استياء مجتمعي:
كيف ساهمت سياسات أنقرة في تعميق أزمة اللاجئين السوريين؟

استياء مجتمعي:

كيف ساهمت سياسات أنقرة في تعميق أزمة اللاجئين السوريين؟



أعادت الاضطرابات التي شهدتها العاصمة التركية أنقرة بين مواطنين أتراك ولاجئين سوريين خلال الأيام الماضية، معضلة اللاجئين السوريين في تركيا إلى الواجهة مجدداً. فقد تصاعدت خلال السنوات الماضية الاتجاهات الرافضة لبقاء اللاجئين السوريين داخل تركيا، وهى الاتجاهات التي ارتبطت بحالة استياء مجتمعي من تواجد اللاجئين ومحاولة الربط بينهم وبين تراجع الوضع الاقتصادي في تركيا، حيث يرى قطاع واسع من الأتراك أن اللاجئين يؤثرون على الفرص الاقتصادية المتاحة لهم. ولم تكن هذه التوجهات منعزلة عن سياسات النظام التركي وخاصة مع الانخراط المتزايد في الصراع السوري، فضلاً عن تلويح النظام، بين الحين والآخر، بضرورة توطين اللاجئين ومنحهم الجنسية التركية. ومثل هذه السياسات دفعت العديدين إلى توجيه انتقادات للنظام وتحميله مسئولية تنامي موجة الكراهية للاجئين السوريين.

اتجاه متصاعد:

شهدت أنقرة، في الأيام الماضية، اضطرابات بين المواطنين الأتراك واللاجئين السوريين. وبحسب العديد من التقارير الإعلامية، فقد حطم عدد من المواطنين الأتراك الغاضبين، في 11 أغسطس الحالي، سيارات ومحلات تجارية تعود للاجئين سوريين في أنقرة، حيث اندلعت أعمال الشغب في أعقاب شجار بين سكان أتراك ولاجئين سوريين في حى ألتنداج بالعاصمة أنقرة، تم خلاله قتل مواطن تركي. وعلى إثر هذه الأحداث، تدخلت قوات الأمن التركي، وتم الإعلان عن اعتقال عدد من الأشخاص يشتبه بأنهم شجعوا أو شاركوا في الهجوم على المحلات التجارية للسوريين في أنقرة، وذكرت الشرطة التركية، في بيان لها: “حددنا واعتقلنا 76 شخصاً نشروا معلومات كاذبة على الشبكات الاجتماعية لغايات استفزاز أو شاركوا في هذه الهجمات”.

لقد عكست هذه الأحداث الاستياء المتصاعد داخل المجتمع التركي تجاه تواجد اللاجئين السوريين، فالعديد من استطلاعات الرأى كشفت، خلال السنوات الماضية، عن تنامي الرفض المجتمعي التركي لوجود اللاجئين السوريين، ولاسيما مع الأرقام التي تتحدث عن وصول أعداد اللاجئين السوريين في تركيا إلى نحو أربعة ملايين لاجئ. فعلى سبيل المثال، أشار استطلاع للرأى أجراه مركز الدراسات التركي في جامعة “قادر هاس” إلى أن نسبة الرفض التركي للاجئين السوريين وصلت إلى 67% عام 2019 بعدما كانت نحو 57% عام 2016، ويبدو أن هذه النسبة لم تتراجع كثيراً خلال عامى 2020 و2021 لاسيما مع الأوضاع الاقتصادية المتراجعة التي تشهدها تركيا، وكذلك الاستقطاب السياسي القائم بين النظام والمعارضة.

وأدى هذا الرفض المجتمعي المتزايد للاجئين إلى تعرضهم لأحداث عنف متعددة، ولعل النماذج الأبرز على ذلك الطفل السوري وائل السعود الذي انتحر في أكتوبر 2019، بعد تعرضه للتنمر من قبل الطلاب الأتراك في المدرسة لأنه سوري. كما قامت الشرطة التركية بقتل الشاب السوري علي العساني، في إبريل 2020، بعد أن هرب خوفاً من تغريمه لمخالفته الحظر بسبب كورونا. وتعرض الشاب السوري أيمن حمامي للقتل، في سبتمبر 2020، في ولاية سامسون التركية أثناء شجار مع مجموعة من الأتراك، وقد وصفت بعض وسائل الإعلام التركية الجريمة بـ”العنصرية”. وبعد هذا الحادث بشهر، قتل الطفل السوري وائل منصورعلى يد مجموعة من الأتراك في ولاية قونيا.

مُحفِّزات رئيسية:

بالرغم من مراهنة النظام التركي على ورقة اللاجئين لتعزيز صورته الخارجية، فإن هذه الورقة بدت، بشكل أو بآخر، دافعاً للمزيد من التأزم المجتمعي والسياسي داخل تركيا. وفي هكذا سياق، ارتبطت أزمة اللاجئين السوريين في تركيا بعدد من المُحفِّزات الرئيسية، ومنها:

1- توجهات النظام التركي: والتي مارست دوراً ما في التكريس للمواقف المجتمعية السلبية تجاه تواجد اللاجئين السوريين. فمن جهة أولى، لم يراعي المسئولون حساسية هذا الملف بالنسبة للمجتمع التركي، حينما أطلقوا تصريحات بين الحين والآخر حول إمكانية منح الجنسية التركية للاجئين. فعندما أثار الرئيس رجب طيب أردوغان احتمال منح اللاجئين السوريين الجنسية التركية في يوليو 2016، قوبل بمعارضة واسعة النطاق حتى بين المؤيدين له. وبالرغم من تراجع أردوغان عن هذا الأمر، فإنه لم يتخل عن فكرة المواطنة بالكامل. وبدلاً من ذلك، ركزت حكومته على توفير الجنسية، بأعداد محدودة، للسوريين الحاصلين على مؤهلات تعليمية أو تجارية أو مهنية ذات قيمة للمجتمع التركي. ووفقًا لوزير الداخلية التركي سليمان صويلو، حصل 76443 سوريًا – حوالي 36000 بالغ وأطفالهم – على الجنسية التركية بحلول أوائل عام 2019.

ومن جهة ثانية، أفضى التدخل العسكري التركي في شمال شرق سوريا إلى تزايد الاستياء المجتمعي من سياسات النظام تجاه الملف السوري، حيث رأى العديدون أن هذا التدخل ينطوي على تكاليف إضافية تؤدي إلى إرهاق الاقتصاد التركي، الذي هو بطبيعية الحال يعاني. وعليه، كان اللاجئون هدفاً لتفريغ حالة الامتعاض لدى البعض على اعتبار أنهم امتداد للأزمة السورية.

ومن جهة ثالثة وأخيرة، فإن استخدام النظام التركي لورقة اللاجئين كأداة للضغط على الدول الأوروبية ومساومتها كرّس لصورة ذهنية للاجئين لدى المجتمع التركي بأنهم مجرد أداة سياسية للنظام الحاكم وأن تعاطف النظام معهم أمر مشكوك فيه، ومن ثم، تضاعف التململ المجتمعي من اللاجئين.

2- الاستقطاب السياسي بين النظام والمعارضة: باتت قضية اللاجئين واحدة من قضايا الاستقطاب بين النظام الحاكم والمعارضة، ففي 22 يوليو الماضي تجدد الجدل السياسي بين النظام والمعارضة حول ملف اللاجئين، حينما أعلن رئيس حزب الشعب الجمهوري كليتشدار أوغلو عزمه ترحيل السوريين إلى بلادهم في حال فوز حزبه بالانتخابات في عام 2023، ليرد عليه الرئيس التركي بقوله أنه لن يسمح بمثل هذا الأمر، وقال في هذا السياق: “يقول (كليتشدار أوغلو) سأرحلهم، مادمنا في السلطة بهذا البلد، فلن نلقي بعباد الله الذين لجؤوا إلينا في أحضان القتلة”، وأضاف: “أقولها بوضوح، هؤلاء لجؤوا إلينا واحتموا بنا، ولا نستطيع أن نقول لهم عودوا من حيث أتيتم، لا يمكن فعل ذلك (ترحيل اللاجئين السوريين) إذا لم يكن طوعاً”.

ويلاحظ في هذا السياق، أن النظام التركي حاول أن يحمل المعارضة التركية مسئولية أحداث العنف التي وقعت في الأيام الماضية في أنقرة. واستمر في سياسة تجاهل أبعاد أزمة اللاجئين السوريين في تركيا. ولعل النموذج الأبرز على ذلك، المقال الذي نشره ياسين أقطاي، مستشار رئيس حزب العدالة والتنمية، على موقع “الجزيرة نت”، في 16 أغسطس الجاري، بعنوان “هل يكره الأتراك اللاجئين حقاً”. وسعى أقطاى في هذا المقال إلى تحميل المعارضة التركية مسئولية ما جرى في أنقرة من اضطرابات بين الأتراك واللاجئين. ولكنه في الوقت ذاته، تجنب تحليل أبعاد تصاعد الاستياء المجتمعي من اللاجئين ودور النظام فيها.

3- التراجع الاقتصادي: فاقمت الأوضاع الاقتصادية في تركيا من حالة الاستياء المجتمعي من اللاجئين، حيث تواجه تركيا مأزقًا اقتصاديًا حادًا. فقد كشفت وزارة التجارة التركية، في 2 أغسطس الجاري، أن العجز في الميزان التجاري زاد بنسبة 52.4% خلال يوليو الفائت، على أساس سنوي، إلى 4.309 مليار دولار وفقاً لنظام التجارة العام. وتوازى ذلك، مع تراجع السياحة الوافدة، خلال النصف الأول من العام الحالي، إلى 4.066 مليون سائح، بعد أن كانت قد وصلت إلى 12.76 مليون سائح في النصف الأول من عام 2019. كما وصل معدل التضخم إلى 18.95% في يوليو الفائت. وواصلت الليرة تراجعها لتصل في بداية أغسطس الجاري إلى 558.8 ليرات لكل دولار.

4- الاعتقاد المنتشر بتهديد اللاجئين: ثمة قناعات باتت مسيطرة على قطاع من المجتمع التركي بأن اللاجئين السوريين يمثلون تهديداً أمنياً واقتصادياً. فعلى الصعيد الأمني، تزايد هذا الاعتقاد عقب تعرض مدن تركية لهجمات إرهابية في السنوات الأخيرة، ليبدأ الأتراك بشكل متزايد في ربط اللاجئين بالعنف، ليس بالضرورة لأن اللاجئين أنفسهم هم الجناة ولكن لأن تدفق اللاجئين أظهر، على ما يبدو، أن تركيا فقدت السيطرة على حدودها، مما سمح بتسلل عناصر إرهابية، على غرار الإرهابي الذي نفذ تفجير انتحاري في ساحة حي السلطان أحمد السياحي باسطنبول في أسطنبول في يناير 2016، ضمن أفواج اللاجئين الذين دخلوا تركيا.

وعلى الصعيد الاقتصادي، ساعد انتشار اللاجئين السوريين في مناطق مختلفة بتركيا على تزايد الاحتكاكات بينهم وبين المواطنين الأتراك حول الفرص الاقتصادية. إذ يواجه العديد من المواطنين الأتراك، خاصة أولئك الأقل تأهيلًا والذين يعملون بشكل غير رسمي، منافسة شديدة على العمل. وفي رؤيتهم، فإن الوجود الهائل للسوريين فرض ديناميكية محصلتها صفر، مما أجبرهم على التنافس على عدد محدود من الوظائف أو قبول أجور أقل.

كما يرتفع خطر الاحتكاك الاجتماعي بشكل خاص في المناطق الحضرية ذات الدخل المنخفض مع الأقليات المهمشة الأخرى، مثل الأكراد. إذ أن المساحة التي كان يشغلها، في الغالب، الأكراد الذين هاجروا من الجنوب الشرقي إلى المدن الكبرى للعمل في القطاع غير الرسمي يشغلها الآن السوريون الذين يقبلون رواتب أقل، ومع المظالم طويلة الأمد التي يحملها الأكراد تجاه النظام التركي، تضاعف الاستياء القائم على تصور أن السوريين يستفيدون من المزيد من المساعدة العامة والقبول الاجتماعي الأكبر، وظهر هذا الاستياء مثلاً في منطقة إيشكنت، الواقعة في مقاطعة بورنوفا بإزمير، والتي تشتهر بمنتجات الأحذية والجلود، حينما قام أصحاب العمل بالاعتماد بصورة متزايدة على العمال السوريين على حساب المواطنين الأتراك من أصل كردي، حتى أن بعض الإحصائيات، في عام 2018، قدّرت نسبة العمال السوريين في المنطقة بنحو 70% من إجمالي العمال، وهو الأمر الذي أدى إلى اشتباكات عديدة بين الطرفين، على نحو يوحي في النهاية بأن أزمات اللاجئين السوريين داخل تركيا قد تتفاقم في المرحلة القادمة.