إجراءات متوازية:
كيف يمكن الحد من هجمات “داعش” على السجون بسوريا مستقبلاً؟

إجراءات متوازية:

كيف يمكن الحد من هجمات “داعش” على السجون بسوريا مستقبلاً؟



على مدار أربعة أيام لم تتمكن القوات الأمنية التابعة للإدارة الذاتية في منطقة شمال شرق سوريا، من حسم الأوضاع المضطربة الناتجة عن محاولة اقتحام تنظيم “داعش” لسجن غويران (20 يناير 2002) في الحسكة، بشكل نهائي. وبقدر حالة الهدوء النسبي في محيط السجن بعد ملاحقة عناصر “داعش” واستسلام ومقتل عدد من المهاجمين، إلا أن التحدي الأكبر الذي واجهته الإدارة الذاتية هو السيطرة على عناصر التنظيم داخل السجن.

وبعيداً عن دوافع ودلالات الاقتحام، التي تتصل برغبة التنظيم في تحرير عناصره المحتجزين، لدعم محاولات العودة إلى الساحة السورية مجدداً؛ ولكن بالنظر إلى الواقعة وتفاصيلها، يمكن تحديد بعض الإجراءات التي قد تحد من تأثير المحاولات المستقبلية، في ضوء رغبة مستمرة في تحرير تلك العناصر الذي يُقدر عددهم بين (10 – 12) ألف عنصر موزعين على 9 سجون في شمال شرق سوريا، تخضع جميعها لسيطرة قوات سوريا الديمقراطية “قسد”. وتتمثل تلك الإجراءات فيما يلي:

تشديد التأمين

1- مراجعة خطة تأمين السجون: بالنظر إلى الهجوم الكبير الذي نفذته عناصر “داعش” على سجون غويران، والذي يمكن تصنيفه بأنه “مركب” و”مزدوج”؛ إذ إن الهجوم انقسم إلى مهاجمة عناصر التنظيم خارج أسوار السجن بسيارات مفخخة، وفي الوقت ذاته محاولة العناصر المحتجزة، السيطرة على السجن داخلياً عبر احتجاز رهائن للتفاوض، وهنا يجب مراجعة خطة تأمين السجون، عبر عدد من الإجراءات:

أولاً: تحصينات خارجية، ربما تستفيد قوات سوريا الديمقراطية من وضع موانع خرسانية كبيرة ذات ارتفاعات كبيرة حول أسوار السجن ولكن على مسافة ليست قريبة من الأسوار، وهكذا الحال بالنسبة لبوابات السجن، من خلال وضع موانع خرسانية على مسافة من تلك البوابات، منعاً لسهولة اقتحام السيارات المفخخة محيط السجن.

ثانياً: فرز سجناء “داعش”، فبالنظر إلى تعدد حالات التمرد المتكررة في السجون، وصعوبة السيطرة على الوضع الداخلي رغم مرور 4 أيام على محاولة الاقتحام، يمكن أن تُقْدِمَ قوات سوريا الديمقراطية على إعادة فرز السجناء، وعزل العناصر الأكثر خطورة التي تحث على التمرد الداخلي بشكل مستمر، ويبقى هذا مرهوناً بقدرة القوات الأمنية على التعامل مع مثل هذه الحالات من خلال منظومة متكاملة لإدارة السجون.

عزل قيادات “داعش”

2- عزل الكوادر العسكرية في سجون أكثر تأميناً: على الرغم من حجز عدد من القيادات البارزة في سجون مشددة الحراسة بالقرب من مواقع عسكرية أمريكية، إلا أن ثمة قيادات وكوادر عسكرية، لديها خبرات في أعمال القتال وقيادة المجموعات المسلحة ميدانياً، وعقب محاولة اقتحام السجن، يمكن أن تُشكل هذه القيادات فرصة لدعم محاولات التنظيم للعودة، وما يترتب على ذلك من زيادة قدراته العسكرية في التخطيط والمواجهات خلال الفترة المقبلة، حال تمكن بعضهم من الفرار، وبالتالي قد يكون من المهم عزلهم ونقلهم إلى مواقع أو سجون مشددة الحراسة.

مواجهة تسريب المعلومات

3– مواجهة نقل المعلومات من وإلى السجناء: بمراجعة بعض الفيديوهات التي انتشرت عبر وسائل إعلام لاقتحام السجن، تُظهر اللقطات بعض عناصر “داعش” التي تمكنت من الفرار، وتحمل متعلقات خاصة بهم في حقائب، بما يشي بوجود استعداد للفرار بشكل مسبق، وربما يشير هذا إلى وجود تبادل للمعلومات من وإلى السجناء، وبالتالي التعامل مع وسيلة التواصل التي يمكن أن يكون وسيطاً، وهذا يحتاج إلى تدخل من قوات تأمين السجن لمراجعة الموقف ووقف أي تبادل للمعلومات عبر مراجعة أمنية للعاملين في السجون، خاصة أن تقريراً نُشر في “الغارديان” أشار إلى إطلاق سراح عناصر من سجناء “داعش” من السجون في شمال شرق سوريا مقابل الأموال.

دعم أمريكي

4 – زيادة الدعم الأمريكي: تقدم الولايات المتحدة دعماً لقوات سوريا الديمقراطية في إحكام السيطرة على السجون، عند حدوث محاولات اقتحام أو تمرد داخلي مثلما حدث خلال شهري أكتوبر ونوفمبر الماضيين في سجن الصناعة، وقدمت القوات الأمريكية دعماً جوياً لإحباط أي محاولات للهروب أو اقتحام السجن، وبخلاف ذلك فإن أمريكا تقوم بدور استشاري فقط في إدارة السجون، من خلال زيارات لبعض هذه السجون وتقديم بعض التوصيات كان أحدها زيارة وفد أمريكي بريطاني إلى سجون في حي غويران خلال شهر أغسطس الماضي. ويعكس الهجوم الأخير تزايد قدرات تنظيم “داعش”، بالشكل الذي يتطلب زيادة الدعم الأمريكي لقوات سوريا الديمقراطية على مستوى إدارة تلك السجون، أو تقديم دعم على مستوى مخاطبة الدول التي لها معتقلون في تلك السجون لاستقبالهم ومحاولة تخفيف أعداد عناصر “داعش”.

زيادة اليقظة

5 – صقل خبرات قوات سوريا الديمقراطية: يعكس الهجوم على سجن غويران دلالة مهمة تتعلق بالتوقيت، فأحد جوانب التخطيط للعمليات الإرهابية اختيار التوقيت، وبالنظر إلى الهجوم الأخير فإنه جاء في توقيت شديد البرودة ليلاً، إذ تصل درجات الحرارة في الحسكة ليلاً خلال الفترة الحالية إلى (0 – 4) درجة مئوية ليلاً، وهو توقيت مناسب لتنفيذ الهجوم، بالنظر إلى البرودة الشديدة التي تقل معها حالة اليقظة الأمنية، وهنا يجب صقل خبرات قوات سوريا الديمقراطية بتكتيكات التنظيم المختلفة، ورفع درجة اليقظة الأمنية في التوقيت المرجح أن يقوم “داعش” بتنفيذ عملياته فيه، خاصة وأن تلك القوات تمكنت من قبل بإحباط مخطط لاقتحام سجن الصناعة في نوفمبر الماضي، هذا باختلاف شكل وطبيعة المواجهات التي خاضتها تلك القوات مع تنظيم “داعش” خلال تحرير المناطق التي كانت خاضعة لسيطرتها حتى عام 2019.

ضربات استباقية

6– زيادة القدرات الاستخباراتية والمعلوماتية: على الرغم من محاولات قوات سوريا الديمقراطية إحباط مخطط لـ”داعش” في اقتحام السجون، مثلما سبقت الإشارة؛ إلا أن الهجوم يعكس محدودية القدرات الاستخباراتية والمعلوماتية في مواجهة التهديدات المتعلقة بتنظيم “داعش”، خاصة مع ملاحظة زيادة محاولات فرض قدر من النفوذ في مناطق بشمال شرق سوريا، وفرض الإتاوات على الشركات المحلية العاملة في مجال النفط، إضافة إلى لصق منشورات في بعض المناطق تحذر من التعاون مع قوات “قسد”، بما يعني أنّ ثمة نقصاً في القدرات المعلوماتية عن تحركات تنظيم “داعش” يحتاج إلى تعزيز بدعم دولي، إذ إن هذه الجهود هي أول حلقة في الحد من محاولات اقتحام السجون في إطار من الضربات الاستباقية لإفشال مخططات التنظيم.

عامل ضاغط

ويمكن القول إن تنظيم “داعش” يسعى إلى توسيع نفوذه في سوريا خلال الفترة المقبلة، وتحديداً مع التحرك باتجاه شمال شرق سوريا التي تسيطر عليها قوات سوريا الديمقراطية، خلال الثلاثة أشهر الماضية، في ظل عدد من الخطوات التي يتخذها التنظيم من تنويع مصادر التمويل، وزيادة معدل العمليات الإرهابية. ويبقى أن محاولات اقتحام السجون التي تكتظ بالآلاف من عناصر “داعش”، خطوة في مسار زيادة التوتر شمال شرق سوريا، بالنظر إلى حالة النزوح الجماعي للآلاف من المناطق السكنية في محيط سجن غويران، منذ اقتحام السجون. ويمثل الهجوم الأخير على السجن، إضافة إلى تحركات التنظيم، أزمة كبيرة بالنسبة لقوات سوريا الديمقراطية، ليس فقط من ناحية عدم القدرة على مواجهة تداعيات الاضطرابات الأمنية الناجمة التي امتدت إلى الأحياء المجاورة للسجن، ولكن أيضاً باعتبارها عاملاً ضاغطاً يمكن أن يخلف حالة من الغضب حيال الإدارة الذاتية، خاصة مع عدم استبعاد إمكانية تكرار مثل تلك الهجمات على السجون في شمال شرق سوريا.