تفعيل الأداء:
دوافع تغيير “الوزير الأول” في الحكومة الجزائرية

تفعيل الأداء:

دوافع تغيير “الوزير الأول” في الحكومة الجزائرية



بعد نحو شهر واحد من قيام الوزير الأول الجزائري، أيمن بن عبد الرحمن، بعرض “حصيلة أعمال” الحكومة، التي تُغطي مدة عام، أمام البرلمان كما ينص الدستور، ورغم التفاؤل الذي أبداه بالنتائج التي تم تحقيقها، خاصة فيما يتعلق بزيادة قيمة الصادرات خارج نطاق قطاع المحروقات إلى 7 مليار دولار؛ أصدر الرئيس، عبد المجيد تبون، قراراً، في 11 نوفمبر الجاري، بإجراء تغيير حكومي يتضمن إنهاء مهام الوزير الأول، رغم أنه حصل على تزكية نواب البرلمان بعد عرضه بيان السياسة العامة للحكومة.

ووفق بيان الرئاسة الجزائرية، فقد تم تعيين نذير العرباوي، مدير الديوان لدى الرئاسة، بديلاً عن بن عبد الرحمن في منصب الوزير الأول، فيما لم ترد في بيان الرئاسة أية أسباب عن هذه الإقالة، التي جاءت بشكل فردي وليس في إطار حكومي موسّع.

وكما يبدو، فإن ثمة أسباباً متعددة يستند إليها هذا التغيير، يأتي في مقدمتها عدم رضاء الرئيس الجزائري، عبد المجيد تبون، عن أداء الحكومة، نتيجة لتراجع الأداء الحكومي في أكثر من ملف، خاصة الملفات الخاصة بالسياسة الخارجية، هذا فضلاً عن تجاوز المديونية الحدود المعقولة، وحاجة المرحلة القادمة إلى “دبلوماسية اقتصادية”. وكذلك، يأتي الدافع الخاص بالاحتياج إلى وجوه جديدة قبل انتخابات الرئاسة، التي سوف تجرى خلال العام القادم 2024.

أسباب رئيسية

تتعدد الأسباب الدافعة إلى إقالة أيمن بن عبد الرحمن من منصب الوزير الأول في الحكومة الجزائرية، ولعل أهمها ما يلي:

1- عدم رضاء الرئيس عن أداء الحكومة: رغم عدم ذكر بيان الرئاسة الجزائرية أية أسباب تقف وراء الإقالة المُفاجئة للوزير الأول، أيمن بن عبد الرحمن؛ إلا أن الرئيس تبون كان قد سبق أن صرح لوسائل إعلام بأن حكومته “فيها وعليها”، بما يعني أنه غير راضٍ عنها، وعن أداء الوزير الأول.

وكان لافتاً أنه تمت إقالة بن عبد الرحمن بعد أقل من أربعة أسابيع على إلقاء كلمته أمام البرلمان الجزائري، والتي اعترف فيها بوجود أزمة غذاء في الجزائر، وهي الأزمة التي كانت مثار انتقاد الرئيس تبون بشأن “كيفية التعامل مع المشاكل المرتبطة بتوفير المواد الغذائية، وتنفيذ بعض القرارات الرئاسية”.

2– التراجع في ملفات السياسة الخارجية: شهد الأداء الدبلوماسي للحكومة الجزائرية تراجعاً واضحاً في عددٍ من الملفات المتعلقة بالسياسة الخارجية؛ من أهمها عدم الحصول على عضوية منظمة “بريكس”، رغم انضمام دول عربية إليها، مثل الإمارات والسعودية ومصر؛ بما يعنيه ذلك من فشل الحكومة في توفير الأداء اللازم للانضمام إلى المجموعة. فضلاً عن التراجع الجزائري في الملف الأكثر صعوبة، من حيث التنافس مع الجارة الغربية للجزائر (المغرب)، وهو ملف الصحراء، وبالتالي يبدو اختيار نذير العرباوي، الدبلوماسي المخضرم كوزير أول في الحكومة دالاً في هذا الإطار.

إذ أن الأخير- الذي سيحل محله بوعلام بوعلام، المستشار لدى الرئيس، والذي صدر قرار بتعيينه مديراً لديوان رئاسة الجمهورية بالنيابة- يمتلك تجربة طويلة في قطاع الشئون الخارجية الجزائرية. ففضلاً عن أنه كان سفيراً لبلاده لدى جامعة الدول العربية وبعض الدول مثل مصر وباكستان، فقد استدعاه الرئيس تبون، بشكل مباشر، من نيويورك، حيث كان يتولى منصب رئيس البعثة الدبلوماسية الجزائرية لدى الأمم المتحدة، ليتولّى منصب مدير ديوان الرئاسة، ومن بعدها منصب الوزير الأول في الحكومة.

ومن الواضح أنّ إعادة تنشيط الأداء الدبلوماسي للحكومة كان الشغل الشاغل للرئيس تبون، وهو ما تبدى بوضوح في حركة التغيير الواسعة التي أجراها، في 23 فبراير الماضي، في السلك الدبلوماسي والقنصلي؛ حيث طالت حركة التغيير هذه 24 سفيراً، و15 قنصلاً عاماً، و9 قناصل. وقد وصلت هذه الحركة إلى ذروتها بإجراء تعديل وزاري، في 16 مارس الماضي، شمل وزير الخارجية رمطان لعمامرة الذي حل محله أحمد عطاف الذي سبق أن تولّى المنصب نفسه في الفترة بين عامى 1996 و1999.

3- الاتجاه نحو تبني دبلوماسية اقتصادية: كما يبدو، فإن تقارير المستشارين التسعة، الذين عينهم الرئيس الجزائري خلال الشهر الماضي، لأجل مراقبة عمل الحكومة وتنفيذ قرارات رئيس الجمهورية، قد جاءت سلبية؛ وبالتالي رأى الرئيس تبون ضرورة تغيير الوزير الأول، لأجل محاولة ضبط الأداء الحكومي، بل والبناء على ما شهدته المرحلة الماضية من مسار الإصلاحات القانونية والتشريعية، التي استهدفت “إعادة هيكلة الاقتصاد”، واستقطاب الاستثمارات وفق متطلبات السوق الوطنية.

ولعل ذلك يشير إلى محاولة الجزائر استقطاب الاستثمارات العربية والأجنبية، في آسيا وأوروبا؛ بما يعني الحاجة إلى ديناميكية دبلوماسية جديدة، وهو ما يتوافر لدى الوزير الأول الجديد عبر خبرته الكبيرة في الشأن الدبلوماسي، وأيضاً تجربته في إدارة ديوان رئاسة الجمهورية، التي سوف تمكنه من التنسيق والتواصل بشكل أفضل بين الرئاسة والحكومة.

4- الاستعداد للانتخابات الرئاسية القادمة: يأتي اختيار العرباوي ليتولّى منصب الوزير الأول في الحكومة الجزائرية، في إطار التحضير للانتخابات الرئاسية المقررة في ديسمبر من العام المقبل. وبالتالي، فإن الرئيس تبون، الذي من المحتمل أن يتقدم للترشح لفترة ولاية ثانية، يبدو في حاجة إلى وجه جديد في قمة الهرم التنفيذي.

ونظراً للضعف الواضح في الحصيلة الحكومية للوزير الأول السابق بن عبد الرحمن، كان من المهم لمؤسسة الرئاسة تأسيس ديناميكية جديدة داخل الحكومة، عبر البحث عن وجه جديد يترأسها؛ بما يُشير إلى المحاولة الجادة في ترويج صورة إيجابية للأداء الحكومي، وبالتالي صورة الرئيس؛ حيث يأتي تعيين العرباوي في منصب الوزير الأول قبل عام تقريباً من موعد إجراء الانتخابات الرئاسية.

تحديات كبرى

يُمكن القول في هذا السياق إن الجزائر تشهد منذ سبتمبر 2022، تغييرات مستمرة على المستوى الحكومي فرضتها تطورات طرأت على الساحتين الداخلية والخارجية في المرحلة الماضية. ومن المتوقع أن يواجه الوزير الأول الجديد، نذير العرباوي، تحديات لا تبدو هينة في منصبه الجديد، خاصة في ظل الظروف الاقتصادية الصعبة التي تمر بها الجزائر، فضلاً عن الأزمات الإقليمية المحيطة، لا سيما في ليبيا والنيجر، حيث تتصاعد حدة عدم الاستقرار على المستويين السياسي والأمني، بكل ما يفرضه ذلك من تهديدات أمنية مباشرة للجزائر.

ففي ليبيا، لم تستقر القوى المتصارعة على خريطة الطريق التي يمكن من خلالها الوصول إلى مرحلة إجراء الانتخابات البرلمانية والرئاسية. وفي النيجر، تسعى التنظيمات الإرهابية إلى استغلال تفاقم حالة عدم الاستقرار من أجل تعزيز نشاطها من جديد وتنفيذ مزيد من العمليات الإرهابية العابرة للحدود، خاصة في ظل الفراغ الأمني الذي فرضه انسحاب القوات الفرنسية من النيجر ومالي، بعد اتساع نطاق التوتر بين فرنسا وهذه الدول خلال الفترة الماضية.