تعزيز الحصار:
لماذا تتخوف إيران من تجديد نزاع قره باغ؟ 

تعزيز الحصار:

لماذا تتخوف إيران من تجديد نزاع قره باغ؟ 



يعود تزايد قلق إيران من تكريس سيطرة أذربيجان على إقليم ناجورني قره باغ إلى اعتبارات عديدة يتمثل أبرزها في تحذيرات اتجاهات عديدة في إيران من مخاطر إحكام الحصار حولها، وتعزيز موقع إسرائيل في مواجهتها، وتبني سياسة تفجير الأزمات، والتخوف من تأثير ذلك على التماسك المجتمعي في إيران نفسها.

وكالة أنباء “تسنيم”: التوصل إلى اتفاق لوقف إطلاق النار في قره باغ

تبدي إيران قلقاً واضحاً إزاء التطورات التي طرأت على صعيد أزمة إقليم ناجورني قره باغ الذي تتنازع عليه كل من أذربيجان وأرمينيا. ورغم أن هذا القلق لا يبدو جديداً، في ظل تحفظ إيران الواضح إزاء النفوذ الذي باتت تحظى به أذربيجان، فإن ذلك لا ينفي أن ثمة متغيرات جديدة زادت من حدة هذا القلق، وربما تدفع إيران مستقبلاً إلى التفكير في خيارات أخرى للتعامل مع المعطيات الجديدة التي يفرضها استمرار سيطرة أذربيجان على الإقليم، رغم أنها تدعي علانية تأييدها لاعتبار قره باغ جزءاً من أراضي أذربيجان.

فقد بدأت أذربيجان، في 19 سبتمبر الجاري، عملية عسكرية في الإقليم تحت شعار مكافحة الإرهاب، على نحو أدى إلى مقتل 27 شخصاً وإصابة 200 آخرين. وقد انتهت العملية بإعلان ما يسمى بـ”القوات الانفصالية” إلقاء السلاح، ووقف إطلاق النار، وإجراء محادثات للاندماج في أذربيجان.

تداعيات عديدة

ترى إيران أن تكريس سيطرة أذربيجان على إقليم ناجورني قره باغ في هذا التوقيت يمكن أن ينتج التداعيات التالية:

 1- إحكام الحصار على إيران: لا تستبعد اتجاهات عديدة في إيران أن يكون أحد أهداف تكريس سيطرة أذربيجان على الإقليم هو قطع الطريق بين إيران وأرمينيا، وهو ما لا تفصله عن الترتيبات الاقتصادية الجديدة التي يجري العمل على صياغتها في المنطقة خلال المرحلة الحالية، وكان آخر مؤشراتها التوقيع على مذكرة تفاهم بين الولايات المتحدة الأمريكية والسعودية والإمارات والهند والاتحاد الأوروبي على هامش قمة مجموعة العشرين في الهند، في 9 سبتمبر الجاري، من أجل تأسيس الممر الدولي لتنمية التبادل التجاري والاقتصاد الرقمي من خلال تفعيل مسارات للسكك الحديدية وربط للموانئ مع خطوط لنقل الطاقة النظيفة وكابلات لنقل البيانات. 

إذ ترى هذه الاتجاهات أن التوازي بين الطرفين قد لا يكون مصادفة، باعتبار أن الهدف في الحالتين واحد، وهو تهميش موقع إيران الاستراتيجي ومنعها من التحول إلى بؤرة تلاقي الممرات الاستراتيجية العالمية حسب الطموحات التي أعلنت عنها في المرحلة الماضية.

2 تعزيز موقع إسرائيل بالقرب من الحدود: لا تخفي إيران مخاوفها من أن تكريس سيطرة أذربيجان على الإقليم معناه تعزيز موقع إسرائيل بالقرب من الحدود مع إيران، في إطار التصعيد الحالي بين إيران وإسرائيل على اكتساب أرضيات جديدة بالقرب من حدود بعضهما بعضاً. وكان وزير الخارجية الإسرائيلي إيلي كوهين قد عبر عن هذه المقاربة خلال افتتاحه مقر البعثة الدبلوماسية الإسرائيلية في تركمانستان، في 20 أبريل الماضي، عندما قال: “أتيت لأفتتح سفارة إسرائيلية على بعد 17 كم من الحدود مع إيران”. 

ومن دون شك، فإن إسرائيل تعمل من خلال ذلك على موازنة التمدد الإيراني بالقرب من حدودها عبر تكريس وجودها في سوريا، وتقديم مزيد من الدعم لحلفائها من المليشيات الشيعية مثل حزب الله في لبنان الذي ادعى وزير الدفاع الإسرائيلي يوآف غالانت، في 11 سبتمبر الجاري، أنه يعمل على إنشاء قاعدة عسكرية إيرانية على بعد 20 كم من الحدود مع إسرائيل.

3 استغلال الانشغال الروسي في أوكرانيا: نجحت أذربيجان في قراءة المعطيات الجديدة التي فرضتها التطورات الأخيرة التي طرأت على الساحة الدولية، وخاصة فيما يتعلق بانشغال روسيا في إدارة عملياتها العسكرية في أوكرانيا وتقليص حدة الضغوط التي تفرضها العقوبات الغربية ضدها. وهنا، فإن هذا الانشغال وفر خيارات أوسع وحرية حركة أكبر لباكو من أجل التحرك على الأرض لتكريس نفوذها وسيطرتها داخل الإقليم، مطمئنة إلى غياب رد فعل روسي قوي إزاء تلك الخطوات. 

ورغم أن العملية العسكرية التي شنتها أذربيجان أسفرت عن مقتل عدد من الجنود الروس الذين يتواجدون في الإقليم ضمن مهام بعثة السلام التابعة لها، فإن ذلك لم ينتج رد فعل روسياً قوياً، خاصة أن موسكو، وفقاً للرؤية الإيرانية، ليست في وارد إرباك حساباتها إزاء الإقليم وتجاه منطقة آسيا الوسطى والقوقاز حالياً بسبب المرحلة الصعبة التي وصلت إليها الحرب في أوكرانيا، ومن ثم اكتفت روسيا بالدعوة إلى وقف إطلاق النار وقامت بإجلاء نحو ألفي مدني من مناطق المواجهات المسلحة.

 4- تبني سياسة تفجير الأزمات: رغم أن الولايات المتحدة الأمريكية كانت تجري مناورات عسكرية مع أرمينيا تحت اسم “إيجل بارتنر 2023” بالتوازي مع اندلاع المواجهات العسكرية الأخيرة في قره باغ، إلا أن اتجاهات عديدة في طهران اعتبرت أنها متورطة في تأجيج هذه المواجهات مرة أخرى. وفي رؤية هذه الاتجاهات، فإن الهدف من ذلك هو تفجير المزيد من الأزمات في وجه إيران، خاصة أن الأزمة الأخيرة التي اندلعت في قره باغ سبقتها أزمة أخرى ما زالت عالقة مع حركة “طالبان” في أفغانستان، بسبب الاتهامات الإيرانية المتكررة للحركة باستخدام إمدادات مياه نهر هلمند كورقة ضغط في إدارة العلاقات الثنائية بين الطرفين، فضلاً عن اتجاه “طالبان” إلى فرض قيود شديدة على بعض المؤسسات الإيرانية التي تعمل داخل أفغانستان.

ووفقاً لذلك، فإن ذلك يعني أن الولايات المتحدة الأمريكية لا تسعى إلى تغيير أنماط تفاعلاتها مع إيران حتى رغم التفاهمات الأخيرة التي توصلت إليها الدولتان والخاصة بإبرام صفقة لتبادل السجناء تم إنجازها في 18 سبتمبر الجاري، والتي قد تتطور إلى تفاهمات أوسع حول البرنامج النووي والحضور الإقليمي. وبمعنى آخر، فإن هذه التفاهمات تعكس تغييراً تكتيكياً في السياسة التي تتبناها الولايات المتحدة الأمريكية تجاه إيران، ولا تشير إلى تحول حقيقي في المقاربة الأمريكية لإدارة العلاقات مع الأخيرة، على نحو سوف يدفعها إلى تبني مزيد من الخطوات التصعيدية المتشددة تجاه المطالب الأمريكية، دون أن ينفي ذلك حرصها على الوصول إلى صفقات محدودة على غرار صفقة تبادل السجناء.

حدود التوتر

رغم قلق إيران من المعطيات الجديدة التي يفرضها تكريس سيطرة أذربيجان على إقليم قره باغ، ورغم توافر محفزات التوتر في العلاقات مع الأخيرة؛ إلا أن ذلك لن يدفع الأولى إلى رفع سقف التصعيد مع باكو، خلال المرحلة القادمة. إذ إنها ترى أن هذا التصعيد سوف يعزز موقع إسرائيل بشكل أكبر لدى أذربيجان، وسيدفع الأخيرة إلى توسيع نطاق علاقاتها الثنائية مع تل أبيب، لموازنة الضغوط التي تفرضها عليها طهران.

كما أن من شأن ذلك دعم احتمالات تفاقم التوتر والخلاف مع تركيا التي تقدم دعماً مستمراً لأذربيجان ضد أرمينيا، وترى أن العملية العسكرية الأخيرة التي شنتها باكو تكتسب مشروعية خاصة باعتبار أنها تهدف إلى محاربة التنظيمات الانفصالية، في مقاربة شبيهة بما تقوم به أنقرة ضد الجماعات الكردية في شمالي العراق وسوريا.

إلى جانب أن تأجيج الخلاف مع أذربيجان في هذا التوقيت قد يُحدث ارتباكاً في الداخل الإيراني نفسه، في وقت تحاول فيه إيران تكريس حالة من الاستقرار على المستوى الأمني في الداخل بعد المرحلة التي شهدت الاحتجاجات التي انتشرت فيها على مدى خمسة أشهر منذ منتصف سبتمبر 2022، بسبب الاعتراض على وفاة مهسا أميني نتيجة تعرضها للعنف من قبل عناصر شرطة الأخلاق الذين اتهموها بعدم الالتزام بقواعد ارتداء الحجاب. إذ قد لا تضمن إيران ردود فعل القومية الأذرية التي تتماهى باستمرار مع السياسة التي تتبناها أذربيجان إزاء بعض الملفات وفي مقدمتها ملف إقليم قره باغ.