"ظِل" الحرس:
لماذا أجرى الجيش الإيراني مناورات باستخدام “الدرونز”؟

"ظِل" الحرس:

لماذا أجرى الجيش الإيراني مناورات باستخدام “الدرونز”؟



رغم أن إجراء مناورات عسكرية بصفة مستمرة يمثل نهجاً ثابتاً لإيران تسعى من خلاله إلى استعراض قدراتها العسكرية، وتوجيه رسائل مباشرة إلى بعض القوى المعنية بالأزمات الإقليمية والدولية التي تحظى باهتمام خاص من جانبها، إلا أن ذلك لا ينفي أن المناورات العسكرية التي يجريها الجيش الإيراني، بداية من 3 أكتوبر الحالي، تكتسب أهمية وزخماً خاصاً، لا سيما لجهة توقيتها والطرف الذي يقوم بإجرائها، والمساحة التي تنفذ فيها.

فقد تم إجراء هذه المناورات باستخدام 200 طائرة من دون طيار، كان أبرزها “شمروش” و”يسير” و”صادق” و”بليكان” و”أبابيل 3″ و”أبابيل 4″ و”أبابيل 5″ و”كمان 12″ و”يزدان” و”مهاجر 2″ و”مهاجر 6″، وعلى مساحة تمتد، حسب تصريحات مساعد الشئون التنسيقية في الجيش حبيب الله سياري، من المياه الدافئة للخليج العربي وبحر عمان في الجنوب، إلى شرق وغرب وشمال ووسط البلاد.

أهداف عديدة

يمكن القول إن إيران سعت عبر تلك المناورات العسكرية التي يجريها الجيش إلى تحقيق أهداف عديدة يتمثل أبرزها:

1- إثبات القدرات العسكرية في مجال المُسيَّرات: تحاول إيران عبر هذه المناورات استعراض قدراتها في مجال الطائرات من دون طيار، خاصة أنها تروج إلى أنها إحدى الدول الرائدة على مستوى العالم في هذا القطاع تحديداً. بل إنها سبق أن أشارت إلى أن دولاً عديدة على مستوى العالم تطلب شراء المُسيَّرات الإيرانية. ففي هذا الصدد، قال المتحدث باسم وزارة الدفاع الإيرانية رضا طلايي، في 26 أغسطس الماضي، إن “دولاً عديدة قدمت طلبات لشراء طائرات مُسيَّرة إيرانية”، مضيفاً أنه “من بين الدول التي طلبت شراء الطائرات المُسيَّرة الإيرانية، دول غربية وأوروبية، تمتنع طهران عن ذكر اسمها”.

2- تحدي الضغوط الغربية المتصاعدة: لا يمكن فصل هذه الخطوة التي اتخذتها إيران عن الضغوط التي تمارسها الدول الغربية، بسبب اتساع نطاق الخلاف بين الطرفين، حول برنامج المُسيَّرات الإيرانية تحديداً. وقد تصاعدت حدة هذا الخلاف بالفعل عقب اندلاع الحرب الروسية-الأوكرانية في 24 فبراير 2022، بعد أن وجّهت الدول الغربية اتهامات مباشرة إلى إيران بتقديم دعم عسكري إلى روسيا يتمثل في طائرات من دون طيار من طراز “شاهد 136″ و”مهاجر 6”.

لكن اللافت في هذا الصدد، أن إيران ما زالت مُصِرَّة على نفى هذه الاتهامات، زاعمة في الوقت نفسه أنها تقف على الحياد بين طرفى الحرب. بل إن وزير الخارجية الإيراني حسين امير عبد اللهيان قال، في 3 سبتمبر الفائت، إن “مباحثات عقدت بين وفدين عسكريين إيراني وأوكراني، في بداية هذا العام، حيث طلبت إيران من أوكرانيا تقديم أدلة تثبت أنها تقدم دعماً عسكرياً إلى روسياً ممثلاً في الطائرات من دون طيار”، مؤكداً في الوقت نفسه أن ذلك لم يحدث.

لكن الدول الغربية ما زالت مُصِرَّة بدورها على توجيه هذه الاتهامات، بل إنها زادت على ذلك بفرض عقوبات على إيران بسبب دعمها العسكري لروسيا، في 20 يوليو الماضي، تمثلت في حظر توريد المكونات المستخدمة في بناء وإنتاج الطائرات المُسيَّرة، وضم بعض الأشخاص لقوائم العقوبات.

3- استمرار التصعيد مع إسرائيل: يبدو أن إيران تسعى عبر ذلك إلى توجيه رسائل مباشرة إلى إسرائيل بأن برنامجها للطائرات من دون طيار يمكن أن يساعدها في إدارة التصعيد المستمر مع الأخيرة، بعد أن كان هذا التصعيد مقتصراً في الفترة الماضية على التهديد باستخدام الصواريخ الباليستية، التي قال الحرس الثوري أنها استهدفت موقعاً لجهاز الموساد الإسرائيلي في شمال العراق في 13 مارس 2022، ومنح الضوء الأخضر للمليشيات المسلحة الموالية لها بتوجيه تهديدات مماثلة إلى تل أبيب، على غرار حزب الله اللبناني، الذي وجّه أمينه العام حسن نصر الله تحذيرات مباشرة إلى الأخيرة، في 2 سبتمبر الفائت، من “عواقب أى خطأ في الحسابات”، مضيفاً، خلال لقاءه وزير الخارجية الإيراني حسين امير عبد اللهيان، أنه “إذا صدر عن الإسرائيليين تصرف ناجم عن خطأ في التقدير فسوف يواجهون ردة فعل حازمة من المقاومة”، وذلك قبل أن يتهم وزير الدفاع الإسرائيلي يوآف جالانت، في 12 من الشهر نفسه، الحزب بتأسيس مطار بدعم من إيران بهدف تعزيز قدرته على شن هجمات ضد إسرائيل.

4- تعديل التوازن العسكري داخل إيران: كان لافتاً تصاعد دور ونفوذ الجيش الإيراني في الأعوام الثلاثة الأخيرة. فإلى جانب المناورات العسكرية التي يقوم بإجرائها باستمرار، فإنه لم يعد يكتفي بالإعلان عن امتلاكه ترسانة كبيرة من المُسيَّرات، بل إنه كشف، في 7 فبراير الماضي، عن قاعدة جوية تابعة له تم تأسيسها تحت الأرض، أشارت تقارير عديدة إلى أنها سوف تستخدم في تخزين المقاتلات. وقد ربطت اتجاهات مختلفة بين هذه الخطوة وبين الحديث الذي تصاعد في تلك الفترة عن عزم إيران إبرام صفقة عسكرية مع روسيا لشراء مقاتلات “سوخوى 35″، قبل أن تتراجع فرص إتمام تلك الصفقة لاعتبارات مختلفة.

هنا، لا يمكن فصل ذلك عن التداعيات التي فرضها غياب القائد السابق لـ”فيلق القدس” قاسم سليماني، الذي قتل في العملية العسكرية التي شنتها الولايات المتحدة الأمريكية في 3 يناير 2020، حيث كان سليماني يمتلك نفوذاً قوياً ليس فقط داخل الحرس الثوري، باعتبار أنه المسئول الأول عن إدارة العمليات الخارجية لإيران، وإنما داخل إيران أيضاً، وتحديداً داخل دوائر صنع القرار، على نحو كان يخصم من دور ونفوذ الجيش ويضعه دائماً في مكانة أقل من المكانة التي كان يحظى بها الحرس الثوري.

5- توجيه تحذيرات إلى بعض دول الجوار: وهنا، فإن الرسالة تبدو موجهة تحديداً إلى دول مثل أذربيجان. فرغم حرص إيران على احتواء الخلافات التي تصاعدت مع الأخيرة في الفترة الماضية، فضلاً عن أنها تعمدت تبني موقف غير مناوئ لها في الأزمة التي تجددت مع أرمينيا حول إقليم ناجورني قره باغ، فإن ذلك لا ينفي أن إيران تبدي قلقاً مستمراً إزاء التطور الملحوظ في العلاقات بين أذربيجان وإسرائيل، وترى أن ذلك قد يساعد الأخيرة على تهديد أمنها، وموازنة وجودها العسكري في سوريا بالقرب من حدودها.

سياسة مستقرة

على ضوء ذلك، يمكن القول في النهاية إن إيران سوف تواصل إجراء مزيد من المناورات العسكرية واتخاذ خطوات تصعيدية أخرى، في مجالات مختلفة، خلال المرحلة القادمة، بشكل يوحي بأنها تتبنى سياسة تبدو مستقرة إلى حد كبير، رغم التطورات التي طرأت على الساحة الإقليمية في الفترة الماضية، ورغم استمرار الجهود التي تبذل من أجل الوصول إلى صفقة جديدة حول الاتفاق النووي مع الولايات المتحدة الأمريكية.