ضغوط مزدوجة:
دوافع تجدد الاستهداف التركي للشمال السوري

ضغوط مزدوجة:

دوافع تجدد الاستهداف التركي للشمال السوري



بدأت تركيا، في 15 يونيو الجاري، مرحلة جديدة من التصعيد العسكري في مناطق سيطرة “قوات سوريا الديمقراطية” (قسد) والقوات السورية، في شمال غربي سوريا، وذلك رداً على استهداف قاعدة جبرين في شمال سوريا ومركز الشرطة في كليس بمنطقة تل رفعت ومنبج على الحدود التركية، في 11 من الشهر نفسه. وقد تسبب ذلك في تصاعد حدة الخلافات بين أنقرة ودمشق من جهة، وإعلان حزب العمال الكردستاني الذي تصنفه تركيا إرهابياً إنهاء قرار وقف أحادي الجانب لإطلاق النار كان قد اتخذه عشية زلزال 6 فبراير الماضي الذي ضرب مناطق جنوب تركيا وشمال سوريا.

توقيت لافت

لا يمكن فصل الهجوم التركي على مناطق “قسد” والجيش السوري في هذا التوقيت، عن مجموعة من التطورات الهامة التي طرأت على الساحة السورية في الفترة الأخيرة، ويتمثل أهمها في قصف “قسد”، في 11 يونيو الجاري، قاعدة جبرين التركية ومركز الشرطة في كليس، وهو ما أسفر عن إصابة عدد من الجنود الأتراك. وسبق هذا الهجوم قصف صاروخي، في 16 أبريل الماضي، على قاعدة “كفر جنة” التي يتمركز فيها الجيش التركي قرب مدينة أعزاز شمال حلب السورية. ومن هنا، لا يمكن استبعاد أن يكون أحد أهداف الهجوم على “قسد” هو الرد على تلك الخطوة التي اتخذها عناصرها، ولتوجيه رسالة بأن تركيا لن تتخلى عن خططها المتعلقة بمحاصرة التيارات والمليشيات الكردية.

في المقابل، فإن استهداف الجيش التركي لعناصر تابعة للقوات السورية، في 15 يونيو الجاري، لم يكن الأول من نوعه خلال تلك الفترة، ففي 22 أبريل الماضي، وقعت اشتباكات بالأسلحة الثقيلة والمتوسطة بين قوات النظام السوري، وبين عناصر “الجيش الوطني السوري” الموالي لتركيا.

كما أن الهجوم التركي على “قسد” ووحدات تابعة للجيش السوري تزامن مع إعلان القوات الروسية المنتشرة في محافظة حلب السورية، في منتصف يونيو الجاري، عن سحب عناصرها من مناطق خطوط التماس مع فصائل المعارضة السورية الموالية لتركيا، وهو ما اعتبره مراقبون خطوة مفاجئة، في ظل التفاهمات التركية-الروسية، وربما تشكل ضغوطاً على قوات “قسد”.

بالتوازي مع ذلك، فإن الاستهداف يأتي في سياق القرار الذي اتخذته الولايات المتحدة الأمريكية، في 12 يونيو الجاري، بإبقاء قواتها العسكرية شرق الفرات، والتأكيد على استمرار دعمها لـ”قسد” في شرق الفرات، وبدا ذلك جلياً في إرسال الجيش الأمريكي منظومة صواريخ متطوّرة “هيمارس” إلى شرقي الفرات، ولذلك ربما أرادت تركيا عبر هذا الهجوم تأكيد قدرتها على احتواء تداعيات الدعم الأمريكي للأكراد.

أهداف متعددة

عاد التوتر مجدداً على الحدود السورية-التركية بعد فترة من الهدوء النسبي، فرضها انشغال تركيا بالانتخابات التشريعية والرئاسية التي أجريت في 14 و28 مايو الفائت. ورغم أن هذه الحالة ليست جديدة، فإن تصاعد التوتر هذه المرة يرتبط بسعى أنقرة إلى تحقيق أهداف عديدة يتمثل أبرزها في:

1- تقليص حدة التهديدات الكردية: لا تنفصل الهجمات التركية الأخيرة على مناطق “قسد” في هذا التوقيت عن قلق أنقرة من أن يؤدي الدعم الغربي، وخاصة الأمريكي، لـ”قسد” إلى الاعتراف الدولي بنظام الإدارة الذاتية المعمول به من قبل حزب الاتحاد الديمقراطي الكردي في مناطق شرق الفرات، ومن ثم إضعاف جهود تركيا الرامية إلى القضاء على حزب العمال الكردستاني وروافده في دول الإقليم. وتأتي الهجمات التركية الأخيرة في أعقاب إعلان الولايات المتحدة الأمريكية، في مطلع يونيو الجاري، عن بقاء قواتها في شرق سوريا، واستمرار التفاهمات والتنسيق المشترك مع عناصر “قسد” حيال مكافحة تنظيم “داعش”.

2- استباق اجتماع مسار أستانة: من المقرر أن يجتمع نواب وزراء خارجية تركيا وإيران وروسيا وسوريا خلال الفترة المقبلة في أستانة ضمن اجتماع دوري في إطار تسوية الأزمة السورية بالإضافة إلى مناقشة مسار الحوار بين أنقرة ودمشق. ويبدو أن تركيا تريد استباق مسار أستانة من أجل رفع سقف المفاوضات مع الدول التي تعارض التدخل العسكري التركي في الشمال السوري، من خلال التأكيد على أن هناك تنظيمات إرهابية في شمال سوريا تهدد أمنها واستقرارها، وهو ما يقتضي بقاء حضورها العسكري في شمال سوريا، وتوظيف هذه الهجمات للضغط على النظام السوري الذي يصر على انسحاب القوات التركية من كافة الأراضي السورية قبل الوصول إلى تطبيع كامل بين دمشق وأنقرة.

3- مواصلة حشد القوميين في الداخل: يشكل الهجوم التركي على مناطق “قسد” أداة قد يستخدمها الرئيس التركي رجب طيب أردوغان لضمان الحفاظ على الكتلة التصويتية للقوميين الأتراك في الانتخابات المحلية 2024، خاصة وأن التيار القومي في الداخل التركي كان “صانع الفوز” لأردوغان في الانتخابات الرئاسية التي أجريت على جولتين في 14 و28 مايو الفائت. ويتبنى التيار القومي في تركيا توجهات مناهضة للأكراد، ويعلي من شأن الخيار العسكري في مواجهة حزب العمال الكردستاني وروافده في شمال سوريا والعراق.

4- اتخاذ خطوات تنفيذية لترحيل اللاجئين: ترتبط الهجمات التركية على مناطق الشمال السوري وبعض مقرات الجيش السوري، في جانب معتبر منها، برغبة تركيا في تعزيز ضغوطها لترحيل اللاجئين السوريين المقيمين في تركيا، خاصة أن أردوغان كان قد تعهد عشية الانتخابات الرئاسية الأخيرة ببذل مزيد من الجهود لضمان العودة الطوعية للاجئين السوريين الموجودين بتركيا. ويُشار إلى أن تركيا بدأت في تنفيذ مشروع بناء نحو 240 ألف منزل في منطقة جرابلس الحدودية لاستيعاب اللاجئين، وذلك في غضون ثلاث سنوات.

يأتي هذا في الوقت الذي تطالب فيه أنقرة بترحيل اللاجئين، وعودتهم إلى وطنهم الأم، خاصة أنهم باتوا يشكلون عامل ضغط على الاقتصاد الذي يعاني تراجعاً لافتاً. وبالنظر إلى مخاوف تركيا من تحركات “قسد” لتعزيز هيمنتها في شمال سوريا، ورفض النظام السوري الاستجابة لمطالب أنقرة بشأن عودة اللاجئين، يمكن تفسير عودة تركيا إلى تجديد التصعيد العسكري بشمال سوريا في التوقيت الحالي.

5- التأثير على المقاربة الأمريكية: يوجه الهجوم على مناطق “قسد” رسالة تركية إلى الولايات المتحدة الأمريكية التي تعارض العمليات العسكرية التركية في شمال سوريا، وترفض التطبيع التركي مع النظام السوري. وفي هذا السياق، يبدو أن الهجوم التركي الأخير يستهدف في جوهره التأثير على المقاربة الأمريكية التي تتناقض مع المصالح التركية في الساحة السورية. كما يستهدف الهجوم التركي إثبات القدرة على مواجهة “قسد” وتحييد سياسة فرض الأمر الواقع التي تسعى واشنطن إلى تبنيها في سوريا.

6- استمرار توظيف القوة الصلبة: سعت أنقرة عبر الضربات العسكرية إلى تأكيد أنها ماضية قدماً في تنفيذ خططها العسكرية التي وعدت بها في الشهور الماضية، وتأجلت بسبب الانتخابات التشريعية والرئاسية التي أُجريت في مايو الفائت، وقبلها الزلزال الذي ضرب تركيا في فبراير الماضي، ولن يردعها عن ذلك الرفض الأوروبي والأمريكي لتبني الخيار العسكري في مواجهة مليشيا “قسد”.

تحذيرات مباشرة

على ضوء ذلك، يمكن القول إن الضربات العسكرية التركية الأخيرة والتي استهدفت مناطق “قسد” والجيش السوري تمثل رسائل تحذير مباشرة للقوى المنخرطة في المشهد السوري، بأن تركيا عازمة على المضي قدماً لتحقيق أهدافها، سواء المتعلقة بتفكيك مشروع الإدارة الذاتية الكردية في شمال سوريا، أو تأمين عودة اللاجئين السوريين إلى بلادهم برغم معارضة دمشق.