حسابات سياسية:
لماذا تثير قضية الانتخابات خلافات داخلية في المنطقة العربية؟

حسابات سياسية:

لماذا تثير قضية الانتخابات خلافات داخلية في المنطقة العربية؟



مثّلت قضية الانتخابات في بعض الدول العربية مدخلاً رئيسياً لتصاعد حدة الخلافات الداخلية بين القوى السياسية، وهى الخلافات التي ارتبطت بسياقات الصراعات التي تشهدها هذه الدول، مثل سوريا وليبيا. إذ جعلت هذه السياقات من الانتخابات أداة لتحديد مستقبل الدولة، وإضفاء الشرعية على بعض القوى دون الأخرى. علاوة على ذلك، فقد استصحبت قضية الانتخابات جدلاً حول القوانين المنظمة للعملية الانتخابية برمتها، حتى أن بعض الاحتجاجات التي اندلعت في بعض دول المنطقة في السنوات الأخيرة، على غرار العراق، كانت ترفع مطالب تغيير قانون الانتخابات كواحد من مطالبها الرئيسية، وتتعاطى معه كشرط ضروري للإصلاح السياسي.

ملفان مأزومان

ارتبطت الخلافات حول عملية الانتخابات في الدول العربية بملفين رئيسيين هما:

1- نزاهة الانتخابات: وهو الجدل الذي ظهر في بعض الدول مثل سوريا والصومال. ففي 26 مايو الماضي، جرت في سوريا انتخابات رئاسية انتهت بفوز بشار الأسد بحوالي 95,5% من الأصوات. وقوبلت الانتخابات بانتقادات من قبل العديد من الأطراف، حيث وصفتها المعارضة السورية بـ”الهزلية”، وشهدت المناطق خارج سيطرة النظام عدداً من المظاهرات، على غرار محافظة درعا، الرافضة للانتخابات، وأصدرت اللجان المركزية والفعاليات الثورية والعشائرية في درعا، في 23 مايو الماضي، بياناً يدعو إلى مقاطعتها.

وتكررت هذه الإشكالية في الحالة الصومالية، حيث أثارت محاولات الرئيس محمد عبد الله (فرماجو) التمديد لسلطته لمدة عامين، بعد انتهاء ولايته الرئاسية في فبراير الماضي، أزمة داخلية كبيرة كادت أن تعصف بالأوضاع داخل الصومال حتى تراجع عن محاولاته في ظل الضغوط الداخلية والخارجية التي تعرض لها. وبالرغم من ذلك، فقد ظلت هناك شكوك حول مدى نزاهة إجراء الانتخابات في الصومال، ولعل هذا ما كشفت عنه انتخابات مجلس الشيوخ الأخيرة، التي جرت في أغسطس الفائت، إذ كشفت بعض التقارير عن حدوث خروقات وفساد في العملية الانتخابية، حتى أن رئيس اللجنة الوطنية للانتخابات المستقلة محمد حسن عرو، ذكر في 16 أغسطس الفائت، إنه “من غير المقبول أن يصبح أعضاء اللجنة المنظمة للانتخابات النيابية (مقاعد مجلس الشيوخ والشعب) مجرد حكام يصفقون لفساد رؤساء الولايات الفيدرالية، خصوصاً في عملية تعيين الناخبين وإجراء انتخابات أعضاء البرلمان بغرفتيه”.

2- القوانين المنظمة: تعرّض قانون انتخاب رئيس الدولة في ليبيا، والذي أقر مجلس النواب صيغة توافقية بشأنه في 17 أغسطس الفائت، ليكون بالاقتراع المباشر من قبل المواطنين، لخلافات سياسية حادة بين عديد من الأطراف. وبحسب بعض التقارير، فقد أبدت بعض القوى السياسية اعتراضات عديدة على القانون، خاصة في غرب ليبيا، لاسيما أنه يسمح لشخصيات ذات صفة عسكرية بالترشح للرئاسة. فضلاً على ذلك، فإن بعض القوى السياسية، وفي مقدمتها جماعة الإخوان، طرحت مقترحات حول إمكانية انتخاب الرئيس بشكل غير مباشر من قبل أعضاء البرلمان الجديد.

كما تظهر مثل هذه الخلافات في الحالة اللبنانية، وخاصة مع الجدل المثار حول المقترح الذي قدمته كتلة “التنمية والتحرير” التي يرأسها رئيس مجلس النواب نبيه بري، وينص على اعتماد النظام النسبي خارج القيد الطائفي لانتخاب أعضاء مجلس النواب بالتوازي مع إنشاء مجلس للشيوخ من 46 عضواً ينتخبون وفقاً للنظام النسبي لولاية مدتها 6 سنوات، على أساس طائفي مناصفة بين المسلمين والمسيحيين.

مُحفِّزات رئيسية

تتداخل في مشهد الانتخابات في بعض دول المنطقة طبيعة الأزمات وديناميات الصراعات الداخلية التي تشهدها هذه الدول، وخاصة أن بعضها لا يزال في مرحلة إعادة بناء الدولة بعد سنوات طويلة من الاقتتال الداخلي، ومن ثم، تستحضر قضية الانتخابات حسابات سياسية معقدة من قبل القوى السياسية المختلفة، لأنها تنظر للانتخابات كأداة لصياغة شكل الدولة ومؤسساتها وتوازنات القوة والنفوذ. وفي هذا السياق، فإن الخلافات المتصاعدة حول الانتخابات ترتهن بعدد من المُحفِّزات الرئيسية المتمثلة فيما يلي:

1- الضغط على السلطة الحاكمة: لجأت بعض القوى السياسية إلى استخدام قضية الانتخابات كورقة للضغط على السلطة الحاكمة، وربما كان النموذج الأهم على ذلك رجل الدين الشيعي زعيم التيار الصدري مقتدى الصدر. فحينما أعلن الصدر، في 15 يوليو الماضي، عدم المشاركة في الانتخابات التشريعية العراقية المقرر إجراؤها في أكتوبر القادم، برر ذلك القرار بالمشكلات التي تواجه إدارة الدولة من قبل السلطة، وخاصة أن الإعلان جاء بالتزامن مع كارثة حريق مستشفى الحسين الخاص بمرضى فيروس “كورونا” المستجد في مدينة الناصرية. وأشار الصدر في الخطاب إلى أنه “برىء ممن يدّعون الانتماء إلى تياره في الحكومتين الحالية والمقبلة”، وطالب بخضوع الجميع للمحاسبة.

صحيح أن الصدر تراجع عن هذا القرار، في 27 أغسطس الفائت، إلا أنه مازال حريصاً على استخدام الانتخابات كورقة للضغط على السلطة، ولتعزيز حضوره في المشهد السياسي، وقد دلل ذلك ما جاء في خطابه حول التراجع عن قراره بمقاطعة الانتخابات، إذ أكد أنه “سيشارك في الانتخابات من أجل إنقاذ العراق من الفساد”، وأضاف أنه “تسلم ورقة إصلاح موقعة من عدد من الزعماء السياسيين”، وأن الورقة “جاءت وفق تطلعاتنا وتطلعات الشعب الإصلاحية، لذلك فإن العودة للمشروع الانتخابي المليوني الإصلاحي باتت أمراً مقبولاً… وأن الورقة الإصلاحية تلك يجب أن تكون ميثاقاً وعقداً معهوداً بين الكتل والشعب بسقف زمني معين بدون مشاركة الفاسدين وذوي المصالح الخارجية وعشاق التبعية والتسلط والفساد”.

2-البحث عن الشرعية السياسية: تقاطعت قضية الشرعية مع الخلافات القائمة بالمنطقة حول الانتخابات. فالنظام السوري استخدم الانتخابات كآلية للتأكيد على شرعيته في مواجهة القوى المعارضة له، علاوة على التكريس لحضوره في المعادلة السياسية وتوجيه رسالة لحلفائه الخارجيين، روسيا وإيران، بأنه لا يزل الرقم الأهم في الدولة، وهو ما يعني عدم إمكانية استبعاده من المشهد.

3- التخوف من فقدان النفوذ: ترتبط إثارة الخلافات حول الانتخابات، في جانب كبير منها، بتخوف بعض الفاعلين من فقدان نفوذهم لصالح قوى آخرى. ولعل هذا يفسر، ولو بشكل جزئي، أسباب رفض جماعة الإخوان في ليبيا لقانون الانتخابات الرئاسية، فغالبية قيادات الجماعة أعلنت رفضها للقانون، ومنهم على سبيل المثال، عبد الرزاق العرادي، الذي هاجم القانون في سلسلة من التغريدات على موقع “تويتر” في 17 أغسطس الفائت، وقال في تغريدة: “بكل بساطة.. على أى سند من الإعلان الدستوري أصدر مجلس النواب قانون انتخاب الرئيس؟”، وأضاف في تغريدة أخرى: “وإن كان قانون انتخاب الرئيس استند على تعديل دستوري صدر في الفترة ما بين 4 أغسطس 2014 و17 ديسمبر 2015 فهو والعدم سواء، لأن مجلس النواب منعدم بأحكام المحكمة العليا وهو عبارة عن سلطة أمر واقع مثله مثل المؤتمر الوطني العام ولا وجود دستوري لهما”. ومن دون شك، لا يمكن إغفال أن هذا الموقف ناتج عن التخوف من تأثير قانون الانتخابات على الفرص السياسية المتاحة للجماعة.

4- الحفاظ على التوازنات الطائفية: وهو المتغير الحاضر في الجدل الدائر في لبنان حول المقترح المقدم من قبل كتلة “التنمية والحرية” بشأن اعتماد نظام التمثيل النسبي خارج القيد الطائفي لانتخاب أعضاء مجلس النواب. إذ اكتسب الجدل حول المقترح بعداً طائفياً واضحاً، ففيما يدعم الثنائي الشيعي- “حزب الله” و”حركة أمل”- المقترح، أعلنت القوى المسيحية الرئيسية، وعلى وجه التحديد “التيار الوطني الحر” و”القوات اللبنانية”، رفضها للمقترح، وتبرر القوى المسيحية هذا الرفض بأن التوقيت غير مناسب لهذا الطرح، لاسيما أن هناك مشكلات عديدة، اقتصادية وسياسية، يواجهها لبنان ويجب أن تكون لها الأولوية في الوقت الراهن.

واعتبرت القوى الرافضة للمقترح أن تغيير النظام الطائفي لا يمكن التوصل إليه عبر هذا المسار، حتى أن وسائل الإعلام اللبنانية تناقلت، في أول سبتمبر الجاري، تصريحات آلان عون عضو تكتل “لبنان القوي”، المعبر بصورة رئيسية عن “التيار الوطني الحر” في المجلس النيابي، والتي أكد خلالها أن “إلغاء الطائفية وفقاً لمقترح كتلة التنمية والحرية لا يمكن طرحه إلا بعد وضع خطة مرحلية تؤدي الى خطوات عديدة توصل الى هذا الهدف. لا نستطيع أن نتعاطى مع الدولة المدنية بجزئية، نختار منها فقط قانون الانتخابات ونعدله ونترك كل الباقي في الدولة من ممارسة ومن محاصصة ومن أداء طائفي بامتياز”.

5- احتواء العزلة الإقليمية والدولية: تكتسب الانتخابات أهميتها بالنسبة للنظام السوري من كونها متزامنة مع تراجع العزلة الإقليمية التي كانت مفروضة على النظام منذ اندلاع الصراع السوري عام 2011، فضلاً عن تغير بعض المواقف الدولية، حيث تبنت بعض القوى الغربية سياسة أكثر مرونة تجاه بقاء النظام. فعلى سبيل المثال، ذكر الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون في أكثر من مناسبة أن “رحيل الأسد لم يعد أولوية بالنسبة لفرنسا”، كما أشار المبعوث الأمريكي السابق إلى سوريا جيمس جيفري، في 13 ديسمبر 2020، إلى أن “الولايات المتحدة تقبل بوجود بشار الأسد إذا غير سياسته”، وأبدى قبول واشنطن التعامل مع النظام في سوريا في ظل الوجود الروسي، ولكن ليس في ظل الوجود الإيراني.

إن ما سبق في مجمله يوحي بأن الانتخابات سوف تبقى محوراً مهماً في التفاعلات التي تجري داخل العديد من دول المنطقة، لاسيما في ظل اتساع نطاق التباينات بين القوى الرئيسية الموجودة على الساحة، وتأثرها، في بعض الأحيان، بالصراعات التي تتصاعد حدتها تدريجياً على الساحة الإقليمية.