تأمين الدعم:
دوافع زيارة رئيس حكومة الوحدة الوطنية الليبية إلى تركيا

تأمين الدعم:

دوافع زيارة رئيس حكومة الوحدة الوطنية الليبية إلى تركيا



قام رئيس حكومة الوحدة الوطنية الليبية المؤقتة عبد الحميد الدبيبة بزيارة إلى تركيا، في 20 أكتوبر 2023، حيث التقى خلالها الرئيس التركي رجب طيب أردوغان. واستهدف اللقاء دعم سبل تطوير العلاقات الثنائية، خاصة في مجال الطاقة، بالإضافة إلى مناقشة ترتيبات العملية الانتخابية في ليبيا. وكان لافتاً أن زيارة الدبيبة إلى تركيا جاءت بشكل مفاجئ، حيث لم يتم الإعلان عنها رسمياً، على نحو يوحي بأن ثمة متغيرات جديدة طرأت على الساحة ربما يكون لها دور في الترتيب لتلك الزيارة في هذا التوقيت.

سياقات مغايرة

جاءت زيارة الدبيبة لتركيا وسط سياقات محلية وإقليمية مغايرة، وهو ما يمكن بيانه على النحو التالي:

1- الدفع نحو العملية الانتخابية: تزامنت زيارة الدبيبة مع تزايد الجهود التي تبذل من أجل دعم فرص إجراء العملية الانتخابية في ليبيا، وسعي بعض الأطراف المحلية الليبية إلى توظيف الدور التركي لدعمها في المشهد الانتخابي، على نحو بدا جلياً في زيارة رئيس المفوضية العليا للانتخابات في ليبيا عماد السايح إلى تركيا مطلع أكتوبر الجاري.

كما سبق هذه الزيارة توجه البعثة الأممية لليبيا بقيادة عبد الله باتيلي إلى تركيا في 12 أكتوبر الجاري بغية إحداث توافق بين أطراف الصراع السياسي بالبلاد حول الانتخابات الرئاسية والنيابية المُنتظرة التي أكد خلالها أن إجراء الانتخابات يعد مسألة مفصلية لمستقبل ليبيا السياسي.

2- استقطاب التأييد التركي لحكومة الدبيبة: ثمة قلق لدى حكومة الدبيبة من اتجاه بعض القوى السياسية المحلية في الداخل الليبي لتأسيس حكومة جديدة قبل العملية الانتخابية، حيث يستعد مجلس النواب الليبي لخوض مشاورات سياسية بهدف تشكيل حكومة جديدة منوط بها الإشراف على العملية الانتخابية المقبلة.

وتجدر الإشارة إلى أن عقيلة صالح رئيس البرلمان الليبي كان قد طالب، في 5 أكتوبر الجاري، الأمين العام للأمم المتحدة انطونيو غوتيريش بحشد الدعم الدولي لتشكيل حكومة موحدة مهمتها إجراء الانتخابات الرئاسية والبرلمانية وفقاً لنص المادة 86 من قانون انتخاب رئيس الدولة، ونص المادة 90 من قانون انتخاب مجلس الأمة، ولضمان إجراء انتخابات حرة ونزيهة في ظل حكومة موحدة في كافة أنحاء البلاد.

وفي هذا السياق، يسعى الدبيبة لإقناع تركيا بمواصلة دعمها لحكومته المؤقتة، من خلال التلويح ببعض الامتيازات الإضافية المرتبطة بالطاقة التي يمكن أن تمنحها حكومة الدبيبة لتركيا، وهو ما انعكس في مناقشة الدبيبة وأردوغان مشروعات استثمارية جديدة في مجال الطاقة، فضلاً عن حث الدبيبة البرلمان التركي على الموافقة على مذكرة التفاهم الموقّعة في 3 أكتوبر 2022 بين طرابلس وأنقرة، بشأن التعاون في مجال المحروقات، والتي أثارت ردود فعل قوية داخلية وخارجية.

3- تعزيز الموقف المناوئ للقوانين الانتخابية: تأتي زيارة الدبيبة لأنقرة في ضوء جهود حكومته لعرقلة تمرير قوانين الانتخابات التي أقرها البرلمان الليبي، والتي شملت السماح لكل مواطن ليبي بالترشح، سواء كان مدنياً أو عسكرياً، وزيادة عدد مقاعد مجلس النواب من 200 إلى 300 مقعد.

وبحسب العديد من التقديرات، فإن الأطراف السياسية الموالية لحكومة الوحدة الوطنية أعلنت رفضها لهذه القوانين، ومن ثم تبدو تركيا ورقة ضاغطة يمكن استثمارها في تقوية جبهة حكومة الدبيبة لعرقلة هذه القوانين.

4- حماية المصالح التركية في غرب ليبيا: يعكس الاهتمام التركي بتوثيق العلاقات مع حكومة الدبيبة في التوقيت الحالي مساعي أنقرة لترسيخ نفوذها طويل الأمد في غرب ليبيا، ولا سيما بعد مذكرات التفاهم التي وقّعتها أنقرة مع حكومة الدبيبة، مطلع أكتوبر 2022، وحاجة أنقرة إلى تأمين مصالحها النفطية، خاصةً في ظل احتمال تراجع مشاريع الطاقة بين أنقرة وإسرائيل خلال المرحلة المقبلة، بعد توتر العلاقات بينهما منذ وقوع عملية “طوفان الأقصي” في 7 أكتوبر الجاري، وإعلان تركيا معارضتها للتحركات العسكرية الإسرائيلية ضد قطاع غزة. وتجدر الإشارة إلى أن الرئيس أردوغان عشية لقائه مع الدبيبة، كلّف وزير الطاقة التركي ألب أرسلان بيرقدار بالمشاركة في مؤتمر الطاقة الليبي المزمع عقده في نوفمبر القادم بالعاصمة طرابلس بمشاركة عدد من الدول والشركات العالمية.

توقيت لافت

أثار توقيت زيارة الدبيبة إلى تركيا تساؤلات عدة، حيث تأتي هذه الزيارة وسط تقارب تركي مع شرق ليبيا، والذي وصل إلى الذروة بعد المواقف التركية الإيجابية تجاه كارثة درنة التي وقعت في الفترة من 4 إلى 12 سبتمبر الفائت، حيث أرسلت تركيا فرق إنقاذ ومساعدات إغاثية كبيرة، ووعدت بممارسة دور معتبر في عملية إعمار المدينة. وتجدر الإشارة إلى أن أنقرة أبدت استعدادها لبناء علاقات وثيقة مع السلطات في شرق ليبيا، وشهدت الفترة الأخيرة سلسلة من التفاعلات بين الطرفين، على غرار زيارة رئيس مجلس النوّاب الليبي عقيلة صالح إلى تركيا في 2 أغسطس 2022. ويعني ذلك أن حكومة الدبيبة تسعى إلى تعزيز علاقاتها مع أنقرة قبل أن تتجه العلاقات بين الأخيرة وغرب ليبيا إلى مرحلة جديدة من التعاون قد تؤدي إلى تقليص قدرتها على المناورة وحرية الحركة المتاحة أمامها على المستويين الإقليمي والدولي.

انعكاسات محتملة

هناك جملة من الانعكاسات التي ربما تفرضها الزيارة المفاجئة لرئيس الحكومة الليبية المؤقتة عبد الحميد الدبيبة إلى تركيا، وفي الصدارة منها تعزيز شرعية حكومة الدبيبة، إذ تشير بعض التقديرات إلى أن زيارة الدبيبة إلى تركيا، واجتماعه بالرئيس أردوغان، تعكس رسائل ضمنية من قبل تركيا مفادها استمرار اعترافها بشرعيته، وتمسكها باستمراريته في المشهد، على الأقل في المدى المنظور، وذلك رداً على مساعي بعض الأطراف الليبية للدفع نحو تشكيل حكومة ليبية جديدة.

كما تعكس هذه الزيارة تأمين وزيادة الحضور التركي في الساحة الليبية، إذ كشفت التصريحات التركية عشية لقاء الدبيبة وأردوغان، حرص أنقرة على الاستمرار في دعم وتطوير العلاقات الثنائية مع ليبيا، خاصة في المجال الاقتصادي، وقطاع الطاقة. كما يوحي استقبال أردوغان للدبيبة بأن أنقرة تستهدف حالياً تعزيز انخراطها في الملف الليبي، والتعاون مع الشركاء الإقليميين للتحضير للانتخابات المقبلة هناك.

على صعيد متصل، قد تسفر زيارة الدبيبة عن توجيه رسائل لخصوم الدبيبة في الداخل الليبي، مفادها أنه يحظى بدعم تركي، وأن أنقرة رغم التطور الحادث في علاقاتها مع شرق ليبيا إلا أن هذا لا يعني التخلي عن حليفها في الغرب الذي اتخذ خطوات عديدة لزيادة الدور العسكري والاقتصادي التركي.

ختاماً،يمكن القول إن الدبيبة يسعى لتعزيز حضوره في الداخل الليبي خلال الفترة المقبلة، وتأتي تحركاته تجاه تركيا في هذا الإطار؛ بيد أن التقارب بين أنقرة وطرابلس في هذا التوقيت يرتبط بمحددين رئيسيين: الأول، رغبة الدبيبة في توظيف الدور التركي في تحييد ضغوط خصومه في الداخل، خاصة مع اقتراب بعض الاستحقاقات السياسية المهمة. والثاني، مساعي تركيا لضمان المشاركة في الترتيبات الجديدة التي يجري التحضير لها داخل ليبيا، وصياغة توافقات داخلية تضمن مصالحها بالدرجة الأولى.