احتواء الضغوط:
كيف استغلّت إيران ذكرى الانتصار على “داعش” في العراق؟

احتواء الضغوط:

كيف استغلّت إيران ذكرى الانتصار على “داعش” في العراق؟



تزامن حلول الذكرى الخامسة لإعلان الانتصار على تنظيم “داعش” في العراق، في 10 ديسمبر الجاري، مع استمرار الاحتجاجات الإيرانية، التي أدت إلى تصعيد حدة التوتر بين إيران وبعض الدول الغربية، ودفعت الأخيرة إلى فرض عقوبات جديدة على مسئولين إيرانيين. وفي الواقع، فإن إيران في إطار مساعيها لاحتواء الاحتجاجات الحالية، التي افتتحت شهرها الرابع على نحو يُضفي في حد ذاته مزيداً من الضغوط على النظام الإيراني، حاولت استغلال تلك الذكرى لخدمة رؤيتها تجاه الاحتجاجات، والأهداف التي تسعى الدول الغربية إلى تحقيقها عبرها، لا سيما أنها تدعي أنه كان لها دور في هذا الانتصار.

رسائل عديدة

سعت إيران إلى استغلال حلول الذكرى الخامسة للانتصار على تنظيم “داعش” في العراق، لتوجيه رسائل عديدة، يتمثل أبرزها في:

1- الربط بين الاحتجاجات والإرهاب: كان لافتاً أن إيران تعمدت الربط بين الاحتجاجات التي اندلعت منذ 16 سبتمبر الماضي، اعتراضاً على وفاة الفتاة الكردية العشرينية مهسا أميني على يد شرطة الأخلاق بعد اتهامها بعدم الالتزام بقواعد ارتداء الحجاب، وبين الإرهاب. إذ إنها ترى أن أحداث العنف التي وقعت خلال الاحتجاجات، وأسفرت عن سقوط قتلى وجرحى من المحتجين وعناصر الأمن، من تدبير تنظيمات وجماعات إرهابية تسعى إلى تقويض دعائم النظام ونشر الفوضى وعدم الاستقرار داخل إيران.

وقد استغلت إيران المناسبة نفسها لتأكيد أن حادث اختطاف واغتيال العالم الديني السني مولوي عبدالواحد ريغي إمام جماعة مسجد الإمام الحسين بمدينة خاش في محافظة سيستان وبلوشستان، يندرج ضمن العمليات الإرهابية التي تحاول من خلالها تلك الجماعات استغلال الاحتجاجات لتوسيع نطاق نفوذها داخل إيران.

2- مهاجمة الدعم الغربي للمحتجين: حاولت إيران استغلال الذكرى من أجل مواصلة شنّ حملة قوية ضد الدول الغربية التي سعت إلى تقديم دعم للمحتجين في إيران، ولا سيما عبر التنديد بالسياسة القمعية التي تشنها السلطات تجاههم، خصوصاً بعد البدء في تنفيذ أحكام الإعدام بحق بعض المحتجين، فضلاً عن فرض عقوبات على بعض المسئولين الإيرانيين.

وهنا، فإن إيران حاولت الردّ على ذلك عبر تأكيد أن الدول الغربية تتبنى سياسة مزدوجة إزاء القضايا الخاصة بحقوق الإنسان. ففي الوقت الذي تدعي فيه، بحسب الرؤية الإيرانية، دعم المحتجين؛ فإنها تسمح لبعض التنظيمات بشن حملات ضد النظام الإيراني من أراضيها. كما أن هذه الدول التي تدعي الدفاع عن حقوق المرأة تقوم بالتدخل في الشئون الداخلية لإيران.

وقد انعكست هذه المقاربة في تصريحات وزير الخارجية حسين أمير عبداللهيان، في 9 ديسمبر الجاري، التي انتقد فيها “المعايير المزدوجة للدول الغربية فيما يتعلق بقضية حقوق الإنسان والمرأة ومواقفها التدخلية فيما يتعلق بقضايا إيران الداخلية”، مضيفاً أن “محاولة استفزاز الشبان والنساء الإيرانيين من قبل بعض المسئولين والدوائر الغربية والاستخدام الفعّال لوسائل الإعلام عمل غير مثمر في الساحة الدبلوماسية، ويؤدي إلى انتشار العنف والأعمال الإرهابية في إيران”.

3- التلميح باستمرار الدور الإقليمي: حرصت إيران على الترويج إلى أنها مارست دوراً بارزاً في الحرب ضد الإرهاب، ولا سيما ضد تنظيم “داعش” حتى تم الإعلان عن الانتصار عليه في 10 ديسمبر 2017. وهنا، فإن الرسالة التي تسعى إيران إلى توجيهها مفادها أنها لن تتراجع عن الدور الإقليمي الذي تقوم به، مهما كان حجم الضغوط والعقوبات التي تتعرض لها بسبب ذلك، حتى لو أدى ذلك إلى وقف العمل بالاتفاق النووي وانهيار المفاوضات النووية، التي حاولت خلالها الدول الغربية ضم هذا الملف لمحور المحادثات.

ومن هنا، يمكن تفسير أسباب تعمد إيران من البداية ادعاء أن حضورها الإقليمي في المنطقة يهدف إلى محاربة الإرهاب، وأن تدخلها في الصراع السوري الذي تصاعدت حدته منذ مارس 2011، كان بهدف الحيلولة دون انتشار التنظيمات الإرهابية داخل سوريا.

وربما لا ينفصل ذلك عن رؤية بدأت اتجاهات عديدة بطهران في الترويج لها تقوم على أن الدول الغربية تسعى عبر دعم الاحتجاجات إلى ممارسة ضغوط إضافية على النظام الإيراني من أجل تغيير سلوكه، أولاً تجاه المفاوضات النووية والبرنامج النووي الذي يحقق فيه تقدماً ملحوظاً، وثانياً إزاء التدخلات الإقليمية التي ترى تلك الدول، ولا سيما الولايات المتحدة الأمريكية، أنها تفرض تهديدات مباشرة لأمنها ومصالحها، إلى جانب أمن ومصالح الحلفاء.

4- رفض دعوات التراجع عن دعم الحلفاء: لا ينفصل احتفاء إيران بحلول الذكرى الخامسة للانتصار على تنظيم “داعش” عن تعمدها الرد بقوة على المطالب التي برزت خلال الاحتجاجات، وتضمنت دعوة مباشرة للتوقف عن دعم الحلفاء من المليشيات المسلحة الموجودة في بعض دول الأزمات، في إطار المقاربة التي يتبناها قسم من المحتجين وتقوم في الأساس على أن أحد أسباب الأزمة الاقتصادية التي تواجهها إيران يكمن في إمعان النظام في استنزاف الموارد الإيرانية في الإنفاق على دعم الحلفاء الإقليميين في الوقت الذي تتراجع فيه الأوضاع المعيشية بشدة، بسبب ارتفاع معدل التضخم إلى 40% وانهيار العملة الوطنية، ووصول معدل البطالة إلى 12%.

ومن هنا، فإن النظام يحاول أيضاً توجيه رسالة إلى الداخل مفادها أنه لن يقدم تنازلات في هذا السياق، وأن الحضور الإقليمي في المنطقة هو أحد الأهداف الاستراتيجية للنظام التي لا يمكن التراجع عنها. بل إن النظام دائماً ما يستدعي المقاربة التي يتمسك بها المرشد الأعلى للجمهورية علي خامنئي في سياق الرد على هذه الدعوات، حيث يقول بصفة مستمرة إنّ “إيران حاربت في دمشق للحيلولة دون وصول داعش إلى طهران”.

وقد كان لافتاً في هذا السياق، أن المليشيات الحليفة لإيران، ولا سيما في العراق، حرصت على استغلال حلول الذكرى الخامسة للانتصار على “داعش” لإضفاء وجاهة على الأدوار التي تقوم بها، بدعم من جانب إيران. ففي هذا الإطار، قال رئيس هيئة الحشد الشعبي فالح الفياض إنّ “الحفاظ على النصر يتطلب أدوات وأساليب جديدة ومختلفة، وقد يكون أصعب من تحقيق النصر”، بما يؤشر إلى أن مليشيا الحشد الشعبي ما زالت مصرّة على الاحتفاظ بدورها الأمني داخل العراق، حتى بعد انتهاء المهمة الأساسية التي تأسست من أجلها، وهو ما يتماهى مع السياسة الإيرانية القائمة على ضرورة دعم الحلفاء، والحفاظ على المواقع والأدوار التي يقومون بها لخدمة أهداف السياسة الإيرانية.

5- التركيز على دور سليماني: أبدت إيران اهتماماً خاصاً في هذا السياق بالتركيز على الدور الذي كان يقوم به القائد السابق لفيلق القدس التابع للحرس الثوري قاسم سليماني، الذي قُتل في العملية العسكرية التي شنتها الولايات المتحدة الامريكية في 3 يناير 2020.

ومن دون شك، فإن هذا التوجه أيضاً لا ينفصل عن الاحتجاجات الداخلية، خاصةً أن المحتجين تعمدوا في سياق التعبير عن رفضهم السياسة التي يتبناها النظام، إحراق صور وتدمير تماثيل لسليماني، في إشارة تحديداً إلى الرؤية الخاصة التي تبناها قسم من المحتجين وقامت على أن الدور الخارجي الإيراني فرض تداعيات سلبية على الداخل.

توجه مستمر

على ضوء ذلك، لا يبدو أن إيران في وارد أن تقدم تنازلات، على الأقل في المديين القريب والمتوسط، سواء للمحتجين في الداخل، أو للقوى الخارجية؛ حيث ترى أن اتخاذ خطوات إجرائية في هذا الصدد من شأنها إضعاف موقف النظام، ودفع تلك الأطراف إلى فرض مستوى أعلى من الضغوط على الأخير من أجل إجراء تغيير في سياسته إزاء القضايا الداخلية والخارجية على حد سواء.