رؤى متقاطعة:
لماذا تباينت مواقف القوى العراقية حول أزمة غزة؟

رؤى متقاطعة:

لماذا تباينت مواقف القوى العراقية حول أزمة غزة؟



اتسع نطاق الجدل بشكل واضح بين المكونات السياسية في العراق بشأن التعامل مع التطورات الجارية في قطاع غزة، واستمرار التصعيد العسكري الإسرائيلي؛ إذ إن بعض القوى والأحزاب السياسية المشاركة في الحكومة ليست متحمسة للانخراط في المواجهات الجارية بين الفلسطينيين والإسرائيليين، بينما يشكل تفاقم الأوضاع ضغطاً على المليشيات والقوى السياسية الموالية لإيران التي تتهمها بعض الأطراف بدعم حركة “حماس” في تنفيذ عملية “طوفان الأقصى”.

وبينما تعددت مظاهر هذا الجدل وعوامله، فإن تداعياته تبدو مؤثرة في مجمل المشهد السياسي العراقي، ولا سيّما مع إعلان “المقاومة الإسلامية العراقية”، في 28 أكتوبر الفائت، استهداف القاعدة العسكرية الأمريكية في التنف السورية، بطائرتين مسيرتين، بينما أكد رئيس الوزراء العراقي محمد شياع السوداني، في 30 من الشهر نفسه، على أهمية تبني موقف مسئول من المجتمع الدولي والقوى العظمى كي تتدارك الأزمة الإنسانية في غزة وتمنع تمدد الصراع.

توجهات مختلفة

تبنت القوى والمؤسسات العراقية مواقف متباينة إزاء تطورات ما يجري على صعيد المواجهة بين إسرائيل وحركة “حماس”، ويتمثل أبرزها في:

1- تعزيز الجهود الدبلوماسية لحل الأزمة: أكدت الحكومة العراقية في بيان لها، في 7 أكتوبر الفائت، موقفها الداعم للقضية الفلسطينية، ودعت إلى أهمية مواصلة الجهود السياسية والدبلوماسية لفتح الممرات الإنسانية، وإيصال المساعدات الإنسانية إلى قطاع غزة، باعتبار هذه الإجراءات ضرورية في التوقيت الحالي، ويمكن البناء عليها مستقبلاً للوصول إلى تسوية سياسية للأزمة.

2- تحشيد الشارع السياسي العراقي: حرص قادة تحالف “الإطار التنسيقي” الشيعي المشارك في السلطة على إبداء مواقف علنية لدعم الفصائل الفلسطينية، وظهر ذلك في تحشيد الشارع العراقي، وتنظيم الاحتجاجات المناهضة لإسرائيل والدول الغربية في بغداد وعموم المحافظات العراقية.

كما دعا زعيم ائتلاف “دولة القانون” رئيس الوزراء الأسبق نوري المالكي في خطاب له إلى “نجدة المقاومة في غزة”، مشيراً إلى أن “الموعد في القدس رباني يخص جميع الشرفاء في العالم العربي”. وقبل ذلك، كان أمين عام “عصائب أهل الحق” قيس الخزعلي قد أكد في منشور عبر منصة “إكس”، أن حركته “تراقب الأحداث عن قرب، مستعدة غير متفرجة”.

3- إعلان تأييد حركة “حماس”: أكدت بعض التيارات العراقية دعمها لحركة “حماس”، حيث أعلن كل من حركة “النجباء”، و”عصائب أهل الحق”، و”كتائب حزب الله العراق”، وحركة “المقاومة الإسلامية” (كتائب سيد الشهداء)، فضلاً عن قوى وأحزاب وتيارات شيعية؛ عن دعمها لحركة “حماس” في الصراع مع إسرائيل، داعية المجتمع الدولي إلى التدخل الفوري لوقف التصعيد الإسرائيلي في غزة، وحماية المدنيين الفلسطينيين.

4- مواصلة استهداف المصالح الأمريكية: أبدت بعض القوى السياسية العراقية حرصاً لافتاً على تكثيف الدعوات لاستهداف مصالح الدول الداعمة لإسرائيل، وفي الصدارة منها الولايات المتحدة، حيث دعت بعض الفصائل المسلحة العراقية إلى العمل على استهداف المقرات العسكرية الأمريكية في سوريا والعراق.

وتجدر الإشارة إلى أن “المقاومة الإسلامية العراقية” استهدفت، في أكتوبر الماضي، القواعد العسكرية الأمريكية في كل من سوريا والعراق. وبالتوازي مع ذلك، هددت جماعات عراقية مسلحة موالية لإيران باستهداف المصالح الأمريكية بصواريخ وطائرات مسيرة إذا استمرت واشنطن في مساندة إسرائيل في حربها مع “حماس”. فعلى سبيل المثال، قال أمين عام “كتائب حزب الله”، أبو حسين الحميداوي، إن “الواجب الشرعي يحتم وجودنا في الميدان، لدفع شرور الأعداء”.

5- الدعوة لمراقبة تطورات الأحداث: في مقابل التيارات التي دعت إلى ضرورة الانخراط في مواجهات غزة واستهداف المصالح الأمريكية، ودعوة حكومة السوداني إلى تكثيف الجهود الدبلوماسية للتعامل مع الأزمة؛ دعت قوى عراقية أخرى إلى ضرورة التأني في اتخاذ المواقف، ومراقبة تطورات الأحداث وتداعياتها.

وفي هذا السياق، أشار زعيم تحالف “الفتح” هادي العامري في كلمة له نهاية أكتوبر الفائت إلى أن “انخراط الفصائل العراقية في أزمة غزة واستهداف المصالح الأمريكية يجب أن يكون مرهوناً بدخول واشنطن بشكل مباشر على خط الصراع الإسرائيلي الفلسطيني”. ومن جهته، أشار رئيس “اتحاد علماء المسلمين” جبار المعموري، إلى أن ثمة ثلاثة أسباب يمكن أن تكون عوامل ضاغطة على دخول ما أطلق عليه “المقاومة العراقية” في مواجهة مع تل أبيب، وهي: اتساع المواجهة ووصولها إلى “حزب الله” في لبنان، أو استهداف “المقاومة” في سوريا، أو إرسال واشنطن طائرات ومقاتلين لإسناد إسرائيل.

6- إغلاق السفارة الأمريكية في بغداد: في سياق تفاعل القوى السياسية العراقية مع أزمة غزة، دعا زعيم التيار الصدري مقتدى الصدر، في 27 أكتوبر الفائت، الحكومة والبرلمان العراقيين إلى التحرك لإغلاق السفارة الأمريكية في بغداد، “نصرة لغزة”، ورداً على الدعم الأمريكي لإسرائيل. ولم يكن هذا الخطاب هو الأول من نوعه للصدر، فقد طالب في وقت سابق بدعم شعبي عربي واسع للقضية الفلسطينية عبر الاحتشاد بالقرب من الحدود العراقية-الأردنية، كما حذر من تمرير سيناريو التهجير وانعكاساته على الأمن القومي العراقي، إذ أشار إلى أن محاولة تهجير سكان الضفة الغربية إلى الأردن قد يمتد إلى محافظة الأنبار العراقية باعتبارها المحافظة الأقرب للأردن.

دوافع رئيسية

يمكن القول إن ثمة دوافع عديدة تقف وراء تصاعد هذا الجدل بين المكونات السياسية العراقية حيال الأوضاع في قطاع غزة، أبرزها الارتباطات الأيديولوجية بين بعض التيارات وإيران التي تتهمها أطراف عديدة بدعم “حماس” في عملية “طوفان الأقصى”. وتستهدف هذه التيارات من وراء المواقف المتشددة ضد إسرائيل، تحقيق مجموعة من الأهداف، منها زيادة زخمها في الشارع العراقي، وتخفيف الضغط على إيران، خاصة في ظل استمرار العقوبات الغربية على الأخيرة بسبب برنامجها النووي واصطفافها إلى جانب روسيا في الحرب الأوكرانية.

كما يشكل تباين المصالح بين القوى السياسية العراقية، وتصاعد القضايا الخلافية في الداخل العراقي، أحد المحددات الرئيسية وراء تزايد حدة الجدل حيال أزمة غزة، وهو ما يظهر على سبيل المثال داخل المكون الكردي بين الحزب الديمقراطي الكردستاني وحزب الاتحاد الوطني الكردستاني، أو داخل “الإطار التنسيقي” للقوى الشيعية صاحب الأغلبية النيابية.

على صعيد ذي شأن، فإن الخلافات داخل المكون الشيعي حيال إدارة المشهد العراقي، والموقف من الوجود الأمريكي في العراق، ألقت بظلالها على كيفية مواجهة تداعيات حرب غزة، وظهر ذلك في دعوة المكون الشيعي المشارك في “الإطار التنسيقي” والمنضوي في البرلمان لتحشيد الشارع من خلال التظاهر، بينما يدعو التيار الصدري الذي انسحب من البرلمان العام الماضي إلى غلق السفارة، بيد أن هذا الطلب لم يلق تأييداً بين نواب الشيعة المحسوبين على “الإطار التنسيقي” في البرلمان.

بالتوازي مع ذلك، فإن ارتباطات حكومة السوداني مع الدول الغربية تمثل أحد العوامل التي تقف وراء الموقف العراقي الرسمي حيال تطورات غزة، إذ إن ثمة مصالح اقتصادية وسياسية بين العراق والولايات المتحدة، وعدد كبير من الدول الأوروبية. وهنا، يمكن فهم حرص الحكومة على دعم خيارات التسوية السياسية للأزمة الفلسطينية، ودفع دور المؤسسات الدولية لوقف الصراع.

وفي الختام،أدت التباينات بين القوى السياسية في العراق، وتصاعد خلافاتها حيال العديد من ملفات الداخل، إلى اختلاف مواقفها بشأن تطورات أزمة غزة، والتي ساهمت بدورها في زيادة حدة الجدل بين هذه القوى، بما قد يؤدي إلى عدم استقرار الداخل، خاصة في ظل توظيف بعض التيارات الشيعية القريبة من إيران أزمة غزة لاستهداف القواعد العسكرية الأمريكية في العراق، وكذلك تعزيز الضغوط على حكومة السوداني لتوسيع نطاق العلاقات الثنائية مع إيران.