مسارات متوازية:
سوريا بين معادلات الاشتباك الأمنية والانفراجة السياسية

مسارات متوازية:

سوريا بين معادلات الاشتباك الأمنية والانفراجة السياسية



ينقسم الوضع في سوريا بين مشهدين: الأول، يتعلق بالمعادلات السياسية الجديدة التي تشير إلى انفراجة سياسية محتملة للنظام السوري في ضوء التقارب مع محيطه العربي، خاصة مع احتمال عودة سوريا للجامعة العربية بعد تعليق عضويتها لنحو 11 عاماً، إضافة إلى مساعي التقارب السوري-التركي برعاية روسية. والثاني، يتمثل في متغير معادلة الاشتباك الأمريكية-الإيرانية في الشرق والشمال السوري، فبعد نحو أسبوعين على هجمات هي الأبرز من نوعها بين الجانبين في الميادين ودير الزور أسفرت عن مقتل متعاقد أمريكي وجرح 7 عناصر من القوة الأمريكية، تعرضت قاعدة “كونيكو” الأمريكية مرة أخرى لهجوم صاروخي، في 10 أبريل الجاري، أعلنت القيادة الأمريكية أنه لم يسفر عن أضرار مادية أو بشرية.

وبالتزامن مع موجة التصعيد السابقة، شنت إسرائيل نحو ستة هجمات صاروخية متوالية على سوريا لاستهداف التواجد والتحركات العسكرية الإيرانية، وقال رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو إنه يجري التجهيز لعمليات كبرى على عدة جبهات، ودعم هذا السياق ما نقله الخبير الإسرائيلي عاموس هرئيل في صحيفة “هآرتس”، في 11 أبريل الجاري، عن شعبة الاستخبارات العسكرية من أن هناك احتمالاً لأن تجد إسرائيل نفسها العام المقبل في حرب حقيقية. وعلى الرغم من أن تلك الاحتمالات ليست كبيرة، لكن من الممكن أن تغامر إيران أو حماس وحزب الله بشن هجمات أكثر جرأة ضد إسرائيل، وبالتبعية قد تنزلق الأمور إلى حرب متعددة الجبهات.

رؤى متباينة

اللافت للانتباه حتى الآن أن الفصائل الإيرانية، وفق تقديرات للمرصد السوري لحقوق الإنسان، هي التي تتولى الهجمات ضد القوات الأمريكية حتى تلك التي لا يتم الإعلان عن تبنّيها، في حين أنّه كلما زادت الهجمات الإسرائيلية على سوريا تزايدت الضربات الإيرانية على المواقع الأمريكية.

ورغم الأهداف المشتركة الإسرائيلية-الأمريكية في الحد أو تقويض الحضور الإيراني في سوريا، إلا أنّه لا يوجد ارتباط أو تنسيق واضح بين الجانبين الأمريكي والإسرائيلي في الساحة السورية. فبالنسبة لإسرائيل، فإن الهدف الرئيسي هو استنزاف القدرات العسكرية التي تنقلها إيران إلى سوريا، بينما يُشكل التمدد الإيراني تهديداً للتواجد الأمريكي في سوريا على الأرض.

منظومة “15 خرداد” الإيرانية

في المقابل، لا تستطيع القوة الإيرانية أن تعترض كافة الهجمات الصاروخية الإسرائيلية، خاصة وأنها لن تتمكن من تغطية انتشارها دفاعياً بالكامل. ففي العاصمة دمشق ومحيطها، يعتقد أن روسيا سحبت بعض الدفاعات مما شكّل ثغرات تستفيد منها إسرائيل، بل إن الأخيرة لم تعد تُبلِّغ القيادة الروسية في قاعدة “حميمم” بأنها ستشن هجمات قبل إطلاق الصواريخ بزمن كافٍ على نحو ما كانت تفعل في السابق، بينما في منطقة شرق الفرات حاولت طهران تغطية انتشارها بمنظوماتها الخاصة “15 خرداد”، لكن يبدو أن البعض منها إما تم استهدافه من جانب إسرائيل أثناء عملية النقل، أو أنها تتحرك خارج نطاق التغطية للبعض الآخر، مما يجعلها عُرضة في تلك المناطق للاستهداف من الجانب الأمريكي، ولا سيما حينما تُبادر الفصائل الإيرانية بشن ضربات على القوة الأمريكية على نحو ما جرى في هجمات الميادين ودير الزور، وتسبب ذلك في تقليص الانتشار الإيراني كتكتيك مؤقت إلى حين نشر دفاعات جديدة.

انعكاسات مباشرة

تكشف المحصلة الإجمالية لهذه التطورات في المشهد السوري أن معادلات السياسة والتصعيد تسيران جنباً إلى جنب، لكن يبدو أن انعكاسات تطور معادلة الاشتباك على التطورات السياسية لن تظهر في المرحلة الحالية، خاصة وأن تلك التفاعلات ولا سيما التقارب السوري-التركي لم تنضج بعد، وربما ستأخذ المزيد من الوقت، لكن من المتصوّر أن تداعياتها ستظهر على المديين المتوسط والبعيد بالنظر إلى أن طهران تستغل كافة التطورات وانشغال الأطراف الأخرى (روسيا في الحرب في أوكرانيا، وتركيا في معالجة آثار الزلزال والانتخابات المرتقبة) في زيادة مساحات التمدد والانتشار. صحيح أن إيران تنخرط في المباحثات المشتركة ما بين تركيا وسوريا في روسيا، حتى تصبح أحد أطراف الترتيبات، لكن يعتقد أنها لن تتراجع عن خطة التمدد، بينما قد تسعى أنقرة إلى الانكماش.

وقد يتسبب هذا الوضع من جانب إيران في الضغط على تحركات النظام السوري، وربما الحدّ من الاستفادة أكثر من الانفراجة السياسية التي يشهدها حالياً، وفي هذا السياق ربما كانت محاولة الرئيس السوري بشار الأسد طلب المزيد من الدعم العسكري وزيادة التواجد الروسي في سوريا علامة على هذا المؤشر، إذ إنّ التواجد الروسي قد يساهم في دعم رغبة النظام في موازنة أو إضعاف التواجد الأمريكي بحجة الاستمرار في الحرب ضد تنظيم “داعش”، بينما تزايد النفوذ الإيراني لن يكون في صالح النظام العائد إلى حاضنته العربية، حتى وإن كان لا يريد التخلص من الوجود الإيراني بالكامل، لكن تنامي وجود إيران عسكرياً سيضعف النظام في ظل الموقف الإسرائيلي الضاغط بسبب وجود إيران، ومع ذلك سيبقى النظام مقيداً في مواجهة إيران، كجزء من رد كلفة دعم إيران له في السنوات السابقة.

تعايش مؤقت

من المحتمل استمرار السيناريو الحالي على المدى القريب، ما بين مشهد منقسم وما بين تحسن وضع النظام السوري سياسياً على الصعيدين العربي والتركي، مستفيداً أيضاً من التقارب الخليجي-الإيراني، والعربي-التركي عموماً. لكن على الجانب الآخر، سيظل المشهد رهن تطور معادلات الاشتباك الأمنية من جهة والاستحقاقات السياسية في حال نضوج المواقف السياسية من جهة أخرى، ففي السابق شكل التواجد الروسي في سوريا دافعاً لاستمرار التواجد الأمريكي بدعوى الحرب على “داعش”، لكن قد تمتد أهداف واشنطن لإحباط تداعيات حدوث انفراجة سياسية للنظام ولا سيما مع تركيا.

وفي المقابل، فإن التواجد الإيراني سيستتبع استمرار الهجمات الإسرائيلية، لكن يؤخذ في الاعتبار أن إيران أعادت توظيف علاقاتها مع الفصائل الفلسطينية في لبنان لتعزيز المواجهة من جبهة جديدة مع إسرائيل إلى جانب شن هجمات صاروخية على الجولان المحتل، وبناءً على ذلك تضاعف إسرائيل من شن هجماتها على سوريا في مواقع مختلفة، على نحو يمكن القول معه إن سياسات التعايش لن تدوم طويلاً، فأمنياً سيحكم تقدم أو تراجع مستوى الاشتباك بين إيران والولايات المتحدة الموقف الميداني في الشرق والشمال السوري إلى جانب العامل السياسي الذي يتمثل في مؤشر التقدم والتراجع في الملف النووي الإيراني.

أما بالنسبة لمسار التصعيد الإيراني-الإسرائيلي، فمن المحتمل أن يكون المشهد القادم أكثر تعقيداً، خاصة وأن إسرائيل تراجعت إلى حد ما عن خطة استهداف المواقع النووية الإيرانية مرحلياً لصالح تهديد الوجود الإيراني في سوريا، إضافة إلى نهج إسرائيل في الضغط على شبكة الحلفاء الآخرين لإيران في الأراضي الفلسطينية ولبنان كأولوية، وهو ما يمكن اعتباره نجاحاً لاستراتيجية إيران في نقل المواجهة مع إسرائيل إلى الخارج.

بالإضافة إلى ما سبق، يُشار إلى أن روسيا حينما قامت بصياغة اتفاقيات “سوتشي-2018” لخفض التصعيد أعادت ترتيب الأوضاع الأمنية في سوريا، وتمكنت بنسبة كبيرة من إلزام الأطراف بتلك الصيغة، وضبط إيقاع تحركات كافة الأطراف، والتأثير في التفاعلات الخارجية. لكن في المرحلة الحالية، يبدو أن توجهات روسيا مختلفة باتجاه التركيز على البعد السياسي في المقام الأول لا سيما مع استقرار وضع النظام، حتى وإن كان سيترتب على ذلك تداعيات أمنية، لكن يعتقد أن تلك التداعيات ستظهر في الترتيبات ما بين دمشق وأنقرة، لكنها ستكون خارج حسابات السيطرة على التصعيد الإسرائيلي–الإيراني، خاصة في ظل موقف إسرائيل من دعم أوكرانيا، وموقف روسيا من هذا الدعم. وفي ضوء ذلك، قد تفضل موسكو التخارج من هذه المعادلة ما بين إيران وإسرائيل، على نحو سوف تكون له تداعيات مباشرة على مسارات المواجهة بين الطرفين.