكن فصله عن تلك الهجمات التي تواصل المليشيات الموالية لها توجيهها باتجاه إسرائيل.

2- تقليص الضغوط على حزب الله: توازت الضربات المتتالية التي توجهها المليشيات الموالية لإيران إلى إسرائيل مع تصاعد حدة الهجمات التي تشنها الأخيرة ضد مواقع حزب الله في جنوب لبنان. إذ تسعى تل أبيب إلى ممارسة ضغوط قوية على الحزب تتوازى مع ضغوط سياسية يتعرض لها من جانب قوى دولية عديدة، مثل فرنسا والولايات المتحدة الأمريكية، للانتقال إلى شمال نهر الليطاني. لكنّ هناك اتجاهاً آخر يرى أن ذلك لا يمثل الهدف النهائي الذي تسعى إسرائيل إلى تحقيقه، بل إنها تعمل -وفقاً لذلك- على تهيئة المجال لها للانخراط في حرب مباشرة مع الحزب، في مرحلة ما بعد انتهاء الحرب في قطاع غزة.

وهنا، فإن هذه المليشيات، بإيعاز من إيران، تسعى عبر تلك الضربات التي تشنها ضد إسرائيل، إلى توجيه رسالة مباشرة للأخيرة مفادها أن الحرب مع حزب الله لن تسير على المنوال نفسه الذي سارت عليه الحرب مع حركة حماس، في ظل الفارق الواضح في الأهمية الاستراتيجية التي يحظى بها الحزب وحماس بالنسبة لإيران ووكلائها. وبمعنى آخر، فإن تلك المليشيات تحاول أن تؤكد أن لديها القدرة على رفع مستوى انخراطها في الحرب ضد إسرائيل في حالة ما إذا أقدمت على فتح جبهة جديدة مع حزب الله في جنوب لبنان.

3- استباق جولة بلينكن في المنطقة: استبقت المليشيات الموالية لإيران الجولة الجديدة التي يقوم بها وزير الخارجية الأمريكي أنتوني بلينكن إلى المنطقة، وتشمل كلاً من السعودية ومصر (ويحتمل إسرائيل أيضاً)، بداية من 21 مارس الجاري، حيث عقد لقاء مع ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان، وعقد في القاهرة اجتماعاً مع وزراء خارجية مصر والسعودية وقطر والأردن ووزيرة الدولة الإماراتية لشؤون التعاون الدولي وأمين سر اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية، لإجراء مناقشات حول خطة سلام إقليمي تتضمن بنوداً عديدة تشمل إنهاء الحرب الإسرائيلية الحالية في قطاع غزة، وإطلاق مسار يؤدي إلى تأسيس دولة فلسطينية، مع اتخاذ خطوات أكبر على مسار التطبيع بين إسرائيل والدول العربية، لا سيما السعودية.

هنا، فإن إيران تبدي قلقاً واضحاً إزاء هذه التحركات لاعتبارين: أولهما، أن ذلك من شأنه التطرق إلى صياغة ترتيبات أمنية جديدة في المنطقة، وهي الترتيبات التي تعتبر أنها الطرف المستهدف الأول منها، رغم تحفظ العديد من الدول العربية إزاء المقاربات التي طرحت بشأنها في مراحل سابقة.

وثانيهما، أن من شأن ذلك مواصلة مسار التطبيع بين إسرائيل والسعودية، والذي اعتبرت اتجاهات عديدة في طهران أنه تعرض للتأجيل كأحد ارتدادات الحرب التي شنتها إسرائيل في قطاع غزة في 7 أكتوبر الماضي، وهو المسار الذي تعتبر إيران أيضاً أنها الطرف المستهدف منه.

ولذا، ربما لا يمكن استبعاد أن تكون الهجمات التي تشنها المليشيات الشيعية الموالية لها ضد إسرائيل مقدمة لخطوات تصعيدية أكبر للرد على تلك التحركات الأمريكية، التي تعتبر أن أحد أهدافها يتمثل في تعزيز فرص فوز الرئيس الأمريكي الحالي جو بايدن في الانتخابات الرئاسية التي سوف تُجرى في 5 نوفمبر القادم، على أساس أنه الرئيس الذي نجح في الوصول إلى اتفاق سلام إقليمي في المنطقة.

4- تقليص أهمية الضربات الأمريكية: لا تنفصل الهجمات المكثفة التي تشنها تلك المليشيات ضد إسرائيل عن المواجهات التي انخرطت وما زالت تنخرط فيها مع الولايات المتحدة الأمريكية. إذ إنها تسعى إلى تأكيد أن الضربات العسكرية التي تعرضت لها من جانب الولايات المتحدة الأمريكية لم تنجح حتى الآن في تقليص قدراتها العسكرية، وهو ما يبدو واضحاً في الحالة الحوثية على سبيل المثال، حيث تسعى المليشيا إلى تأكيد أن لديها من الترسانة العسكرية ما يمكن أن يصل إلى إسرائيل رغم المواجهات المستمرة مع الولايات المتحدة الأمريكية منذ 12 يناير وحتى الآن.

وربما يكون ذلك، في جزء منه، محاولة لممارسة ضغوط على إدارة الرئيس الأمريكي جو بايدن لدفعها إلى تغيير النهج الذي تتبعه حالياً، خاصة أنها تتعرض بالفعل لانتقادات داخلية قوية بسبب عدم نجاح الضربات العسكرية التي تشنها في وقف هجمات الحوثيين في البحر الأحمر.

تحول تكتيكي

في ضوء ذلك، يمكن القول في النهاية إن هذه الهجمات التي تشنها المليشيات الموالية لإيران تعكس تحولاً تكتيكياً في تعامل إيران ووكلائها مع التطورات التي تشهدها المنطقة، دون أن يكون لذلك تأثير الاستراتيجية الأساسية التي تتبعها إيران وتقوم في الأساس على عدم التورط بشكل مباشر في الحرب ضد إسرائيل، والاستعداد مسبقاً لمرحلة جديدة من التوتر والتصعيد في حالة فوز الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب في الانتخابات الرئاسية القادمة.