تنافس استراتيجي:
عوامل تصاعد الجدل بشأن القاعدة العسكرية الروسية في ليبيا

تنافس استراتيجي:

عوامل تصاعد الجدل بشأن القاعدة العسكرية الروسية في ليبيا



على خلفية تبادل الزيارات بين عدد من المسؤولين الروس وقائد الجيش الليبي، المشير خليفة حفتر، وفي إطار المحاولات الروسية لإعادة ترسيخ الوجود في ليبيا؛ تصاعد الجدل مؤخراً حول إمكانية منح خليفة حفتر قاعدة عسكرية بحرية إلى روسيا في شرق ليبيا، بما يمنح موسكو موطئ قدم على عتبة أوروبا الجنوبية. ورغم نفي مصدر مسؤول بالجيش الليبي أيّ اتجاه لإبرام اتفاق من أي نوع مع روسيا، لمنحها قاعدة عسكرية شرق البلاد؛ إلا أن التقرير الذي نشرته مؤخراً وكالة “بلومبرغ” ساهم في إثارة الجدل بشأن القاعدة الروسية، خاصة أن التقرير أشار إلى “احتمال حصول السفن الحربية الروسية أيضاً، على حق الرسو الدائم في ميناء ليبي، على الأرجح في ميناء طبرق”، بما يعني أن السفن الحربية الروسية ستكون على بعد بضع مئات من الكيلومترات عبر البحر المتوسط، من إيطاليا واليونان؛ وهو ما يُمكن أن يُمثل تحدياً مباشراً للولايات المتحدة الأمريكية، وحلفائها الأوروبيين.

دوافع متشابكة

تتعدد الدوافع وراء تصاعد الجدل بشأن القاعدة الروسية في شرق ليبيا، خاصة بعد تقرير بلومبرغ الأمريكية، التي أشارت إلى ما أسمته “تفاصيل اتفاق دفاعي بين روسيا والقائد العسكري الليبي خليفة حفتر”. ولعل أهم هذه الدوافع، يبدو كما يلي:

1- محورية دور تبادل الزيارات الروسية مع شرق ليبيا: فقد فتحت زيارة المشير حفتر إلى موسكو، في نهاية سبتمبر الماضي، ولقاؤه الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، باب التكهنات بشأن انخراط روسيا في ليبيا بشكل أكبر؛ خاصة أن زيارة حفتر تلك كانت قد جاءت بعد أقل من شهر واحد على زيارة وفد عسكري روسي رفيع المستوى بقيادة نائب وزير الدفاع الروسي يونس بك يفكوروف، إلى بنغازي، نهاية أغسطس الماضي.

وبناءً على تبادل الزيارات بهذا الشكل الذي يحمل صبغة عسكرية، فقد تداولت وسائل إعلام غربية متعددة، على رأسها وكالة بلومبرغ الأمريكية، تسريبات تُشير إلى تحرك موسكو لترسيم الوجود العسكري الروسي في برقة وتوسيعه، بعد أن استمر لفترة طويلة غير مُعلن عن طريق مجموعة فاغنر الروسية.

2- إعادة ترسيخ الوجود الروسي في ليبيا: حيث تتطلع موسكو إلى تحقيق تقدم في ترسيخ التواجد في ليبيا، بشكل يتجاوز مسألة الدعم التقليدي للمشير خليفة حفتر في شرق ليبيا، إلى الحصول على موطئ قدم لها على سواحل البحر الأبيض المتوسط، على عتبة أوروبا الجنوبية؛ حيث لا تمتلك روسيا في منطقة المتوسط الاستراتيجية سوى قاعدة بحرية واحدة في طرطوس السورية.

ورغم أن روسيا تستحوذ على قاعدة القرضابية الجوية، وعلى ميناء في مدينة سرت تحاول أن تجعل منه مرفأً لغواصاتها؛ إلا أن منفذاً بحرياً على سواحل البحر المتوسط في شرق ليبيا يُمثل بُعداً استراتيجياً بالنسبة إلى روسيا، على الأقل من منظور إمكانيات الضغط على أوروبا في أكثر من ملف، مثل الطاقة واللاجئين غير الشرعيين.

أضف إلى ذلك أنّ هذه المحاولة الروسية تتم استناداً إلى قلق الجيش الليبي من الأنباء المتواترة حول تجهيز الرئيس التشادي، محمد إدريس ديبي، قوات كبيرة مدعومة فرنسياً لمهاجمة المعارضة التشادية المتحالفة مع فاغنر الروسية في جنوب ليبيا، وذلك في محاولة لرد الاعتبار تجاه ما قامت به هذه المعارضة من هجوم على تشاد، في أبريل 2021، أدى إلى مقتل رئيس تشاد السابق إدريس ديبي.

3- سيطرة الجيش الليبي على غالبية المنشآت النفطية: فمن الواضح أن أحد استهدافات حفتر من زيارته إلى موسكو، ولقائه الرئيس الروسي، كان البحث عن أنظمة دفاع جوي لحماية وحدات الجيش الليبي، من القوات والمليشيات المنافسة له في غرب ليبيا، تلك التي يدعمها الجيش التركي؛ فضلاً عما تردد من طلبه تدريب روسيا لطياري القوات الجوية والقوات الخاصة. وفي المُقابل، يبدو أن المطروح روسياً هو تحديث عدد من القواعد الجوية، التي تتمركز فيها قوات فاغنر، لتكون قادرة على استضافة القوات الروسية.

إلا أن الأمر بالنسبة إلى روسيا لا يتوقف عند هذه الحدود، ولكنه يتجاوز ذلك إلى التركيز على النفط الليبي. إذ تُعطي روسيا اهتماماً كبيراً لليبيا، كونها تمتلك 46.4 مليار برميل من احتياطي النفط المؤكد، وهو الأكبر في أفريقيا والعاشر عالمياً. وعبر مجموعة فاغنر، التي كان يقودها يفغيني بريغوزين، قبل الإعلان عن مصرعه في حادث تحطم طائرة روسية، تمتلك موسكو إمكانية الوصول إلى منشآت النفط الرئيسة في ليبيا؛ خاصة أن الجيش الليبي يُسيطر على العديد من هذه المنشآت.

4- أهمية ليبيا الجيوستراتيجية في جنوب أوروبا: حيث تُشكل ليبيا دولة ذات أهمية كبرى بالنسبة للكثير من القوى الدولية، خاصة الدول الأوروبية؛ فهي تتمتع بأهمية جيوستراتيجية بالنسبة إلى الأمن الإقليمي الأوروبي، خاصةً أن مئات الآلاف من المهاجرين صوب الشواطئ الأوروبية يتحركون عبر السواحل الليبية، فضلاً عن أن بعض جماعات العنف والإرهاب، مثل داعش والقاعدة، تتخذ من ليبيا ملاذاً آمناً لها.

وبالتالي، يُمثل شرق ليبيا فرصة ذهبية لروسيا لجعلها منطقة نفوذ في منطقة جنوب أوروبا، عبر التحكم في ملفين استراتيجيين بالنسبة لأوروبا، الطاقة والمهاجرين، حيث سيكون بإمكان الروس الضغط على دول الاتحاد الأوروبي، من خلال هذين الملفين، في مواجهة ملفات أُخرى مثل جزيرة القرم، والعقوبات المفروضة على روسيا بعد العملية العسكرية الروسية في أوكرانيا.

5- التنافس الروسي مع واشنطن في منطقة المتوسط: إذ إن تنامي النشاطات العسكرية الروسية في منطقة المتوسط، على محور طرطوس طبرق، يُشكل تهديداً وتحدياً ضاغطاً بالنسبة إلى واشنطن وحلفائها من الأوروبيين، خاصة في ظل المواجهة والتنافس على خلفية الحرب الروسية الأوكرانية، إضافة إلى زيادة المخاوف من أن تلعب روسيا دوراً أكبر، في حال توسع الصراع في الشرق الأوسط، بفعل الحرب في غزة.

ولعل ذلك ما يتبدّى بوضوح من خلال تصريحات جوناثان وينر، المبعوث الأمريكي السابق إلى ليبيا، الواردة عبر تقرير الوكالة الأمريكية، والتي أشار فيها إلى أن “الإدارة الأمريكية تأخذ هذا التهديد على محمل الجد”، مؤكداً على أن “إبقاء روسيا خارج البحر المتوسط كان هدفاً استراتيجياً للولايات المتحدة”، ولافتاً إلى أنه في حال تواجد روسيا على سواحل المتوسط فإن ذلك “يمنحها القدرة على التجسس على الاتحاد الأوروبي بأكمله”.

6- “حرب القواعد العسكرية” الأجنبية في ليبيا: وهو العامل الرئيس في تصاعد حدة الجدل بشأن القاعدة العسكرية الروسية وغيرها من القواعد؛ حيث يجري على الأرض الليبية ما يُمكن تسميته “حرب القواعد العسكرية”. فمن ميناء الخُمس إلى فزان، تتصاعد حدة هذه “الحرب”، وتتصاعد معها حدة التنافس على المميزات الجيوستراتيجية للموقع الليبي في جنوب أوروبا وشمال أفريقيا، فضلاً عن التنافس على الموارد التي تمتلكها ليبيا.

وفضلاً عن الولايات المتحدة، التي يبدو أنها قامت بتسليم الملف الليبي إلى إيطاليا بدلاً من فرنسا؛ تمتلك تركيا حشداً عسكرياً متزايداً في قاعدة عقبة بن نافع، بمنطقة الوطية الليبية، سعياً منها إلى وضع نقطة ارتكاز تمنحها الأفضلية في شمال أفريقيا، وذلك على غرار الدور الذي تلعبه القاعدة الأمريكية “إنجرليك” على الأراضي التركية. هذا إضافة إلى اللاعب الجديد القديم (فرنسا) التي تحاول الدخول على خط المنافسة، حيث تُريد أن تُقيم قاعدة في فزان، تكون منطلقاً لها للقيام بعمليات عسكرية في منطقة الصحراء الكبرى الأفريقية، وفي دول الساحل الأفريقي خاصة التي تمردت على الوجود الفرنسي داخلها.

ومن ثمّ يأتي الشرق الليبي، الذي يُسيطر عليه الجيش الليبي بقيادة خليفة حفتر، صاحب العلاقات المميزة والمتميزة مع روسيا، ونفوذها خاصة في قاعدتي القرضابية الجوية وسرت البحرية، ليُضيف بُعداً آخر إلى حرب القواعد هذه.

صراع دولي

في هذا السياق، يُمكن القول إن تصاعد الجدل بشأن القاعدة العسكرية الروسية، في شرق ليبيا، إنما يأتي على خلفية عدد من العوامل التي تتقاطع عند نقطة رئيسة تتعلق بالصراع الدولي القائم حول ليبيا، من جانب القوى الدولية الكبرى؛ حيث إن الولايات المتحدة مع حلفائها الأوروبيين لا يمكنهم صرف النظر عن التحدي الذي يُمثله الوجود العسكري الروسي على سواحل المتوسط، والتمدد الذي يبتغيه صانع القرار الروسي على محور طرطوس السورية / طبرق الليبية.

ولعل هذا التحدي الذي تُمثله روسيا للغرب، في ليبيا، كان سبباً في لقاء قائد القوات الأمريكية في أفريقيا، الجنرال مايكل لانغلي، والمبعوث الأمريكي الخاص إلى ليبيا ريتشارد نورلاند، في بنغازي، مع قائد الجيش الليبي خليفة حفتر، قبل أسبوع واحد من زيارة الأخير إلى موسكو ولقائه الرئيس الروسي فلاديمير بوتين؛ بما يؤشر إلى أن قادم الأيام سوق يشهد تنافساً متصاعداً بين القوى الدولية في ليبيا.