أولويات جديدة:
كيف تدعم واشنطن جهود التهدئة في الشرق الأوسط؟

أولويات جديدة:

كيف تدعم واشنطن جهود التهدئة في الشرق الأوسط؟



رغم أن الولايات المتحدة الأمريكية منحت الأولوية للتعامل مع تطورات الأزمة الأوكرانية وتداعياتها أوروبياً وعالمياً في أعقاب شن روسيا عملياتها العسكرية داخل الأراضي الأوكرانية، بداية من ٢٤ فبراير الماضي وحتى الآن؛ إلا أنّ ذلك لا ينفي أن ثمة اهتماماً متزايداً من جانبها بالصراعات والأزمات في منطقة الشرق الأوسط، بدا جلياً في العمل على دعم الجهود التي تُبذل من أجل تسوية بعضها، وذلك لسببين رئيسيين: يتمثل أولهما في عدم الرغبة الأمريكية في اتجاه أطراف الصراعات إلى التصعيد بما يزيد من حدتها وتداعياتها على الاستقرار والأمن في المنطقة، الأمر الذي سيتطلب انخراطاً أمريكياً مكثفاً من شأنه التأثير على أولوية التعامل مع الأزمة الأوكرانية راهناً. وينصرف ثانيهما إلى أهمية المنطقة في استمرار تدفق إمدادات الطاقة إلى السوق العالمية، وإضافة المزيد منها، على نحو يمكن أن يُساعد نسبياً في تعويض نقص النفط والغاز الروسيين بعد فرض عقوبات أمريكية على قطاع الطاقة الروسي، وتهدئة أسعارهما المرتفعة راهناً، ومنع حدوث مزيد من الطفرات في تلك الأسعار في المستقبل، وتوفير البديل للدول الأوروبية عن الطاقة الروسية، خاصة أن ارتفاع أسعار الطاقة سيؤثر على المستقبل السياسي للعديد من القيادات الغربية مع قرب موعد الاستحقاقات الانتخابية في عدد من الدول الغربية.

تحركات مختلفة

شهدت الأيام التالية للهجمات العسكرية الروسية ضد الأراضي الأوكرانية مزيداً من الانخراط الأمريكي في جهود تهدئة الصراعات في المنطقة وعدم تصعيدها، على نحو انعكس في مؤشرات عديدة يتمثل أبرزها في:

١- تعزيز آليات خفض التصعيد في ليبيا: انخرطت العديد من القوى الدولية المؤثرة في الملف الليبي في جهود دبلوماسية متعددة لخفض مستوى التصعيد بين الحكومة الجديدة بقيادة فتحي باشاغا وحكومة الوحدة الوطنية برئاسة عبدالحميد الدبيبة، ولا سيما مع الاتهامات التي توجهها الأولى للثانية بالسعى إلى إشعال الحرب مجدداً في البلاد عبر تمويل المليشيات المسلحة الموالية لها، وكذلك تهدئة التوتر الحادث بينهما، والبحث عن سبل تعزيز استقرار الأوضاع السياسية والأمنية الليبية، والتأكيد على ضرورة تجنب العنف ودعم الحلول السلمية والقانونية لضمان إجراء انتخابات برلمانية ورئاسية وفق إطار زمني متفق عليه. ومع تصاعد الاعتراف الغربي بالحكومة الليبية الجديدة تزايدت وتيرة الاتصالات الغربية برئيسها باشاغا.

وفي الوقت الذي يعول فيه الليبيون على الجهود الدولية للتوفيق بين الحكومتين المتصارعتين، تبذل الولايات المتحدة الأمريكية، من خلال سفيرها ومبعوثها في ليبيا ريتشارد نورلاند، جهوداً لتسكين الانقسام السياسي داخل ليبيا، ومنع تحول الصدام بين رئيسى الحكومتين (الدبيبة وباشاغا) إلى صراع مسلح يزيد من حدة الأزمة الليبية، وحثهما على الهدوء والانخراط في مفاوضات عاجلة بموازاة الدفع في اتجاه إجراء الاستحقاق الانتخابي في أقرب وقت. ولإنجاح جهوده في تهدئة الوضع الليبي، قام نورلاند بزيارة القاهرة، في ١٤ مارس الجاري، لمناقشة كيفية المضىّ قدماً في دعم تطلعات الليبيين لإجراء انتخابات رئاسية وبرلمانية في أقرب وقت ممكن.

٢- التمسك بإبرام صفقة نووية مع إيران: تواجه الجهود الأمريكية لتعزيز فرص استمرار العمل بالاتفاق النووي الذي توصلت إليه إيران ومجموعة “5+1” في 14 يوليو ٢٠١٥، بعد انسحاب إدارة الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب منه في 8 مايو ٢٠١٨، مصاعب عديدة سواء من جانب روسيا التي تطلب ضمانات أمريكية مكتوبة بأن العقوبات المفروضة عليها بسبب عملياتها العسكرية في أوكرانيا لن تؤثر على التعاون مع إيران في المجالات الاقتصادية والعسكرية، أو من جانب بعض القوى الإقليمية وعدد من أقطاب الحزب الجمهوري الذين يمارسون ضغوطاً على الإدارة لرفض رفع الحرس الثوري الإيراني من قائمة التنظيمات الإرهابية لكونه المسئول عن العديد من العمليات المسلحة التي تهدد أمن واستقرار حلفاء الولايات المتحدة الأمريكية وكذلك دعم هجمات مسلحة شنتها مليشيات شيعية موالية له على قواعد عسكرية أمريكية في العراق وسوريا. وعلى الرغم من ذلك، فإن الإدارة الأمريكية لا تزال لديها طموحات في إحياء خطة العمل الشاملة المشتركة، حيث أعلنت، في ٢٢ مارس الجاري، أنها “مستعدة لأخذ قرارات صعبة” للتوصل إلى اتفاق مع طهران بشأن برنامجها النووي، ولكنها -في الوقت ذاته- حذرت من أن إبرامه “ليس وشيكاً ولا مؤكداً”.

3- قرب تعيين سفراء جدد في العراق واليمن: عقدت لجنة العلاقات الخارجية بمجلس الشيوخ جلسة استماع، في ٣ مارس الجاري، للمرشح لتولّي منصب السفير الأمريكي في اليمن ستيفن فاجن، والمرشحة لتولي منصب السفيرة الأمريكية في العراق ألينا رومانوفسكي، وهما من السفراء الذين لديهم خبرة بشئون المنطقة وصراعاتها وأزماتها، في وقت تحولت فيه الدولتان إلى مناطق نفوذ إيرانية، وأراضٍ تستخدمها طهران لتهديد أمن حلفاء الولايات المتحدة الأمريكية في الشرق الأوسط، وكذلك المصالح الأمريكية في العراق. وفي حال موافقة المجلس على المرشحين، ويعتقد أن ذلك سيكون قريباً بعدما تخلى عدد من كبار المشرعين الجمهوريين بالمجلس عن سياسة تأجيل الموافقة على كبار مرشحي الإدارة، بعد فرض الإدارة الأمريكية عقوبات قاسية على النظام الروسي وعزل موسكو دولياً؛ فإنهما سيعززان من الدور الأمريكي في حلحلة الأزمات داخل كل من العراق واليمن، حيث أكدت رومانوفسكي أنها سوف تقوم بعد توليها المنصب رسمياً ببذل مزيد من الجهود للتواصل مع المسئولين العراقيين المنتخبين وهم يشكلون حكومة جديدة، والتأكد من استفادة بغداد من الدعم الأمريكي لمواجهة تنظيم “داعش”، والحفاظ على استقلالية القرار العراقي. كما أكد فاجن أنه سيعمل عن كثب مع المبعوث الأمريكي الخاص لليمن تيم ليندركينج لدعم الجهود التي تقودها الأمم المتحدة من أجل الوصول إلى تسوية للصراع في البلاد.

4- توسيع نطاق التواصل مع بعض القوى الإقليمية: وبدا ذلك جلياً في الجولة التي قامت بها نائبة وزير الخارجية الأمريكي ويندي شيرمان في المنطقة، خلال الفترة من 4 إلى 11 مارس الجاري، وشملت كلاً من تركيا والمغرب والجزائر ومصر وإسبانيا. وقد أكدت شيرمان خلال زيارتها للمغرب دعم واشنطن لمخطط الحكم الذاتي الذي تقدمت به المغرب عام 2007 كحل نهائي للنزاع حول منطقة الصحراء. كما بحثت في الجزائر التعاون في مجال الطاقة والأمن. إلا أن زيارتها لتركيا تحديداً بدت مرتبطة بشكل أكبر بإدارة الصراع مع روسيا حول الحرب في أوكرانيا، حيث أشارت تقارير عديدة إلى أن شيرمان ناقشت “بشكل مقتضب” خلال زيارتها لتركيا اقتراحاً يقضي بقيام الأخيرة بنقل منظومة صواريخ “إس 400” الروسية الصنع إلى أوكرانيا لتعزيز قدرتها على التصدي للعمليات العسكرية الروسية، وهو ما لم تُبدِ أنقرة أىّ رد فعل تجاهه، وإن كان المراقبون يتوقعون رفضها له.

5- التنديد بالهجمات الحوثية على السعودية: أدانت الولايات المتحدة الأمريكية الهجمات التي تشنها مليشيا المتمردين الحوثيين على الأراضي السعودية، حيث وصف مستشار الأمن القومي الأمريكي جاك سوليفان، في 20 مارس الجاري، تلك الهجمات بأنها “إرهابية”، وقال في هذا الصدد: “حان الوقت لوقف الحرب في اليمن إذا وافق الحوثيون على التعاون مع المبادرة الأممية”، مضيفاً أن “الحوثيين يشنون هذه الهجمات الإرهابية بتمكين إيران التي تزودهم بمكونات الصواريخ، والطائرات من دون طيار، والتدريب والخبرة”.

ملفات ضاغطة

ربما يمكن القول إن هذا التوجه سوف يستمر خلال المرحلة القادمة، خاصة أن الوصول إلى تسويات للصراعات المختلفة، أو على الأقل تقليص حدتها، من شأنه تجنيب الولايات المتحدة الأمريكية الانخراط في مزيدٍ من الأزمات خارج أراضيها في وقت تركز فيه على معالجة التحديات الداخلية مع قرب موعد انتخابات التجديد النصفي للكونجرس المقرر لها في نوفمبر المقبل، وعلى إدارة الأزمة مع روسيا التي لا تبدو أنها مقبلة على تهدئة قريبة.