تكثيف الضغوط:
رسائل العقوبات الأمريكية على الفصائل السورية الموالية لتركيا

تكثيف الضغوط:

رسائل العقوبات الأمريكية على الفصائل السورية الموالية لتركيا



تسعى الولايات المتحدة الأمريكية إلى فرض قيود شديدة على أنشطة وتحركات الفصائل السورية الموالية لتركيا، والتي يتم توظيفها، بحسب العديد من التقديرات، في تعزيز النفوذ التركي في سوريا، ومحاصرة المكون الكردي في مناطق الشمال.

وعليه، فقد اتخذت الإدارة الأمريكية، في الآونة الأخيرة، مجموعة من التدابير ضد بعض هذه الفصائل، ومنها فرض مكتب مراقبة الأصول الأجنبية التابع لوزارة الخزانة الأمريكية عقوبات على “لواء سليمان شاه” بقيادة محمد حسين الجاسم وشقيقه، و”كتيبة الحمزة” التي يقودها سيف بولاد بكر، في 17 أغسطس الجاري.

وتضمنت الإجراءات الأمريكية فرض عقوبات على الأنشطة الاقتصادية ذات الصلة الوثيفة بالشركات التابعة للفصيلين، وأهمها إدراج وكالة محمد الجاسم للسيارات “السفير أوتو” ومقرُّها تركيا ضمن العقوبات، بجانب مراقبة الشبكات المالية المحلية التابعة لقادة وكوادر “كتيبة الحمزة”، وهو ما يمكن أن يحرم الفصيلين من عائدات مالية كبيرة كانا يحصلان عليها من الأعمال غير المشروعة.

تطورات لافتة

تزامن قرار واشنطن بإدراج “لواء سليمان شاه” و”كتيبة الحمزة” على قائمة العقوبات مع تطورات محلية وإقليمية لافتة، أهمها المناورات المشتركة التي أُجريت خلال الفترة من 15 إلى 17 أغسطس الجاري بين الجيش الأمريكي ومليشيا “وحدات حماية الشعب الكردية” بمدينة القامشلي التابعة لمحافظة الحسكة شمال شرق سوريا، والتي أثارت استياءً ملحوظاً من جانب تركيا.

ومن دون شك، لا يمكن استبعاد أن يكون قرار الولايات المتحدة الأمريكية ضد الفصيلين مرتبطاً باتجاه تركيا نحو تعزيز علاقاتها الثنائية مع روسيا، وهو ما بدا جلياً في مؤشرات عديدة منها إعلان الرئيس التركي رجب طيب أردوغان عن زيارة محتملة قد يقوم بها الرئيس الروسي فيلاديمير بوتين إلى تركيا.

كما لا ينفصل قرار وزارة الخزانة الأمريكية ضد فصيلي “الحمزة” و”سليمان شاه” عن اتجاه واشنطن إلى إعادة التموضع في المنطقة، بشكل انعكس في تعزيز حضورها العسكري في مياه الخليج العربي، حيث أرسلت، في 6 أغسطس الجاري، ثلاثة آلاف جندي إلى المنطقة، في إطار سياستها الجديدة لمواجهة تهديدات خصومها، وخاصة إيران، التي تعتقد الولايات المتحدة الأمريكية أنها باتت تمثل التهديد الأبرز لحرية الملاحة في المنطقة.

اعتبارات عديدة

يمكن تفسير قرار واشنطن فرض عقوبات ضد “لواء سليمان شاه” و”كتيبة الحمزة” في ضوء اعتبارات عديدة يتمثل أبرزها في:

1- مواجهة أنشطة المليشيات المسلحة: ربطت الولايات المتحدة الأمريكية معاقبتها للجماعتين المسلَّحتين “سليمان شاه” و”الحمزة” اللتين تنشطان منذ عام 2018 في بلدة عفرين، الخاضعة لفصائل المعارضة السورية المدعومة من تركيا، بأنشطتهما في الداخل السوري، حيث ذكرت وزارة الخزانة الأمريكية، في بيان لها، أنّ “هذه الجماعات المسلّحة فاقمت المعاناة التي سببتها سنوات من الحرب الأهلية في شمالي سوريا، وأعاقت انتعاش المنطقة من خلال الانخراط في انتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان ضد الفئات الضعيفة من السكان”.

ووجّهت واشنطن إلى “لواء سليمان شاه” اتهامات باختطاف وابتزاز السكان، خصوصاً سكان عفرين الأكراد، لإجبارهم على ترك منازلهم والفرار، أو دفع فديات كبيرة مقابل إعادة ممتلكاتهم أو أفراد عائلاتهم. كما قالت وزارة الخزانة إن “كتيبة حمزة” شاركت في إدارة مراكز اعتقال، حيث احتجزت ضحايا مختطَفين مقابل فدية، تعرّضوا للتعذيب والاعتداء الجنسي. وكشفت الوزارة عن أن قائد فصيل “الحمزة” تورط في عمليات القمع الوحشي للسكان المحليين في منطقة عفرين، من خلال خطف نساء كرديات، وإساءة معاملة السجناء بشدة، وقتلهم في بعض الأحيان.

2- تفكيك الشبكات المالية المتعددة: يكشف قرار وزارة الخزانة الأمريكية ضد فصيلي “سليمان شاه” و”الحمزة” عن سعى واشنطن إلى تفكيك كافة الشبكات المالية التي شكلتها هذه الفصائل في الأعوام الماضية، والتي تتألف من شركات صغيرة ومتوسطة الحجم في سوريا وتركيا. وتجدر الإشارة إلى أن وزارة الخزانة قدَّرت أن محمد حسين الجاسم المسئول عن “لواء سليمان شاه” كان يكسب، على الأرجح، عشرات الملايين من الدولارات سنوياً من خلال الأعمال التجارية التي يقوم بها، ومنها تجارة السيارات، حيث يمتلك سلسلة معارض في تركيا، ومناطق الشمال السوري. كما تمكن الجاسم من جني مبالغ كبيرة من وراء عمليات الخطف والمصادرة والفدية.

3- تحييد الضغوط التركية المستمرة: لا تنفصل العقوبات التي فرضتها واشنطن عن رغبتها في تحييد الضغوط التركية على مناطق الشمال السوري، خاصة في ظل استمرار التهديدات التركية بإمكانية شن عملية عسكرية جديدة لاجتياح المناطق الكردية، وهو ما تُعارضه واشنطن التي تنظر إلى مليشيا “قوات سوريا الديمقراطية” (قسد) كنقطة استناد استراتيجية في مواجهة تنظيم “داعش” في سوريا والعراق. وهنا، فإن فرض عقوبات على بعض الفصائل السورية المدعومة تركياً، بالإضافة إلى المناورات العسكرية الأخيرة بين واشنطن والمليشيا الكردية السورية، تبدو وكأنها رسائل تحذيرية قوية لتركيا من مخاطر وتداعيات أي انخراط عسكري مجدداً على مناطق الشمال السوري، بذريعة مكافحة الإرهاب ومسلحي حزب العمال الكردستاني.

4- الرد على التحركات الروسية: تسعى الولايات المتحدة الأمريكية من خلال خطوتها ضد الفصيلين السوريين إلى تعزيز نفوذها في مواجهة الهيمنة الروسية في الداخل السوري، وهو ما كشفت عنه الانتقادات المتبادلة بين الطرفين، ففي الوقت الذي اتّهمت فيه موسكو، في 6 مايو الماضي، واشنطن بانتهاك مذكرات التفاهم بشأن المجال الجوي فوق سوريا؛ اتّهم الجيش الأمريكي الطيران الروسي بخرق البروتوكولات العسكرية والاحتكاك بسلاح الجو الأمريكي في أجواء سوريا، وأكد البنتاجون، في بيان له في منتصف يوليو الفائت، أن القوات الجوية الروسية تواصل استفزاز القوات الجوية الأمريكية في سوريا.

وفي هذا السياق، فإن اتجاه واشنطن نحو تقييد أنشطة وتحركات الفصيلين السوريين المواليين لتركيا ربما يستهدف قطع الطريق على موسكو لتعزيز تعاونها مع الفصائل الموالية لتركيا للتأثير على الوجود الأمريكي في سوريا، ومن جهة أخرى توجيه رسالة لموسكو بأن واشنطن عازمة على تكريس نفوذها في الداخل السوري خلال المرحلة المقبلة.

ملفات متداخلة

ختاماً، يمكن القول إن الخطوة الأمريكية تجاه الفصيلين السوريين المدعومين من تركيا لا تعني أن المرحلة القادمة سوف تشهد توتراً متصاعداً بين الولايات المتحدة الأمريكية وتركيا، إذ إن ثمة مصالح تربط الطرفين، كما أن واشنطن لا تريد رفع مستوى التصعيد على الجبهة السورية في التوقيت الحالي في ظل انشغالها بالحرب الروسية-الأوكرانية. بيد أن محاولة فرض قيود شديدة على أنشطة وتحركات بعض الفصائل الموالية لتركيا تشير، من جانب آخر، إلى أن الولايات المتحدة الأمريكية عازمة على استمرار دعمها لحلفائها الأكراد في الداخل السوري، وماضية في محاصرة النفوذ الروسي.