تفسيرات متكاملة:
لماذا أنهى الرئيس الصومالي صفقة استكشاف الغاز مع شركة “كوستلاين إكسبلوريشن” الأمريكية؟

تفسيرات متكاملة:

لماذا أنهى الرئيس الصومالي صفقة استكشاف الغاز مع شركة “كوستلاين إكسبلوريشن” الأمريكية؟



ألغى الرئيس الصومالي، محمد عبدالله محمد “فرماجو”، في 19 فبراير الجاري، صفقة وقَّعتها وزارة النفط والثروة المعدنية مع شركة “كوستلاين إكسبلوريشن” (Coastline Exploration) الأمريكية من أجل التنقيب عن المواد الهيدروكربونية. وهو ما يطرح تساؤلات حول دلالات الإلغاء في هذا التوقيت. وتعد هذه الصفقة خامس صفقة للشركة في شرق إفريقيا منذ إنشاء الشركة في عام 2009. وقد استحوذت الشركة على أصول شركة كوف إنرجي (Cove Energy) البريطانية في عام 2012، ونجحت في تأمين صفقات النفط والغاز في موزمبيق وتنزانيا وكينيا. وتشير التقارير إلى إعادة تسمية شركة كوستلاين إكسبلوريشن عام 2018، بعد تسجيلها باسم شركة Soma Oil and Gas في المملكة المتحدة. ولا يشير موقعها الإلكتروني إلى شركة Soma، بل تزعم ببساطة إلى أنها تأسست في عام 2018 “للمساعدة في تطوير صناعة الهيدروكربون في شرق إفريقيا”.

بينما أعلن وزير النفط والثروة المعدنية الصومالي، عبد الرشيد محمد أحمد، عبر حسابه على موقع “تويتر”، عن توقيع سبع اتفاقيات لتقاسم الإنتاج تساهم في استكشاف المواد الهيدروكربونية البحرية التي يمكن أن تدر إيرادات تقدر بملايين الدولارات. وأضاف في تصريح لاحق أن الشركة ستدفع قبل الشروع في عمليات التنقيب 7 ملايين دولار سيتم إيداعها بالبنك المركزي الصومالي، ولفت إلى أن الاتصالات بين الحكومة الصومالية والشركة بدأت في عام 2013 في ظل عهد الرئيس الصومالي السابق حسن شيخ محمود، حتى تم التوقيع عليها في 15 فبراير 2022، مشيراً إلى أنه كان ينسق في هذه القضية بشكل خاص مع الرئيس فرماجو.

وأوضح الوزير أن الصفقة تسمح للشركة الموقعة بالاستثمار في الثروة النفطية الصومالية، مع حصول الصومال على أكبر حصة من العائدات. وقال: “الاستكشاف يشير إلى أن الصومال لديها القدرة على أن تصبح دولة رئيسية منتجة للنفط والغاز”. ورحّب بالخطوة معتبراً أنها تشكل مؤشراً يدل على أن الصومال قادر على التحول إلى بلد منتج للنفط والغاز. وقال إن اتفاق الإنتاج المشترك سيكون له تأثير إيجابي فوري على البلاد، متوقّعاً أن تُضَخَّ عشرات ملايين الدولارات في خزينة الدولة الاتحادية وخزائن الولايات.

وبرغم أهمية الصفقة بالنسبة للصومال، أكد بيان لمكتب رئيس الجمهورية أن الصفقة تخرق مرسوماً يحظر توقيع أي صفقة مع حكومة أو كيان أجنبيين في فترة الانتخابات، وبالتالي هو باطلٌ ولاغٍ. بينما أصدر رئيس الوزراء محمد حسين روبلي بياناً وصف فيه هذه الصفقة بأنها “غير قانونية”. وقال البيان إن “الاتفاق المزعوم الذي وقعه وزير النفط بشأن قضايا النفط في الصومال غير قانوني، ولم يمر عبر القنوات القانونية، وبالتالي لا وجود له”. وأضاف أن “مكتب رئيس الوزراء سيتخذ إجراءات قانونية للرد على هذا الفعل الذي ينتهك الأصول الوطنية وإرث الأجيال القادمة، وذلك حفاظاً على ثقة الأمة الصومالية”.

سياقات محفزة

يعكس قرار الرئيس الصومالي بإنهاء الصفقة جملة من الأسباب التي يمكن الإشارة إليها على النحو التالي:

1- ضغوط المعارضة والرأي العام لإنهاء الصفقة: حيث أكد وزير البترول والمعادن أن الرئيس الصومالي المنتهية ولايته محمد عبد الله فرماجو كان على علم بالصفقة. وأشار إلى أن طعن الرئيس يرجع إلى الدفاع عن نفسه ضد الضغوط التي تعرض لها في وسائل التواصل الاجتماعي. ولكن الرئاسة الصومالية لم ترد على إصرار الوزير على تورط فرماجو في الصفقة. وقد كتب المرشحون الرئاسيون المعارضون في الصومال إلى شركات نفط أمريكية يحذرونها من الدخول في صفقة مع الحكومة الصومالية المنتهية ولايتها، مضيفين أن مثل هذه الاتفاقية لن تكون قابلة للتنفيذ.

وقال مجلس اتحاد المرشحين الرئاسيين بعد الكشف عن عزم الحكومة الفيدرالية توقيعَ عقد نفطي مع شركة ليبرتي (Liberty Oil) وكوستلاين إكسبلوريشن (Coastline Exploration)، وهما شركتا نفط أمريكيتان: “عملية الترخيص التي تجريها وزارة البترول لا تتوافق مع الإطار القانوني للحكومة الفيدرالية الصومالية، وبالتالي فهي غير قانونية”. وأشار المجلس الذي يضم 14 مرشحاً للرئاسة إلى أن الاتفاقية التي تجري الاستعدادات للتوقيع عليها لم تراعِ الأطر القانونية التي تهدف إلى حماية كل من المستثمر ومصالح الشعب الصومالي في منح العقود البترولية.

2- الصراع المؤسسي بين مؤسسة الرئاسة والحكومة: حيث تبادل الطرفان الاتهامات بشأن الصفقة، وبحسب بيان مكتب الرئاسة الصومالية فإن “وزير النفط والثروة المعدنية عبدالرشيد محمد لم يتشاور مع رئيس البلاد في توقيعه على اتفاقية استكشاف مع شركة كوستلاين إكسبلوريشن”. وأضاف البيان، أنه “انطلاقاً من المرسوم الرئاسي في 7 أغسطس الماضي والذي يقضي بعدم صلاحية مؤسسات الدولة دخول اَي اتفاقيات رسمية خلال فترة الانتخابات الرئاسية والبرلمانية في البلاد، فإن هذه الاتفاقية لن تكون سارية المفعول”. ودعا البيان المؤسسات الحكومية إلى “الابتعاد عن استغلال الثروة الوطنية في هذ التوقيت بما لا يخدم مصلحة الوطن”.

3- تصاعد التوترات الأمريكية الصومالية بشأن الانتخابات: حيث يشير بعض الخبراء إلى أن قرار إلغاء الصفقة جاء في توقيت متزامن مع تصاعد الضغوط الأمريكية على الرئيس فرماجو لتسريع عملية الانتخابات. وبعد الإعلان عن تأجيل الانتخابات، منعت الولايات المتحدة، يوم 25 فبراير الجاري، مسؤولين صوماليين وأفراداً آخرين من السفر إليها، واتهمتهم “بتقويض العملية الديمقراطية”. وقال وزير الخارجية الأمريكي أنتوني بلينكن إن “الولايات المتحدة منعت إصدار تأشيرات لهؤلاء الأفراد بعد أن أعلن الصومال تأجيل الانتخابات البرلمانية التي كان من المقرر أن تكتمل يوم الجمعة إلى 15 مارس”. وذكر بلينكن في بيان أصدرته وزارة الخارجية: “نحن الآن نفرض قيوداً على منح التأشيرات بموجب هذه السياسة لعدد من المسؤولين الصوماليين وغيرهم من الأفراد لتعزيز المساءلة عن أفعالهم المُعرقلة”.

4- تنافس الشركات الأجنبية واستغلالها للمسؤولين الصوماليين: فقد وقعت كوستلاين إكسبلوريشن (Coastline Exploration)، في تجسيدها السابق، شركة سوما أويل جاس (Soma Oil and Gas)، صفقة مع الحكومة الفيدرالية الصومالية في عام 2013، ومُنحت حقوق الاستكشاف والدراسات الأولى على ما يصل إلى 12 قطعة نفط وغاز. وأكملت هذا الاستكشاف بنجاح في عام 2015، لكن التقدم توقف عندما تم التحقيق فيه من قبل مكتب الاحتيال في المملكة المتحدة بشأن مزاعم الرشوة والفساد في الصومال. وتشير التقارير إلى أنه إذا تم المضيّ قدماً في الصفقة، فقد تواجه الحكومة الفيدرالية إجراءات قانونية في المستقبل لأن الصفقة لم تمتثل تماماً للقوانين.

نافذة فرصة

خلاصة القول، جاء قرار إلغاء الصفقة في وقت تشهد فيه العلاقات الأمريكية-الصومالية توتراً متنامياً بشأن تأجيل الانتخابات الصومالية، ويشير ذلك إلى رغبة الرئيس الصومالي في مساومة الإدارة الأمريكية التي أبدت في وقت سابق دعمها لرئيس الوزراء حسين روبلي. وفي الوقت نفسه، تدرك القوى الصومالية تنافس القوى الدولية وشركاتها النفطية على الاستفادة من الفرص الاستثمارية في الصومال، ولا سيما تنافس الشركات الأمريكية والصينية، حيث تحاول النخب السياسية تقديم عهود بتوقيع صفقات استكشاف الغاز مقابل الحصول على رشاوى لتمويل الحملات الانتخابية، وربما جاء الكشف عن هذه الصفقة كمحاولة من الرئيس لتشويه صورة المنافسين السياسيين.