حسابات واشنطن:
دوافع توجيه ضربات متتالية لتنظيم “حراس الدين” في سوريا

حسابات واشنطن:

دوافع توجيه ضربات متتالية لتنظيم “حراس الدين” في سوريا



جددت الولايات المتحدة عمليات استهداف قيادات تنظيم “حراس الدين” في سوريا- المرتبط بتنظيم “القاعدة”- وكان آخرهم قيادي يدعى أبو حمزة اليمني، بعد تراجع تلك العمليات منذ مطلع العام الجاري. ويمكن تفسير ذلك في ضوء عدة دوافع، منها التأكيد على استمرار نهج إضعاف التنظيم وتحجيم نشاطه، وتصفية القيادات التي تتبنى مشروع “الجهاد العالمي”، وتأمين المصالح الأمريكية في سوريا، والتأكد من عدم قدرة التنظيم على استهداف الداخل الأمريكي.

على الرغم من تراجع الغارات الجوية الأمريكية باستخدام الطائرات من دون طيار، لاستهداف قيادات تنظيم “حراس الدين”، خلال الأشهر الستة الأولى من العام الجاري، إلا أن الغارة التي نفذتها القوات الأمريكية لاستهداف القيادي بالتنظيم أبو حمزة اليمني، في 27 يونيو الفائت، تشير إلى استمرار النهج الأمريكي في تحييد القيادات الفاعلة في التنظيم المُصنف على القائمة الأمريكية للإرهاب.

وقد تأسس التنظيم عام 2018، بعد انشقاق مجموعات جهادية عن “هيئة تحرير الشام” في ظل تعميق فك الارتباط مع تنظيم “القاعدة”، لتبدأ الولايات المتحدة من خلال قواتها المشاركة ضمن قوات التحالف الدولي لمواجهة تنظيم “داعش” التي تتمركز في سوريا، في مراقبة وتكثيف الجهد الاستخباراتي لملاحقة قيادات التنظيم، وتمكنت من تحييد عدد من القيادات البارزة، كان آخرهم أبو حمزة اليمني.

سياقات حاكمة

يمكن النظر إلى عملية استهداف اليمني من قبل القوات الأمريكية بسوريا، في إطار عدد من السياقات، التي يتمثل أبرزها في:

1- ملاحقة قيادات تنظيم “داعش”: تنشط الولايات المتحدة في ملاحقة قيادات تنظيم “داعش” في الساحة السورية خلال الفترة الحالية، بعد تصنيفات عسكرية واستخباراتية متقدمة حيال التهديد المتعلق بنشاط فرع التنظيم بسوريا، وتحديداً عقب محاولة اقتحام سجن غويران، لتبدأ القوات الأمريكية المتمركزة ضمن التحالف الدولي في توجيه ضربات متلاحقة لاستهداف قيادات التنظيم الفاعلة، وكان أبرزهم زعيم التنظيم أبو إبراهيم الهاشمي الذي قتل في 3 فبراير الماضي، والقيادي في التنظيم هاني الكردي الذي اعتقلته القوات الأمريكية في منتصف يونيو الفائت، وأخيراً زعيم التنظيم في سوريا ماهر العقال الذي قتل في 12 يوليو الجاري.

2- تعزيز النشاط الأمني لمليشيا “قسد”: بموازاة العمليات الأمريكية في سوريا،التي تتنوع بين الغاراتالجوية باستخدام الطائرات من دون طيار، وعمليات الإنزال الجوي التي ما زالت محدودة، فإن ثمة عمليات أمنية تنفذها مليشيا “قوات سوريا الديمقراطية” (قسد) لملاحقة خلايا تنظيم “داعش”، بعضها بمشاركة القوات الأمريكية، أو بدعم وإسناد جوي، ودعم استخباراتي ملحوظ، من أجل منع أي اختراق للتنظيم في مناطق نفوذ “قسد” بشمال شرق سوريا، بعد تصاعد النشاط العملياتي في تلك المناطق منذ الربع الأخير من العام الماضي، وإن كان منحنى العمليات يتغير صعوداً وهبوطاً على مدار 9 أشهر.

3- منع “القاعدة” من التموضع بأفغانستان: لا زالت التقديرات الأمريكية العسكرية والاستخباراتية تشير إلى أن القيادة المركزية لتنظيم “القاعدة” في أفغانستان لديها الحرية في الحركة، منذ سيطرة حركة “طالبان” على الحكم في منتصف أغسطس من العام الماضي، مقارنة بفترة وجود القوات الأمريكية. هذه التقديرات تصاحبها تخوفات من استعادة قيادات “القاعدة” قدرتها على ترتيب أوضاعها وزيادة التواصل والتنسيق مع الأفرع المختلفة، وتقديم أشكال الدعم الممكنة، بصورة تزيد من التهديدات التي تمثلها تلك الأفرع في عدد من الدول، ومنها سوريا التي ينشط فيها تنظيم “حراس الدين”.

4- إدارة الخلافات المتعددة مع روسيا: خلال الأشهر القليلة الماضية، بدا أن سوريا يمكن أن تتحول إلى بؤرة لتصدير التوتر بين واشنطن وموسكو على أكثر من مستوى، على خلفية الأزمة الروسية – الأوكرانية. وخلال الشهر الماضي، تطور الوضع إلى احتكاك عسكري، بقصف مقاتلات روسية للقاعدة العسكرية الأمريكية جنوب شرق سوريا، لاستهداف مجموعة مسلحة متحالفة مع القوات الأمريكية، تدعى “مغاوير الثورة”، رغم أن الرواية الأمريكية غير الرسمية التي نشرتها صحف أمريكية، كشفت أن موسكو أبلغت واشنطن بتوجيه ضربة جوية، قبل التنفيذ، على نحو مكن من تحذير هذا الفصيل المسلح، لتقليل خسائر الضربة.

أهداف رئيسية

تسعى الولايات المتحدة عبر استهداف قيادات تنظيم “حراس الدين” إلى تحقيق أهداف عديدة يمكن تناولها على النحو التالي:

1- استمرار استراتيجية إضعاف وتحجيم النشاط: في ضوء خريطة توزيع النفوذ على الساحة السورية، فإن الولايات المتحدة ستواجه عقبات إذا أرادت شن عمليات برية لتنفيذ أهداف عملياتية استئصالية لتنظيم “حراس الدين”، وبالتالي فإن استهداف اليمني يمثل استمراراً للنهج الأمريكي في تحجيم النشاط لأبعد درجة ممكنة، واستمراراً لسياسة الإضعاف عبر استهداف القيادات المؤثرة والفاعلة، هذا على الرغم من تراجع الغارات الجوية باستخدام الطائرات من دون طيار لملاحقة قيادات التنظيم. وفي ضوء تولي قائد جديد للقيادة الأمريكية الوسطى هو الجنرال مايكل كوريلاً، يمكن أن تواصل القوات الأمريكية عمليات الاستهداف خلال الفترة المقبلة، دون توقف لفترة طويلة كما حدث خلال الأشهر القليلة، ولكن هذا النشاط في استهداف “حراس الدين” يواكبه نشاط لملاحقة قيادات “داعش”، وإن كان الأخير يمثل تهديداً أكبر.

2- تصفية توجهات مشروع “الجهاد العالمي”: يعكس تنفيذ القوات الأمريكية غارات لاستهداف قيادات “حراس الدين”، إصرار الولايات المتحدة على تصفية كل ما يتصل بتوجهات مشروع “الجهاد العالمي”، إذ أن التنظيم يرتبط بـ”القاعدة”، وبالتالي فإن عملية تصفيته تكتسب أهمية خاصة بخلاف التنظيمات الأخرى الموجودة على خريطة المليشيات المسلحة في سوريا، وبالتالي إمكانية التعامل مع تلك التنظيمات التي لا تتبنى مشروع “الجهاد العالمي”، بل تتبع أجندة محلية تتعلق بالأوضاع السورية فقط، ولا تتداخل مع أهداف وسياقات خارجية، وهذا يتضح من خلال عدم اتجاه الإدارات الأمريكية إلى تصنيف عشرات التنظيمات والمليشيات في سوريا على قائمتها للإرهاب.

3- تجنب استهداف المصالح الأمريكية: تكتسب عمليات استهداف قيادات “حراس الدين” أهمية خاصة بالنسبة للولايات المتحدة، خاصة أنها تأتي في إطار خطوات استباقية لعدم إتاحة الفرصة للتنظيم لترتيب صفوفه، خوفاً من إقدامه على التخطيط لاستهداف المصالح الأمريكية المباشرة، بالتنسيق مع أفرع تنظيم “القاعدة” الإقليمية، لا سيما أن تلك الأفرع والمجموعات المرتبطة بالقيادة المركزية للتنظيم، تتبنى رؤية تتعلق باستهداف الولايات المتحدة سواء داخل الأراضي الأمريكية، أو في أي مكان.

4- منع الانشقاقات في “هيئة تحرير الشام”: اللافت في ضوء عمليات القوات الأمريكية في إطار مكافحة الإرهاب، أن التركيز الأكبر على تنظيم “داعش” يليه تنظيم “حراس الدين”، ولكن في المقابل تراجع استهداف قيادات “هيئة تحرير الشام”، على الرغم من أنها- إلى جانب زعيمها أبو محمد الجولاني- على قائمة الإرهاب الأمريكية. ورغم تعدد ظهوره علناً في أكثر من مناسبة خلال الأشهر القليلة الماضية، إلا أن الولايات المتحدة لم تقدم على استهدافه أو محاولة تصفية أو اعتقال قيادات الهيئة. ويبدو أن الولايات المتحدة تعيد تقييم الأوضاع فيما يتعلق بـ”هيئة تحرير الشام” بعد فك الارتباط عن “القاعدة”، إضافة إلى التخلي عن مشروعات “الجهاد العالمي”، فضلاً عن سيطرة “الهيئة” على الوضع في إدلب، وبالتالي فإن استهداف “حراس الدين” المستمر قد يُحد من عملية الانشقاقات من “هيئة تحرير الشام”، التي تشكلت نواتها الأساسية من أفراد يتبنون فكر “القاعدة”، خاصة أن اليمني كان عضواً في “الهيئة” قبل الانضمام إلى “حراس الدين”، حيث يعزز من عمليات الانشقاقات الطبيعة السائلة لتيارات السلفية الجهادية، التي يمكن معها انتقال عناصر بين تنظيم وآخر.

5- احتواء محاولات انضمام عناصر أجنبية: في ضوء التوجهات الأيديولوجية لتنظيم “حراس الدين” والارتباط بـ”القاعدة”، فإن استهداف قياداته، بغرض إضعافه وتحجيم قدراته، قد يتصل برغبة أمريكية في احتواء أي محاولات لانتقال عناصر أجنبية والتسلل للداخل السوري والانضمام إليه، إذ أن وجود التنظيم سيمثل تهديداً مستمراً لانضمام عناصر أجنبية من خارج سوريا، خاصة أنه لا يقف عند حدود المشروعات المحلية، ولكن ينتمي لمشروعات “الجهاد العالمي”، إضافة إلى احتواء عملية انضمام عناصر أجنبية منضوية في مليشيات وتنظيمات مسلحة أخرى.

توجه مشروط

وأخيراً، فإن استهداف القوات الأمريكية لقيادات تنظيم “حراس الدين” يأتي في إطار النهج الاستراتيجي للتعاطي مع التنظيمات المرتبطة بتنظيم “القاعدة”، لاستمرار عمليات الضغط عليها، في ضوء قناعة أمريكية عبرت عنها دوائر عسكرية واستخباراتية، بأن تلك التنظيمات إذا اتجهت الأنظار بعيداً عنها فإن لديها القدرة على العودة بشكل أقوى مما كانت. ويمكن أن تتزايد عمليات استهداف قيادات “حراس الدين” الفاعلة، إلا أن ذلك يرتبط بوجود عملية تقييم أمريكية لطبيعة الأهداف، ويتوقف على مستوى الجهد الاستخباراتي.