المرونة المناخية:
كيف تساعد “المدن الإسفنجية” في مواجهة مشكلات الفيضانات والمياه بالمنطقة العربية؟

المرونة المناخية:

كيف تساعد “المدن الإسفنجية” في مواجهة مشكلات الفيضانات والمياه بالمنطقة العربية؟



ترفع التغيرات المناخية من مخاطر واحتمالات حدوث وتكرار الظواهر الجوية المتطرفة، مثل الفيضانات وحالات الجفاف. وبينما تؤدي كوارث الفيضانات إلى خسائر كبيرة في الأرواح، وخسائر جسيمة أيضاً في المرافق والبنية التحتية مثل النقل والاتصالات السلكية واللا سلكية والطاقة، فإن ذلك يطرح تحدياً على الحكومات في مختلف الدول يتعلق بكيفية تصميم وتطوير بنية تحتية مرنة قادرة على مواجهة وتحمل مخاطر الفيضانات والتقليل من أضرارها. وتبرز في هذا الإطار الأفكار والخطط الصينية لبناء “مدن إسفنجية” قادرة على امتصاص مياه الفيضانات، كنموذج تتطلع دول العالم التي تعاني المخاطر والمخاوف ذاتها لدراسة كيفية الاستفادة منه وتعميمه، والموازنة بين بناء المناطق الحضرية، وبين المتطلبات البيئية، وتعزيز المرونة المناخية، والتخفيف من آثار الفيضانات.

يرتبط 44% من الكوارث الطبيعية في العالم بالفيضانات. وأعلنت الهيئة الحكومية الدولية المعنية بتغير المناخ (IPCC) أن 700 مليون شخص يعيشون بالفعل في مناطق زادت فيها معدلات هطول الأمطار الشديدة، مع توقعات بارتفاع هذا الرقم مع ارتفاع درجات الحرارة العالمية، وازدياد تعرض المدن للفيضانات وندرة المياه. ومن المتوقع أن يعيش 70% من سكان العالم في المناطق الحضرية بحلول عام 2050، ثلثاهم في البلدان المنخفضة والمتوسطة الدخل. ويمكن أن تؤدي الظواهر المناخية المتكررة والشديدة مثل العواصف والفيضانات والجفاف إلى نزوح أكثر من 200 مليون شخص بحلول عام 2050.

نموذج صيني

يعد نموذج “المدن الإسفنجية” على مستوى الفكرة والتطبيق نموذجاً صينياً تسعى العديد من الشركات إلى ترويجه ونقله عالمياً، وهو ما يمكن تناوله على النحو التالي:

1 اقتراح “كونغجيان يو” مفهوم “المدينة الإسفنجية”: اقترح البروفيسور الصيني كونغجيان يو، مهندس تنسيق المواقع وأستاذ هندسة المناظر الطبيعية بجامعة بكين، مفهوم “المدينة الإسفنجية” في عام 2013، فيما تُرجع كتابات أخرى أصول الفكرة إلى عام 2000. حيث دعا “يو” إلى استغلال الموارد الطبيعية لبناء مدن مقاومة لمياه الفيضانات، عبر إنشاء مساحات واسعة للاحتفاظ بتلك المياه في مراكز المدن مثل الساحات والبرك. كما توفر البنية التحتية الإسفنجية طرقاً لتخزين المياه، وإعادة استخدامها في أوقات الجفاف. فبدلاً من رصف الأرض بالخرسانة والأسفلت العاديين اللذين لا يسمحان بنفاذ المياه والأنابيب والسدود التي تنقل المياه بعيداً عن المدينة إلى الأنهار والبحور؛ اقترح “يو” إضافة مساحات خضراء يمكن أن تمتص مياه الأمطار الزائدة كالإسفنج، وتوجيه المياه بشكل ثابت في التربة لدعم الحياة النباتية، أو في الخزانات لتخزينها وإعادة استخدامها.

2- أصول أوروبية لمفهوم “المدن الإسفنجية”: رغم أن مفهوم “المدن الإسفنجية” يعد على نطاق واسع مفهوماً صينياً إلا أن أصوله ترجع إلى “الحلول المستندة إلى الطبيعة – NBS”، وهو مفهوم أوروبي يشجع النظر في خيارات أوسع تجمع بين تعزيز البنية التحتية الخضراء والزرقاء، مع الاستفادة من الهندسة التقليدية لتقديم أنظمة متكاملة للبنية التحتية بمكوناتها الرمادية والخضراء والزرقاء. كما تشير دراسات إلى أن “كونغجيان يو” استوحى فكرته من استراتيجيات الإدارة المتكاملة للمياه الحضرية (IUWM)، بما في ذلك أنظمة الصرف المستدامة (SuDS) في المملكة المتحدة، والتطورات منخفضة التأثير (LID) في الولايات المتحدة.

3– انتقاد استعارة الدول الآسيوية لنظم إدارة المياه الأوروبية: ارتبطت فكرة “المدن الإسفنجية” وغيرها بانتقاد استعارة الدول الآسيوية لنظم إدارة المياه التي تتبعها الدول الأوروبية، لاختلاف سمات الطقس، باعتبار أن أنماط الطقس غير مؤكدة تماماً في البلدان الاستوائية، وكمية هطول الأمطار خلال فترة زمنية محدودة أعلى، بينما تم تصميم تلك النظم لمناخات أوروبا المعتدلة. وقد انتقد “كونغجيان يو” الكثير من المدن والمباني والطرق الحديثة في آسيا بسبب بنائها على أفكار أوروبية، واعتبرها غير مناسبة للأمطار الغزيرة التي تهطل على جزء كبير من القارة الآسيوية، في ظل عدم مرونتها. وأشار إلى أن الدول الأقل تقدماً يجب عليها التخطيط مسبقاً عند بناء مناطق حضرية جديدة، والحفاظ على الأراضي الرطبة للسماح بالصرف، بدلاً من الاضطرار إلى إجراء تعديلات مكلفة بعد ذلك.

4– ارتباط فكرة “المدن الإسفنجية” بالخبرة الآسيوية: ترتبط فكرة “المدن الإسفنجية” الصينية بالخبرة الآسيوية بشكل عام، حيث تعتبر الفيضانات ظاهرة مألوفة للغاية بالنسبة لقطاع كبير من سكان المدن في آسيا. ويعيش أكثر من نصف سكان الحضر في آسيا والمحيط الهادئ في السهول الفيضية والمناطق الساحلية المنخفضة. وتسببت الفيضانات الشديدة والمتكررة خلال السنوات الأخيرة في خسائر كبيرة في الأرواح وأضرار مادية. بالإضافة إلى توقعات ازدياد تعقد وخطورة تلك المشكلة بفعل التغيرات المناخية. حيث وجدت مدن آسيا أنها “تحتاج بشكل عاجل إلى إعادة اختراع نفسها لتصبح أكثر مرونة في مواجهة آثار تغير المناخ والفيضانات وندرة المياه”، على حد تعبير ستيفان راو، اختصاصي التنمية الحضرية في بنك التنمية الآسيوي.

5– إطلاق الصين مشروع المدن الإسفنجية: أطلقت الحكومة الصينية عام 2015 مشروع “المدن الإسفنجية” التجريبي في 16 مدينة، وأضافت 14 مدينة أخرى عام 2016. وتستهدف بكين بحلول عام 2030 أن تمتص 80٪ من المناطق الحضرية ما لا يقل عن 70٪ من مياه الأمطار وتعيد استخدامها، مما يساعد في زيادة مخزون المياه. وذلك عبر تغطية أسطح الأبراج بالنباتات، وتخزين الأراضي الرطبة لمياه الأمطار، وبناء أرصفة قابلة لاختراق المياه وتخزين المياه الزائدة، والسماح بتبخر المياه من أجل اعتدال الحرارة. وذلك بتكلفة تقديرية تبلغ تريليون دولار أمريكي. وقد استثمرت الحكومة الصينية أكثر من 12 مليار دولار منذ عام 2014، لمساعدة المدن على إنشاء طبقات إسفنجية على 20٪ من مساحاتها، بهدف الاحتفاظ بـ80٪ من مياه الأمطار، أو إعادة استخدامها.

6- اعتبار “لينجانج” أكبر منطقة تجريبية إسفنجية بالصين: أعلنت “لينجانج” بشنغهاي الصينية عام 2016 أنها ستصبح مدينة إسفنجية، بمساحة تبلغ 79 كم مربع، كأكبر منطقة تجريبية لمدينة إسفنجية في الصين. حيث تم تشييد شوارع واسعة بأرصفة قابلة لتصريف المياه إلى التربة، وتغطية المباني بأسطح خضراء وخزانات مياه، وجمع المياه في حدائق الأمطار، بينما تعمل بحيرة ديشوي الاصطناعية على التحكم في تدفق المياه.

7- تضرر الصين من الفيضانات الشديدة: تُرجع العديد من التقارير إقرار الحكومة الصينية مشروع “المدن الإسفنجية” إلى الفيضانات الكبيرة التي شهدتها البلاد عام 2012. كما أن الصين تفقد سنوياً ما يقدر بنحو 1% من الناتج المحلي الإجمالي ​​بسبب الفيضانات، وتتعرض أكثر من 640 مدينة لمخاطر الفيضانات، ويعيش 67% من سكانها في مناطق معرضة للفيضانات.

8- تطور المعالجات الصينية لمسألة المياه: يعتبر مشروع المدن الإسفنجية تطويراً للاهتمام الصيني بمعالجة مسألة المياه، فبعدما كانت سياسة إدارة الموارد المائية الصينية تعتمد فقط على الإجراءات الهندسية كالسدود والقنوات وتحويلات المياه؛ وضعت الحكومة الصينية منذ مطلع القرن الحالي سياسة بناء مجتمعية موفرة للمياه، وبدأت المدن الكبرى في إدارة مياه الأمطار بشكل أفضل عبر تحسين أنظمة الصرف الحضرية وأعمال معالجة تلوث المياه. ثم لجأت بين عامي 2008 و2010 إلى استراتيجيات لتحسين إعادة التوزيع المكاني لموارد المياه، قبل أن تطرح بعد ذلك خطط التحول نحو “المدن الإسفنجية”.

9- إرجاع التطبيقات الأولى للمدن الإسفنجية إلى دول أخرى: رغم أن مشروع المدن الإسفنجية تم تنفيذه لأول مرة على نطاق واسع في الصين؛ فإن بعض الدراسات تعيد الجذور التطبيقية الأولى للفكرة إلى محاولات دول أخرى، مثل مدينة “حيدر أباد” الهندية التي بدأت سلطاتها في جمع مياه الأمطار لتعويض الطلب على المياه خلال موسم الزراعة، وتبني مدينة “فينه” الفيتنامية استراتيجية “المدينة كإسفنج” لتقليل آثار الفيضانات الموسمية على المناطق الحضرية المعرضة للخطر، ومحاكاة العمليات الهيدرولوجية والبيئية الطبيعية.

احتياج بيئي

يمثل مشروع “المدن الإسفنجية” احتياجاً بيئياً، ويعالج بعض الإشكاليات، الأمر الذي يمكن تناوله على النحو التالي:

1- تدمير المدن الحديثة النظم الطبيعية لتصريف المياه: بينما كانت الحدائق والمتنزهات تمتص مياه الأمطار من الأرض بعد سقوطها بغزارة، فإن توسع المدن وانخفاض مساحات الأرض الزراعية، حد من عملية تصريف المياه الزائدة. حيث يشار إلى تدمير النظم الطبيعية لتصريف الأمطار من البرك والأنهار والأراضي الرطبة، واستبدالها بالسدود والحواجز والأنفاق، كأحد السمات السلبية للمدن الحديثة. وفي ظل عدم استيعاب نظام الصرف الصحي الحالي كل هذه المياه، ظهرت فكرة المدن الإسفنجية.

2- عدم مراعاة التوسع الحضري للتغيرات المناخية: مع تزايد مخاطر الفيضانات الناجمة عن التغيرات المناخية، فإن التوسع الحضري المتنامي بفعل الزيادة السكانية الذي غطى السهول الفيضية بالخرسانة لم يراعِ تلك المخاطر، فمع الاعتماد على البنية التحتية الأسمنتية، وتقلص المساحات الخضراء، وعدم قدرة أنظمة الصرف في المدن على مواجهة مخاطر الفيضانات المتزايدة بفعل التغيرات المناخية؛ تزايدت إشكاليات تصريف المياه في المناطق الحضرية. وتشير دراسات إلى أن معظم المدن اليوم ليست مبنية للتعامل مع هذا النوع من الطقس المتطرف الذي يسببه تغير المناخ، وتجعل بنيتها الخرسانية موجات الحرارة أكثر سخونة، وتصد المياه.

3- عدم كفاية السدود التقليدية: فيما ركزت الحكومات على بناء السدود والحواجز لمنع الفيضانات النهرية والتخفيف من آثارها، فإن الأمطار والفيضانات الغزيرة حدت من فاعلية تلك السدود في ضمان حماية المدن، فضلاً عن تعقيد ضوابط تحكم السدود في الفيضانات، بسبب عدم القدرة على توقع تغير المناخ. وقد انهار سدان في منغوليا الداخلية بالصين، في يوليو 2021، بسبب الأمطار الغزيرة. وسبق ووصف أستاذ هندسة المناظر الطبيعية بجامعة بكين، كونغجيان يو، خلال المنتدى الاقتصادي العالمي عام 2019، النهج السابق للوقاية من الفيضانات بأنه “خاطئ تماماً”، موضحاً أن استخدام السدود والهياكل الخرسانية لتوجيه الأنهار والحماية من الفيضانات وتصريف المياه، تسبب بدوره في حدوث فيضانات والإضرار بالنظام الطبيعي وعدم مراعاته.

4– التطور المستمر لأفكار صرف المياه الزائدة: تعتبر فكرة “المدن الإسفنجية” تطويراً للعديد من المشروعات والأفكار التي هدفت إلى تطوير عملية صرف المياه، حيث بُنيت على فكرة زيادة المساحات النفّاذة للمياه وزيادة وسائل تخزينها ولو لفترة مؤقتة إلى حين توقف المطر على الأقل، وتقليل التدفق السطحي للمياه. فقد بدأت في سبعينيات القرن العشرين دراسة العلاقة بين التخطيط الحضري وتحسين طُرق تصريف المياه بشكل مكثف. ثم عملت الولايات المتحدة في الثمانينيات على تطوير وسائل بسيطة وغير مُكلفة لتصريف مياه الأمطار. ثم تبنّت أستراليا في التسعينيّات مراعاة تصريف المياه في عملية التخطيط الحضري. ومع بداية القرن الحالي بدأ التوجه نحو تصميم شبكات مستدامة لتصريف المياه، وصولاً إلى فكرة “المدن الإسفنجية”، وهو ما يشير إلى تطور الأفكار التي تضطلع بمواجهة المياه الزائدة وتلافي تأثيراتها التدميرية.

مزايا الإسفنج

بجانب معالجة بعض الإشكاليات، واعتبار “المدن الإسفنجية” احتياجاً بيئياً، فإن لها عدداً من المميزات والسمات، منها:

1- ربط المدن الإسفنجية بأهداف التنمية المستدامة: يرتبط مقترح “المدن الإسفنجية” بأهداف التنمية المستدامة، وبالتحديد الهدف الحادي عشر الذي ينص على جعل المدن والمستوطنات البشرية شاملة للجميع وآمنة وقادرة على الصمود ومستدامة، عن طريق تقليل الآثار السلبية للكوارث الطبيعية، والتأكد من تمكين وصول كل فرد لمساحات خضراء، ومعالجة تأثير المدن البيئي.

2- امتصاص المياه ثم إطلاقها تدريجياً كالإسفنج: يتم تصميم المدن الإسفنجية من أسطح مسامية ومساحات قادرة على الاحتفاظ بالمياه؛ حيث تمتص الأرصفة القابلة للاختراق، والحدائق، والأسطح الخضراء، والأراضي الرطبة الحضرية، وغيرها المياه أثناء العواصف والفياضات، ثم تنقي التربة المياه وتعيد إطلاقها بعد ذلك تدريجياً مثل الإسفنج.

3- التخفيف من آثار الجفاف: لا تتوقف حدود الاستفادة من “المدن الإسفنجية” على تجنب مخاطر الفيضانات والزيادات المفاجئة في المياه فقط، بل تعمل تلك المدن بشكل عام على تصميم وتشغيل دورة هيدرولوجية بديلة تعيد استخدامها بعد ذلك للمساعدة في التخفيف من تأثير الجفاف.

4- تخفيف درجة الحرارة وتقليل الوفيات الناجمة عنها: فيما تصف بعض الدراسات الحرارة في المناطق الحضرية باعتبارها “قاتلاً صامتاً” وواحدة من أخطر التهديدات المرتبطة بالطقس، فإن الاعتماد على الطوب المسامي والخرسانة المسامية ضمن مشروعات المدن الإسفنجية يمكن أن يخفض درجة حرارة السطح بمقدار 12 و20 درجة مئوية على التوالي، وتقليل حرارة الهواء درجة مئوية. ويمكن للسقف الأخضر، الذي يغطيه الغطاء النباتي، أن يقلل كذلك درجة الحرارة المحيطة ويخفف من الإجهاد الحراري من خلال التبريد التبخيري في الصيف. وبذلك يمكن أن تساهم “المدن الإسفنجية” في تقليل الوفيات الناجمة عن الحرارة في المناطق الحضرية.

تحديات متعددة

تشير خبرة “المدن الإسفنجية” إلى عدد من المعوقات، منها:

1- إثارة الشكوك في كفاءة النظام الإسفنجي بمدينة “تشنغتشو”: رغم إنفاق أكثر من 80 مليون دولار على بناء وتصميم النظام الإسفنجي لإنشاء أحزمة خضراء، وطرق مرنة للمياه، وآبار تجميع، للحد من مخاطر الفيضانات بمدينة “تشنغتشو” الصينية منذ عام 2016، فإن تلك المدينة واجهت تحدياً أثار الشكوك في كفاءة نظامها الإسفنجي في يوليو 2021. حيث غمرت الأمطار الغزيرة المفاجئة المنطقة المصممة لامتصاصها بسرعة، وتسببت في فيضانات هائلة وصلت تأثيراتها إلى نظام مترو الأنفاق والطرق السريعة، مما أشار حينها إلى عدم قدرة النظام الإسفنجي للمدينة على تحمل العواصف والفيضانات الكبيرة التي لا تتكرر كثيراً، وأن التربة تتشبع بسرعة كبيرة جداً في مثل تلك الحالات. وقد أدى الفيضان إلى قطع الكهرباء، ومياه الشرب، وشبكات الإنترنت والاتصالات في المدينة والمناطق النائية، مما أثر على 13 مليون شخص، وأُجبر أكثر من مليون صيني على ترك منازلهم. كما تم القضاء على نحو 182 ألف هكتار من المحاصيل الزراعية، والآلاف من الماشية في الأراضي الزراعية المحيطة، وهو ما زاد من الأضرار الاقتصادية الإجمالية المقدرة بأكثر من 10 مليارات دولار.

2- الحاجة إلى تعزيز المشاركة العامة والخبرة المحلية: تحتاج مشروعات البنية التحتية الخضراء وبناء المدن الإسفنجية إلى تعزيز المشاركة العامة، حيث أدى الافتقار إلى المشاركة العامة في الصين بسبب نهج التخطيط المركزي وتمرير السياسات من أعلى إلى أسفل إلى إبطاء التنفيذ. إلا أن ذلك يستدعي في الوقت ذاته تعزيز الخبرات المحلية للحكومات والمجالس المحلية التي ستساعد في تنظيم وتضمين هذه المبادرات المعقدة، لأن غياب تلك الخبرات يؤدي إلى إبطاء العمل أو تعثره. كما أن عدم إشراك المواطنين في عملية صنع القرار من شأنه أن يؤدي إلى انخفاض قبول “المدن الإسفنجية”، وضعف التعاون بين السكان والمستثمرين والمقاولين، مما يقلل من فرص النجاح.

3- نقص وجود تمويل كبير: تعتبر المدن الإسفنجية مكلفة، حيث يعد نقص التمويل أحد المعوقات التي تواجه تصميم وتنفيذ تلك المدن، باعتبار أن تنفيذ النموذج الإسفنجي في البيئات الحضرية مرتفع التكلفة، حيث قدرت إحدى الدراسات الصينية التكلفة بـ 15 إلى 22 مليون دولار للمتر المربع. وبينما يشير بعض المؤيدين إلى أن دمج التصميمات الإسفنجية في تصميمات المدن الجديدة يمكن أن يكون أقل تكلفة من أنظمة الصرف الصحي التقليدية، فإن هذا لا ينطبق على إعادة تصميم بنية تحتية إسفنجية في المدن ذات النظم التقليدية الموجودة بالفعل.

وفي الصين، رغم تشجيع وزارة الإسكان والتنمية الحضرية والريفية الصينية الشراكة بين القطاعين العام والخاص للمساعدة في تمويل بناء المدن الإسفنجية؛ فقد كشفت إحدى الدراسات أنه لا توجد أمثلة كثيرة على نجاح الشراكات الاستثمارية بين القطاعين العام والخاص في هذا الملف، خاصة في ظل انخفاض الثقة بين المستثمرين من القطاع الخاص والحكومة المركزية، وتعرض 19 من 30 مدينة تجريبية لمخاطر الفيضانات والآثار ذات الصلة منذ إطلاقها، وهو ما مثّل إشارة غير مشجعة على أداء تلك المدن. وبينما وعدت الحكومة بتمويل 16 مدينة إسفنجية على المدى القصير، فإنها تبحث عن شراكات بين القطاعين العام والخاص للقيام باستثمار اجتماعي طويل الأجل، إلا أنها تواجه تحدياً يتعلق بكيفية تحقيق تلك المدن الأرباح للمستثمرين، لإقناعهم بالاستثمار بها.

إلا أن ما يساعد على تجاوز إشكالية التمويل هو أن نظام المدن الإسفنجية مرن ويمكن التعديل عليه، حيث لا يتم هدم المدن القديمة وإعادة بنائها بشكل إسفنجي، بل يمكن إجراء تعديلات وإضافة بعض التحسينات كل فترة. كما بدأت بعض المدن الأمريكية، مثل بيتسبرغ ولوس أنجلوس، في فرض رسوم على مالكي الأراضي والعقارات مقابل تكاليف معالجة جريان مياه الأمطار؛ حيث يتم تحصيل رسوم أعلى من مالكي المنشآت ذات الأسطح غير النفاذة، بحيث تُخصص أموال الرسوم والضرائب المفروضة في هذا الشأن لتعديل البنية التحتية الحالية وبناء مشروعات ومدن إسفنجية. وبشكل عام، فإن المؤيدين للمدن الإسفنجية يرون أن الاستثمار لمرة واحدة ليس ثمناً باهظاً للغاية مقابل تصميم وتنفيذ نموذج عملي يمكن أن يوفر منافع دائمة. ولكن مع ذلك، هناك أهمية لأخذ الظروف الاجتماعية والاقتصادية للدولة في الاعتبار، وقابلية النموذج للتنفيذ على مستوى القاعدة الشعبية وفي المناطق الريفية النائية، وفاعليته من حيث التكلفة.

حاجة إقليمية

تحتاج منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، وفي القلب منها العالم العربي، إلى تسليط الضوء على “المدن الإسفنجية” والتفكير في الاستفادة منها لعدة أسباب، منها:

1- عدم توقع التغيرات المناخية عند تصميم المدن الخليجية: تشير العديد من التقارير إلى أن التخطيط العمراني للدول العربية، ولدول الخليج بشكلٍ خاص، ورغم مظاهر التطور العمراني والاهتمام بالبعد الجمالي والترفيهي، لم يأخذ في الحسبان بالقدر الكافي أن تكون الدول بعد ذلك عُرضة للتقلبات المناخية، وأن تشهد عواصف وأمطاراً غزيرة تؤدي إلى غرق مساحات واسعة. وأن المهندسين الذين أشرفوا على التطوير العمراني في دول الخليج لم يولوا الاهتمام الكافي بمسألة تصريف مياه الأمطار، لعدم توقعهم أن تُعاني تلك الدول بعد ذلك من الفيضانات والسيول بشكل كبير.

2- إشكاليات التوسع الحضري في الدول العربية: شهدت العديد من الدول العربية عملية توسع في مدنها وحضرها على هيئة امتدادت حضرية أفقية واسعة، وعانى هذا التوسع في العديد من الحالات مثل الحالة السعودية من غياب نظام تصريف طبيعي، أو تزويد البنية التحتية بشبكات أنابيب لصرف مياه الأمطار الزائدة بفعالية، في الوقت الذي اتسم فيه هذا التمدد الحضري بترسيخ طبقة أفقية مصمتة من الطرق الأسفلتية، والأرصفة والمباني الأسمنتية غير المسامية مما يمنع نفاذ نسبة عالية من مياه الأمطار إلى باطن الأرض للاستفادة منها، فيحرم تلك الدول من فرص تغذية الخزان الجوفي بتلك المدن للاستفادة من تلك المياه بعد ذلك، كما يزيد من مخاطر التعرض لكوارث السيول خلال هطول الأمطار.

3- تزايد احتمالات العواصف والسيول في منطقة الخليج: باتت التغيرات المناخية تشكل مخاطر واضحة على العالم بشكل عام، وكذلك على المنطقة العربية ودول الخليج المعروفة بالرطوبة وارتفاع درجة حرارتها، فكلما زاد دفء الهواء زادت كثافة هطول الأمطار، مما يرفع من احتمالات معاناة المنطقة من العواصف الشديدة والسيول. وقد ضربت موجة من الأمطار الغزيرة والسيول بالفعل إيران واليمن والإمارات العربية المتحدة في يوليو 2022، وأسفرت عن خسائر بشرية وأضرار بالطرق والمنشآت والممتلكات، وأدت إلى إخلاء آلاف الأشخاص مساكنهم والاحتماء بأماكن إقامة موقتة.

4– أهمية التفات دول المنطقة إلى مخاطر التغيرات المناخية: تجادل العديد من الشركات بأن نموذج “المدن الإسفنجية” يمكن أن يعمل بشكل جيد في منطقة الشرق الأوسط التي تحتاج إليه في ظل التغيرات المناخية التي تفرض واقعاً جديداً بالمنطقة. وعلى سبيل المثال، قال تشاندرا داكي، الرئيس التنفيذي لشركة “Dech Rechsand” المتخصصة في الحلول المستدامة بدبي، أنه رغم وجود تصور بأن الشرق الأوسط لا يحتاج إلى القلق من الفيضانات لندرتها، فإن الأحداث الأخيرة وتغير المناخ يدفعان نحو إعادة التفكير في تلك الآراء. وهو ما توافق مع دعوة مي فرج، المديرة الاستشارية الأولى للبيئة والاستدامة في شركة الاستشارات الهندسية WSP بالشرق الأوسط، إلى أخذ تغير المناخ في المنطقة على محمل الجد. خاصة أن الشرق الأوسط به الكثير من الرطوبة ودرجات الحرارة المرتفعة، الأمر الذي يمكن أن يؤدي إلى نوبات من العواصف الشديدة، ومع زيادة دفء الهواء، تزيد كثافة هطول الأمطار.

5– حث المدن الأفريقية على الحفاظ على المساحات الطبيعية: أظهرت الدراسة التي نشرتها الهيئة الاستشارية الدولية لتطوير الاستدامة “أروب”، في نوفمبر 2022، عن إسفنجية 5 مدن أفريقية، عبر أخذ عينة مساحية تقدر بـ 150 كم مربع لمدن القاهرة وديربان وكيجالي ولاجوس ونيروبي، والاستعانة بتقنيات الذكاء الاصطناعي لتحديد المساحة الكمية للبنية التحتية الخضراء من عشب وأشجار، والزرقاء من البحيرات والواحات، مقارنة بمساحة المناطق الرمادية من مباني ومسطحات صلبة، أن إسفنجية القاهرة تقدر بحوالي 20%، ونيروبي 34%، ولاجوس 39%، وديربان 40%، وكيجالي 43%. مع الإشارة إلى أن القاهرة أمطارها قليلة وغير معرضة لتهديد السيول، باستثناء ما حدث في مارس 2020 وأدى إلى العديد من الأضرار. ومع ذلك، فإن نتائج المدن الأفريقية أفضل من مدن أوروبية خضعت للدراسة مطلع العام الحالي، وأظهرت أن إسفنجية لندن 22%، وسيدني 28%. وحثت الدراسة المدن الأفريقية على حماية أراضيها وتنفيذ استراتيجيات تساعد في تأهيلها لتحمُّل التحديات المناخية كالأمطار الغزيرة، وتلافي أخطاء الدول الغربية التي اعتمدت خلال نموها على حلول الخرسانة الكربونية، بينما يجب الحفاظ على البقايا الطبيعية بالمدن الأفريقية والانتفاع بها، والاستفادة من الحلول الطبيعية في مواجهة التحديات المناخية. خاصة أن أكثر من نصف السكان في العديد من المدن الافريقية يعيشون في أماكن عشوائية، وتعتبر الفيضانات تهديداً مباشراً لهم، حيث شهدت القارة 676 فيضان في القارة الأفريقية بين عامي 2001 و2018.

فرص الإقليم

على المستوى الإقليمي، فإن نموذج “المدن الإسفنجية” يطرح فرصاً عبر تطبيقه في العالم العربي بشكل خاص، وفي منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا بشكلٍ عام، مما يمكن تناوله على النحو التالي:

1- استغلال حالة التوسع العمراني في الدول العربية: تشهد العديد من الدول العربية حالة من التوسع العمراني وبناء المدن الجديدة، كما أصبحت مفاهيم مثل “المدن الذكية” و”المدن الصديقة للبيئة” مفاهيم استرشادية عند بناء وتصميم المدن الجديدة، وهو ما يجعل هناك فرصة مواتية لإدماج مفهوم “المدن الإسفنجية” في عمليات تصميم وبناء المدن الجديدة في المنطقة العربية.

2– إمكانية الاستفادة من المدن الإسفنجية في مواجهة الفيضانات بالشرق الأوسط: يمكن للمدن الإسفنجية أن تساعد في معالجة مشكلتي الفيضانات وندرة المياه في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، وتقليل العبء على أنظمة الصرف الصحي، عبر استخدام مواد مسامية مثل تلك التي غالباً ما تتعرض للأمطار، وهي أحجار فعّالة في توفير تصريف الأمطار والثلج المذاب أو المياه الجليدية على جانب الطريق. بحيث تمتص المادة المسامية مياه الأمطار وتحافظ على السطح خالياً من الفيضانات.

3- توفير المدن الإسفنجية مصدراً جديداً للمياه بدول المنطقة: رغم تساقط الأمطار، فإن اقتصادات منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا تعاني من نقص المياه. وهنا يتبدى جانب آخر لأهمية المدن الإسفنجية، فإلى جانب امتصاصها للمياه، يمكن الاستفادة منها عبر إعادة استخدام مياه الأمطار وتوجيهها إلى المصارف وتخزينها في خزانات تحت الأرض، وتوفير المياه النظيفة، مما يُقلل من الحِمل الحالي على محطات تحلية المياه التي تستهلك كميات كبيرة من الطاقة، وتؤدي لانبعاثات الكربون. حيث تعتبر إحدى الفوائد الرئيسية لمدن الإسفنج احتفاظها بالمياه في الأنهار والمساحات الخضراء والتربة وجمعها في وحدات التخزين بدلاً من التبخر، وهو ما يجعلها أكثر مقاومة للجفاف. فلا يحول النموذج الإسفنجي الفيضانات والسيول إلى مصدر جديد للمياه التي يمكن استخدامها للزراعة والصرف الصحي والأغراض الصناعية فحسب، بل يضمن أيضاً وجود دائرية في النظام.

4- السعي إلى تطبيق المدن الإسفنجية في الإمارات: تسعى شركة “Dech Rechsand” إلى زيادة الوعي بشأن إمكانيات المدن الإسفنجية وتطبيقها في الشرق الأوسط، وفي دولة الإمارات بشكل خاص. بعد أن ثبت أن الحلول التقليدية كشفط المياه لا تستطيع وحدها أن تحل مشكلة الحفاظ على المياه وتجميع مياه الأمطار وإدارتها. حيث قال مؤسس الشركة، تشاندرا داكي، إن الإمارات التي يمكن أن تشهد مزيداً من الفيضانات، يمكنها دمج مفهوم “المدن الإسفنجية” مع البنية التحتية الحالية ذات المساحات الخضراء والحضرية، لتصريف مياه الأمطار وتجميعها بكفاءة أعلى، فضلاً عن الحفاظ على المياه من خلال إعادة تدويرها، والحفاظ على سلامة البنية التحتية.

نافذة فرصة

ختاماً، تطرح فكرة “المدن الإسفنجية” فرصاً للدول العربية ولدول العالم بشكل عام لتعزيز “المرونة المناخية” في مواجهة مخاطر محتملة ومتزايدة تطرحها التغيرات المناخية، وتعزيز قدرة الدول على مواجهة الفيضانات وتقليل أضرارها، مع الاستفادة من المياه الزائدة بتصميم نظام دائري بديل. ورغم أن الخبرة الصينية في هذا المجال تواجه بعض الإشكاليات التي قد تؤثر على حماس الدول الأخرى في نقل النموذج؛ إلا أن الملاحظ وجود بعض الشركات العالمية التي تسعى إلى تنفيذ “مدن إسفنجية” في الشرق الأوسط، خاصةً مع التوسع والتطور العمراني الذي تقوم به بعض الدول العربية، واهتمام دول المنطقة بالتغيرات المناخية، الذي يبرز بشكل خاص في استضافة مصر لمؤتمر الأمم المتحدة للتغير المناخي 2022- COP27، واستعداد الإمارات لاستضافة النسخة التالية من المؤتمر عام 2023.