احتواء المخاطر:
دوافع الدعم الأوروبي للمشروعات التنموية في العراق

احتواء المخاطر:

دوافع الدعم الأوروبي للمشروعات التنموية في العراق



شهدت الآونة الأخيرة كثافةً في التحركات الأوروبية بالعراق، حيث أعلن سفير بعثة الاتحاد الأوروبي لدى العراق فيلي فارجولا، في 5 يونيو الجاري، أنه طلب من الحكومة الحالية برئاسة محمد شياع السوداني، تقديم التسهيلات للمشروعات التي تنفذها دول الاتحاد الأوروبي في العراق. وأكد خلال مؤتمر نظمته الوكالة الألمانية للتعاون الدولي في بغداد، أن هناك كثيراً من الدول مثل إيطاليا وألمانيا وفرنسا وهولندا والسويد تدعم إقامة المشروعات في العراق. وتهتم الدول الأوروبية بدعم العلاقات مع العراق في ملفات متنوعة، وعلى رأسها مشاريع الغاز والطاقة، ومواجهة الجماعات المسلحة، وسبل التنسيق في ملف اللاجئين، خاصةً مع استمرار تداعيات الصراعات التي تشهدها منطقة الشرق الأوسط، بالإضافة إلى انعكاسات الحرب الروسية-الأوكرانية على أسواق الطاقة.

خطوات متعددة

تبنّى الاتحاد الأوروبي خلال الفترة الماضية عدداً من الخطوات لتوسيع نطاق حضوره في العراق، وظهر ذلك في اتجاه الدول الأوروبية نحو مساعدة الحكومة العراقية والقطاع الخاص العراقي، للعمل على تطوير المشروعات الصغيرة والمتوسطة، لتطوير الاقتصاد. ويعتمد الاتحاد الأوروبي في تحركاته بالعراق على الأدوات الاقتصادية، على غرار العمل على توسيع نطاق مشاركة المصارف الأوروبية الكبيرة في تمويل المشاريع الاستثمارية داخل العراق، ولا سيما في مجال الطاقة المتجددة، وخاصة بعد خروج العراق من القائمة الأوروبية للدول عالية المخاطر في 9 يناير 2022.

وعلى صعيد ذي شأن، كانت العراق أول محطة خارجية لرئيسة وزراء إيطاليا جورجيا ميلوني بعد توليها رئاسة الحكومة الإيطالية، حيث زارت بغداد في 24 ديسمبر الماضي، في إطار جهود إيطالية لتعزيز التعاون مع العراق في مجالات متنوعة، وخاصة في قطاع الطاقة، وتجلى ذلك في الاتفاق بين البلدين مؤخراً على تعزيز الاستثمارات الإيطالية لتطوير البنية التحتية في قطاع الطاقة العراقي. وتجدر الإشارة إلى مشاركة روما في معرض بغداد الدولي الذي تم تنظيمه في الفترة من 1 إلى 10 نوفمبر الماضي، وذلك بهدف إبرام صفقات مع الحكومة العراقية لتأهيل البنى التحتية، ولا سيما المنشآت الصناعية التحويلية في قطاع النفط والغاز. كما التقى رئيس الوزراء العراقي محمد شياع السوداني مع رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين، وذلك على هامش مشاركته في مؤتمر ميونخ للأمن في 17 فبراير الماضي، حيث أشارت الأخيرة إلى إقبال دول الاتحاد الأوروبي على التعاون والتبادل مع العراق، في ظل الشراكات طويلة الأمد.

تحركات أوروبا تجاه العراق لم تقتصر على ما سبق، ففي 9 يناير 2022 أصدر الاتحاد الأوروبي قراراً برفع اسم العراق من قائمة الدول عالية المخاطر في غسل الأموال وتمويل الإرهاب، فضلاً عن تأكيد سفير الاتحاد الأوروبي لدى العراق فيليه فارجولا على تنامي الدور الإقليمي الإيجابي للعراق، وهو ما دفع الاتحاد إلى اعتماد خطة أوروبية تمتد لسبع سنوات تهدف إلى تقديم الدعم المؤسساتي للعراق.

في المقابل، سعت العراق منذ وصول محمد شياع السوداني إلى رئاسة الحكومة في 27 أكتوبر الماضي نحو تطوير علاقاتها مع الدول الأوروبية، وظهر ذلك في الجولة التي قام بها، في يناير الماضي، وشملت فرنسا وألمانيا، وإبرامه اتفاقيات ومذكرات تفاهم في مجالات مختلفة، كالطاقة والنقل والإسكان ومحاربة الفساد والجريمة والتعليم والصحة والبيئة وغيرها من الملفات.

كما قدم الاتحاد الأوروبي دعماً للعراق من أجل مواجهة عدد من الأزمات التي تعانيها في مجالات التنمية، وانعكس ذلك في توقيع وزارة التخطيط العراقية في العام الماضي ثلاث اتفاقيات بقيمة تصل إلى ٥٠ مليون يورو.

وسعت العراق خلال الأعوام الخمسة الماضية نحو توسيع نطاق علاقاتها مع الاتحاد الأوروبي، وخاصة بعد انحسار تنظيم “داعش”، والاتجاه نحو تنفيذ عمليات إعادة الإعمار في المناطق التي دمرها التنظيم. ويعتبر الاتحاد الأوروبي شريكاً طويل الأمد للعراق، ويتعاون معها في مجال المساعدات الإنسانية. ويشار إلى أنه منذ عام 2003، استثمر الاتحاد الأوروبي أكثر من مليار يورو في تقديم المساعدات للعراق، ليصبح أحد المانحين الدوليين الرئيسيين.

أسباب رئيسية

يمكن تفسير هذه التحركات الأوروبية نحو دعم المشروعات التنموية في العراق في ضوء دوافع عديدة يتمثل أبرزها في:

1- استمرار إمدادات الطاقة العراقية: تمثل إمدادات الطاقة أحد المتغيرات الرئيسية التي تفسر توجه أوروبا نحو تطوير العلاقات مع العراق التي تبلغ طاقتها الإنتاجية من النفط الخام حوالي خمسة ملايين برميل يومياً، وهو ما يمثل أولوية لأوروبا مع تصاعد حدة الحرب الروسية-الأوكرانية، وتضرر قطاع الطاقة في أوروبا نتيجة لوقف موسكو إمدادات الغاز لدول المنطقة. وفي هذا الإطار، تعمل دول الاتحاد على تأمين حصة من إمدادات الطاقة من السوق العراقية. وهنا، يمكن تفسير زيارة عدد واسع من القادة الأوروبيين للعراق طوال العامين الماضيين، وكذلك سعي الشركات الأوروبية لضخ مزيد من الاستثمارات في قطاع الطاقة العراقي.

2- تعزيز الدور الإقليمي الأوروبي: لا تنفصل تحركات الدول الأوروبية عن محاولات تعزيز حضورها في المنطقة، وكذلك التأثير على مقاربات الخصوم، وخاصة روسيا، إلى جانب إظهار أوروبا كطرف له مصالح في المنطقة، ولا يمكن التنازل عنها، ويدعم من ذلك الرؤية الأوروبية تجاه بعض الملفات في العراق، على غرار دعم العراق في مواجهة التنظيمات الإرهابية.

3- فتح أسواق لصادرات السلاح: ترتبط التحركات الأوربية حيال العراق بالرغبة في فتح أسواق جديدة لصادرات السلاح الأوروبية، لا سيما في ظل توجه بغداد خلال الأشهر الأخيرة نحو تعزيز القدرات العسكرية للجيش لسد النقص الحاصل نتيجة الخسائر التي حدثت خلال المواجهة مع تنظيم “داعش”. وتجدر الإشارة إلى أن العراق تسعى إلى تطوير المنظومات العسكرية بما في ذلك شراء مقاتلات جديدة وطائرات من دون طيار ومدفعية متقدمة.

4- ضبط عمليات الهجرة غير النظامية: دفعت عمليات الهجرة غير النظامية التي تنطلق من العراق وبعض دول الإقليم إلى أوروبا بسبب الصراعات وتصاعد أعمال العنف، الدول الأوروبية إلى التوجه نحو توسيع نطاق التعاون مع العراق. ورغم استقرار الأوضاع الأمنية نسبياً، إلا أن ظاهرة الهجرة غير النظامية من العراق إلى دول الاتحاد الأوروبي لا تزال مستمرة. وقد تحولت الهجرة غير النظامية إلى قضية محورية، واستحوذت على اهتمام مركزي في أوروبا، خاصةً مع توجه أوروبا نحو دعم برامج تشجيع العودة الطوعيَّة للعراقيين المرفوض طلباتهم في الدول الأوروبيّة، وهو الأمر الذي بات يستلزم رفع مستوى التنسيق بين الاتحاد الأوروبي والسلطات العراقية.

تأمين المصالح

ختاماً،يمكن القول إن التحركات الأوروبية اللافتة تجاه تطوير العلاقات مع العراق، وتعزيز الدعم الأوروبي اقتصادياً وأمنياً وسياسياً للأخيرة، تستهدف بشكل رئيسي تأمين المصالح الاقتصادية لأوروبا، وفي الصدارة منها تأمين واردات القارة من الطاقة بعد التداعيات التي فرضتها الحرب الروسية-الأوكرانية، والتي ربما تستمر خلال المرحلة القادمة، في ضوء تصاعد حدتها وغياب المؤشرات التي تزيد من احتمال الوصول إلى تسوية قريبة لها.