أدوار متصاعدة:
كيف تعكس أوضاع القبائل تفاعلات المنطقة العربية عام 2021؟

أدوار متصاعدة:

كيف تعكس أوضاع القبائل تفاعلات المنطقة العربية عام 2021؟



صارت القبائل والعشائر أحد الأطراف الرئيسية في التفاعلات الجارية بالدول العربية، خلال عام 2021، سواء بالتصعيد في مواجهة الحكومات نظراً للمعاناة من إشكالية التنمية غير المتوازنة وخاصة في شرق السودان، أو الرهان على ما تقوم به في الحشد والدعم للانتخابات الرئاسية والبرلمانية في 24 ديسمبر الجاري في ليبيا، أو التصدي لهيمنة المليشيات المسلحة في الحالة اليمنية، أو الحفاظ على الهوية العربية للدولة العراقية في ظل تنامي تأثير المكون الكردي والفارسي، أو إجراء تسويات محلية في بؤر الصراعات المسلحة حيث تتنافس “قوات سوريا الديمقراطية” الكردية (قسد) والنظام السوري على كسب العشائر شرق البلاد، أو رفع الغطاء عن الخارجين على القانون مثلما هو الحال في مدينة الخليل الفلسطينية.

وتمثل أوضاع القبائل والأدوار التي تقوم بها والمشكلات التي تعاني منها مرآة عاكسة لما يحدث في المنطقة العربية، على مدار عام 2021، وهو ما توضحه الاتجاهات التالية:

الاختلال التنموي

1- المعاناة من إشكالية التنمية غير المتوازنة: وهو ما ينطبق جلياً على القبائل في شرق السودان، إذ هدد زعماء قبائل “البجا” (وهى إحدى أكبر المكونات السكانية في البلاد)، في 4 ديسمبر الجاري، بالعودة إلى قطع الطرق القومية وتعطيل الموانئ البحرية وإلغاء مسار شرق السودان الذي تم توقيعه بين الحكومة وممثلي شرق السودان في الجبهة الثورية عام 2020، مع الأخذ في الاعتبار أن المطالب السابقة التي رفعتها في سبتمبر الماضي لم يتحقق منها شئ يذكر، في رؤيتها، وهى إنهاء التهميش وتحقيق التنمية لمناطق الشرق، وإلغاء مسار الشرق الذي تضمنته اتفاقية جوبا للسلام، وتغيير الحاضنة السياسية أو توسيعها (الائتلاف الحاكم)، وحل لجنة إزالة التمكين واستبدالها بمفوضية مكافحة الفساد، وحل الحكومة الحالية وتشكيل مجلس عسكري يدير البلاد لفترة انتقالية تعقبها انتخابات.

وفي هذا السياق، قد يشهد شهر ديسمبر الجاري إغلاق ميناء بورتسودان ووضع “حواجز” في العديد من المدن والنقاط الواقعة على الطريق الرئيسي الذي تمر به صادرات وواردات البلاد، وكذلك إغلاق خطى تصدير واستيراد النفط، وذلك بعد انتهاء مهلة الشهر التي حددها زعماء قبائل “البجا”، الأمر الذي ينتج خسائر مالية حادة للاقتصاد السوداني. غير أن هناك مخاوف داخل مناطق في شرق السودان من معاودة الإغلاق لتأثيره المباشر على كافة القطاعات، الأمر الذي يشير إلى انقسام متصاعد وخاصة في ظل التنافس الشديد بين قبيلتى “البني عامر” و”البجا” على النفوذ في شرق السودان، لاسيما أن مسار الشرق حظى به مكون قبيلة “البني عامر”، وهو ما يثير سخط “البجا”.

الصوت الانتخابي

2- الرهان على إنجاح الاستحقاقات الانتخابية: على نحو ما يحدث في ليبيا، حيث تقوم القبائل بالحشد والدعم للانتخابات الرئاسية والبرلمانية في 24 ديسمبر الجاري، بحيث يحكمها الدافع الوطني وليس المحدد المناطقي، مع الأخذ في الاعتبار أن القبيلة هى النواة الرئيسية للمجتمع الليبي، وتشكل قوة مؤثرة في مختلف مفاصل الدولة الوليدة. وثمة تخوف من أن استبعاد أو عدم نجاح أحد المرشحين في الانتخابات قد يؤدي إلى عرقلة إجراء الانتخابات أو عدم الاعتراف بنتائجها، بما قد يسفر عنه الاستمرار في متاهة عدم الاستقرار. وفي هذا السياق، صعَّد اتحاد القبائل الليبية من تحذيراته بعد استبعاد سيف الإسلام القذافي من انتخابات الرئاسة، قبل عودته لاحقاً.

إذ قال الاتحاد، في بيان في 25 نوفمبر الفائت، أن “القوى الظلامية وأذناب الاستعمار لم يرق لهم استقرار البلاد وإنهاء حالة الفوضى، وها هم يعملون على استبعاد الدكتور سيف الإسلام القذافي من قائمة المرشحين لرئاسة البلاد بشتى السبل والوسائل، مستغلة سيطرتها على العاصمة طرابلس وجميع مفاصل الدولة، غير مدركة لما سيترتب على هذا السلوك”، وحذّر الاتحاد “القائمين على القضاء والنائب العام والمفوضية من إقصاء سيف الإسلام من الترشح”، وتوعد من سماهم بالمتدخلين في شئون القضاء والمفوضية بأن “المساس والتلاعب في العملية الانتخابية سيُخلِّف عواقب وخيمة لا تحمد عقباها”.

كما أن هناك حالة أخرى مُعبِّرة عن دور القبائل في العملية الانتخابية، لكن بشكل عكسي، وهى مقاطعة منطقة القبائل الانتخابات البرلمانية في الجزائر، التي أجريت في 12 يونيو الماضي، الأمر الذي يمثل تكراراً لسلوك سائد في معظم الاستحقاقات الانتخابية. ويحمل ذلك رسالة رئيسية لأبناء القبائل بعدم الرضا عن السياسات الحكومية، ورغبة البعض في الانفصال عن الوطن الأم وهو ما تطالب به حركة “ماك”، على نحو يعكس تزايد الملاحقات الأمنية في منطقة القبائل.

وفي هذا الإطار، نشرت “لجان قرى ومداشر القبائل” (أعيان المنطقة) في 30 نوفمبر الفائت، لائحة على المنصات الرقمية الاجتماعية، زعمت فيها أن هناك وضعاً سيئاً من اعتقال وترهيب وسجن، مس دون تمييز نساءاً ورجالاً ومثقفين وفنانين وسياسيين وحتى مواطنين عاديين. وقد تمثل الدافع وراء قيام أجهزة الأمن بذلك في تفكيك شبكات تنتمي لحركة سياسية مصنفة على أنها “منظمة إرهابية”، تطالب بشكل صريح بانفصال منطقة القبائل عن باقي البلاد، وهو ما يشير إلى حركة الحكم الذاتي بالقبائل، التي صنفتها الحكومة على أنها “تنظيم إرهابي” وأصدرت مذكرة اعتقال دولية ضد رئيس حكومة القبائل المؤقتة فرحات مهني المقيم بفرنسا.

الخزَّان القتالي  

3- التصدي لهيمنة المليشيات المسلحة: ولعل ذلك بالغ الوضوح في الحالة اليمنية، إذ دعا تجمع قبلي في محافظة شبوة، في لقاء موسع في 16 نوفمبر الفائت، إلى ضرورة التصدي لمليشيا الحوثي بعد قيام ممثلي الإخوان المسلمين في المحافظة بتسليمهم مديرية بيجان غرب المحافظة دون قتال، وقال وجهاء وأبناء القبائل أن “تسليم بيحان في هذا الوقت الحرج هو رسالة لكل أبناء شبوة لكى يقفوا موقفاً واحداً لوقف هذا المخطط الخطير ومنع تسليم مناطقهم ومديرياتهم مهما كان الثمن”، ويعكس ذلك انهيار المنظومة الأمنية واستشراء الفساد داخل المرافق الحكومية بالمحافظة، في الوقت الذي يرتفع معدل الفقر والبطالة في أوساط الشباب بشبوة.

في سياق متصل، أشارت بعض وسائل الإعلام اليمنية والعربية خلال الأيام القليلة الماضية إلى قيام مليشيا الحوثي باختطاف وتصفية عدد من مشايخ القبائل في محافظات مثل عمران وحجة وصنعاء وتعز وإب لرفضهم المساهمة في حملات التعبئة والتجنيد في ساحات القتال، وهو ما يأتي في سياق محاولة المليشيا تعويض النقص في صفوف مقاتليها. ولعل ذلك يفسر مطالبة المجتمع الدولي والأمم المتحدة والمبعوثين الأممي والأمريكي بإدانة عمليات التجنيد الإجباري التي تنفذها المليشيا في مناطق سيطرتها باعتبارها جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية، وإدراجها ضمن قوائم الإرهاب، وملاحقة قياداتها في المحاكم الدولية.

الانتماء العروبي

4- الحفاظ على الهوية العربية للدولة الوطنية: وتعد الحالة العراقية مثالاً على ذلك. ففي هذا السياق، عقد في بغداد مؤتمر، في 21 سبتمبر الماضي، طالب المشاركون فيها بتأسيس مركز عشائري عربي من شيوخ عموم القبائل للحفاظ على هوية العشائر ووضع لبنة أولى لمجلس تعاون القبائل العربية لأن الحدود القائمة بين الدول مصنوعة والقبائل هى امتداد لنظائر لها في الدول العربية، وهو ما يعكس الثقل الاجتماعي للقبائل وخاصة في لحظات التغيير الداخلي.

النفوذ الميداني

5- إجراء تسويات محلية في بؤر الصراعات المسلحة: عقدت مليشيا “قوات سوريا الديمقراطية” (قسد) اجتماعاً مع وجهاء وشيوخ عشائر مناطق مختلفة من محافظة الحسكة، في 27 نوفمبر الفائت، للاستماع إلى مطالب أبناء المنطقة والتشاور مع الشيوخ والوجهاء بشأن إطلاق سراح المعتقلين الذين تم اعتقالهم في فترات متفاوتة بتهم مختلفة منها الانتماء لتنظيم “داعش” والعمل مع المليشيات الموالية لتركيا، وتحسين الأوضاع المعيشية لأبناء المنطقة، وتوفير الخدمات الأساسية، ودعم القطاع الزراعي. وقد تزامن ذلك مع محاولات يجريها النظام السوري للتوصل إلى تسويات “محلية” في دير الزور.

السلم الأهلي

6- رفع الغطاء عن الخارجين على القانون: طلب رئيس الوزراء الفلسطيني محمد أشتيه من وجهاء العشائر في الخليل بالضفة الغربية، خلال لقاء جمعه بهم في 25 سبتمبر الماضي، رفع الغطاء عن الأشخاص المنفلتين في المدينة بما يؤدي إلى الحفاظ على السلم الأهلي لاسيما بعد تصاعد الشكاوى من تهديدات موجهة لمسئولي السلطة بعدم القدرة على دخول المدينة، التي تتميز بسيطرة العشائر وكثرة السلاح في أيدي الأفراد والتنظيمات والعائلات والجماعات خارج القانون. فهدف أشتيه هو توظيف العشائر كدرع واقي ضامن لسيادة القانون، فضلاً عن تنفيذ مشروعات تنموية من طرق ومياه وكهرباء ومدارس ومستشفيات وغيرها.

مداخل مختلفة

خلاصة القول، إن هناك أدواراً متصاعدة للقبائل في مواجهة الحكومات العربية للمطالبة بالخروج من دائرة الإقصاء والتهميش الذي عانت منه على مدى عقود، وتراجع تمثيلها في مؤسسات الحكم الانتقالي، وإنجاح الاستفتاءات التي تطبقها حكومات في مراحل انتقالية، ومواجهة تمدد المليشيات المسلحة، وتقوية الروابط القائمة بين القبائل عبر الدول العربية بما يعزز هويتها العربية، ورفع الغطاء عن المنفلتين لتعزيز سيادة القانون.