عودة الإقليم إلى شكله الطبيعى – الحائط العربي
عودة الإقليم إلى شكله الطبيعى

عودة الإقليم إلى شكله الطبيعى



لعقود طويلة وحتى ٢٠١١، ظلت هناك سمات وضوابط حاكمة لإقليم الشرق الأوسط وللتفاعلات والسياسات الرئيسية بالإقليم. كان أبرز هذه السمات هو اضطلاع القوى العربية الرئيسية بدور مهم في تحديد نمط التفاعلات الجارية بالإٍقليم، وطريقة إدارة القضايا والتهديدات الرئيسية، وطبيعة العلاقة بين الإٍقليم والقوى العظمى. وجاءت السياسات الإقليمية محصلة لنمط التفاعلات الرئيسية بين مصر، ودول مجلس التعاون الخليجى، وسوريا، والأردن، والعراق قبل أن يخرج من هذه المعادلة نسبيا في ١٩٩٠ ثم بشكل كامل في عام ٢٠٠٣، ونمط التفاعل بين هذه الدول والقوى الكبرى داخل النظام العالمي.

بالإضافة إلى هذه السمة المهمة، فقد اتسم الإقليم بسمتين أخريين مهمتين. الأولى، هي محدودية حضور الفاعلين من غير الدولة؛ سواء التنظيمات الدينية العنيفة أو الميليشيات العسكرية، باستثناء حزب الله تقريبا. ورغم أن الإقليم لم يخل من وجود تنظيمات إرهابية لكن غلب عليها الطابع المحلي حتى ظهور تنظيم القاعدة في أواخر الثمانينيات. السمة الثانية، هي ضعف/ غياب المشروعات الإٍقليمية غير العربية.

لكن هاتين السمتين تراجعتا بشكل كبير عقب الغزو الأمريكي للعراق في ٢٠٠٣ وما تبع ذلك من ظهور موجات جديدة من التنظيمات الإرهابية، وتنامي المشروعات الإقليمية. وأصبح هذا التراجع أكثر وضوحا وخطورة عقب بدء ما عُرف بموجة الربيع العربي في ٢٠١١. وكانت المحصلة هي دخول الإقليم في حالة من الفوضى، فقدت فيها الدول العربية الرئيسية السيطرة على التفاعلات والسياسات الرئيسية بالإقليم لمصلحة قوى إٍقليمية، والفاعلين من غير الدول بأنماطهم المختلفة، بجانب القوى الكبرى، وصلت إلى حد تبني هؤلاء جميعا اقترابات عسكرية/ عنيفة بدرجات مختلفة تجاه الإقليم.

لقد تكرس خلال مرحلة الفوضى تلك توازنات جديدة في الإقليم، استطاعت فيها القوى غير العربية والفاعلين من غير الدول -بتنسيق مباشر أو غير مباشر فيما بينها- استغلال حالة الفراغ التي نتجت عن انكفاء مصر لفترة غير قليلة على أوضاعها الداخلية، وخروج دول مثل العراق وسوريا من المعادلة السياسية والأمنية، وتحول دول عربية أخرى إلى ساحة للصراع الداخلي والإٍقليمي، أو الدولي. ثم جاء توجه الولايات المتحدة لتخفيف ارتباطها بالإقليم لمصلحة التفرغ لمسرح “الإندو-باسيفيك” والمواجهة مع الصين، ليمثل عاملا إضافيا لتكريس هذا الواقع الجديد.

الإقليم الآن يشهد اتجاها معاكسا لهذه التحولات، عنوانه الرئيسي وجود فرصة كبيرة لامتلاك القوى العربية الرئيسية زمام السياسات الرئيسية بالإٍقليم. أسس لهذا التوجه مجموعة من التحولات المهمة؛ أبرزها اضطرار الولايات المتحدة إلى مراجعة طبيعة علاقاتها والتزاماتها تجاه القوى العربية الرئيسية بالإقليم، تحت تأثير عوامل عدة، أبرزها فشل المراهنة على العودة إلى الاتفاق النووي مع إيران، وتزايد الأهمية النسبية للدول العربية المنتجة والمصدرة للطاقة، والتي انضمت إليها مصر حديثا بفعل اكتشافات غاز شرق المتوسط والبنية التحتية لتسييل الغاز، وحسابات الصراع الأمريكي مع روسيا والصين. لكن هذا الاتجاه المعاكس في الإقليم لا يعود فقط إلى هذه المراجعة الأمريكية، فقد أسس له عدد من التحولات العربية البينية الإيجابية، أهمها المصالحة مع قطر وانتهاء الاستقطاب الخليجي- الخليجي، وطرح مقاربة جديدة بشأن الأزمة اليمنية، وغيرها من التحولات. لكن يظل التحول الأهم هو عودة الدور المصري القوي إلى الإقليم، والخروج من حالة الانكفاء على الداخل، فضلا عن تنامي اتجاه داخل العراق ينحاز إلى بناء علاقات متوازنة مع الإقليم ويعيد الاعتبار لروابطه العروبية التاريخية.

هذه التحولات تخلق فرصة كبيرة لإيجاد توازنات جديدة في الإقليم، عنوانها الرئيسي إعادة الاعتبار لأدوار القوى الرئيسية، ممثلة في مصر وقوى مجلس التعاون الخليجي، بقيادة المملكة العربية السعودية والإمارات، والعراق والأردن، والتأسيس لمرحلة جديدة من العلاقات الإقليمية، وعلاقات الإقليم مع القوى الكبرى، وعلى رأسها الولايات المتحدة. ولا شك أن القمة المرتقبة للرئيس بايدن مع مصر ودول مجلس التعاون الخليجي والعراق والأردن، خلال شهر يوليو المقبل، ستؤسس للملامح الأساسية لطبيعة هذه العلاقة خلال المرحلة المقبلة.

الاستغلال الأمثل لهذه الفرصة يتطلب شروطا عدة، أهمها ضرورة وجود تصور محدد من جانب القوى العربية الرئيسية بشأن القضايا والتحديات الأساسية بالإقليم (قضايا التعاون والصراع، وأنماط التهديد)، وطريقة إدارة مسارات التفاعل بين هذه القضايا، وطبيعة العلاقة بين الإقليم والولايات المتحدة، ونمط توزيع الأدوار والأعباء والمسئوليات على هذه القوى استنادا إلى الاعتبارات والحسابات الجيوسياسية والاقتصادية والأمنية. ولعل الحراك الدبلوماسي الجاري الآن يمثل مؤشرا على الاستعدادات الجارية لهذه المرحلة. وستظل هناك حاجة لجهود دبلوماسية عربية موازية ومستدامة ومنسقة داخل الولايات المتحدة نفسها للدفاع عن المصالح والرؤى العربية بشأن الإقليم، وتجنيب هذه المصالح التحول بين الإدارات الأمريكية المختلفة.

هذا التوازن الجديد المرتقب لا يعني بالضرورة الدخول في علاقات صراعية مع قوى غير عربية بالإقليم، لكنه يعني بالضرورة وضع ضوابط محددة للعلاقة مع هذه القوى، وعلاقاتها بالإقليم، تقوم بالأساس على احترام الأمن القومي لوحدات الإقليم ولمصالح كل دوله، واحترام مبدأ السيادة الوطنية، وعدم التدخل في الشئون الداخلية.

نقلا عن الأهرام