ملفات مترابطة:
دوافع الجزائر للتحفظ على قرار مجلس الأمن 2722

ملفات مترابطة:

دوافع الجزائر للتحفظ على قرار مجلس الأمن 2722



في تطور لافت، أصبح البحر الأحمر في بؤرة الاهتمام العالمي، ليس فقط لقيام الولايات المتحدة الأمريكية وبريطانيا بشن هجمات على المواقع التابعة لمليشيا الحوثيين في اليمن، في 12 يناير الجاري، ولكن أيضاً لأن هذه الهجمات كانت تالية لقرار مجلس الأمن رقم 2722، الصادر في 10 من الشهر نفسه، بتأييد 11 عضواً، وامتناع 4 أعضاء عن التصويت على القرار، هم: روسيا، والصين، وموزمبيق، والجزائر.

وإضافة إلى تأكيد القرار على “إدانة الهجمات التي قامت بها مليشيا الحوثيين على السفن التجارية وسفن النقل في البحر الأحمر”، فهو يأتي ليُحيط علماً بحق الدول الأعضاء في “الدفاع عن سفنها ضد الهجمات، بما في ذلك التي تقوض تلك الحقوق”، وهو الأساس التي استندت إليه الولايات المتحدة الأمريكية وبريطانيا في الهجوم على مليشيا الحوثيين.

والمُلاحظ أن الجزائر لم تكتفِ بالامتناع عن التصويت بالنسبة لقرار مجلس الأمن، ولكنها فضلاً عن ذلك أعربت عن “القلق البالغ والأسف جراء القصف الأمريكي البريطاني، الذي طال عدة مدن في اليمن”، وذلك في بيان لوزارة الخارجية الجزائرية، في 12 يناير الجاري، بما يؤشر إلى أن هناك دوافع تستند إليها الجزائر في موقفها ذاك.

من أهم هذه الدوافع، تأتي المحاولة الجزائرية للربط بين هجمات الحوثيين في البحر الأحمر، وبين الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة، وأيضاً من منظور التماهي مع الموقفين الروسي والصيني في مجلس الأمن من القرار، إلى جانب التأكيد على ضرورة الحل السياسي للأزمة اليمنية.

عوامل رئيسية

تتعدد العوامل التي تستند إليها الجزائر في امتناعها عن التصويت على “إدانة الهجمات التي يشنها الحوثيون”، وذلك كما يلي:

1- الربط بين هجمات الحوثيين والحرب في غزة: ففي كلمته أمام مجلس الأمن، خلال جلسة التصويت، قال عمار بن جامع، الممثل الدائم للجزائر في الأمم المتحدة: “لا يُمكن تجاهل المشاعر التي أُثيرت في العالمين العربي والإسلامي، بسبب الانتهاكات في غزة، والتي أودت بحياة أكثر من 23 ألف شخص، على مدار 3 أشهر”.

وإضافة إلى إشارة بن جامع إلى أن قرار الجزائر في الامتناع عن التصويت يأتي “تفادياً للارتباط بنص يتجاهل 23 ألفاً من الأرواح المفقودة في غزة”، فقد أكد في كلمته على أن “الوفد الجزائري عمل بشكل نشط مع مُقدمي مشروع القرار، حتى يتسنى لمجلس الأمن النظر في الرابط البديهي بين هجمات الحوثيين على السفن التجارية، المارة في البحر الأحمر، وبين ما يحدث في غزة منذ 3 أشهر”.

2- عدم الأخذ بالشواغل الرئيسية للوفد الجزائري: أبدى الممثل الدائم للجزائر في الأمم المتحدة أسفه لعدم أخذ مجلس الأمن الاهتمام الكافي بالشواغل الرئيسية التي أبداها الوفد الجزائري بخصوص القرار، مؤكداً أن هذه الشواغل تتعلق بالحذر من “تبعات أي تدخل عسكري في المنطقة، وتحديداً في اليمن”.

واللافت أن ممثل الجزائر في المنظمة الدولية كان قد اعتبر أن “أي تدخل في اليمن، يُمكن أن يحمل في طياته عدداً من المخاطر، من شأنها القضاء على الجهود الأممية الحثيثة لتهدئة التوترات في المنطقة”، مُضيفاً أن مثل هذا التدخل “قد يحمل تقويض الجهود التي بذلتها الأمم المتحدة في السابق، وخاصة من المبعوث الأممي هانس جروندبرج”.

3- رفض تلويح القرار بالتدخل العسكري في اليمن: يأتي الامتناع الجزائري عن التصويت على قرار مجلس الأمن، كنتيجة لما يتضمنه من التلويح بإمكانية التدخل العسكري في اليمن، خاصة أن البند الرئيسي في القرار ينص على “حق الأعضاء في الأمم المتحدة، وفقاً للقانون الدولي، في الدفاع عن سفنها من الهجمات”.

وقد اعتبرت الجزائر أن هذا البند بمثابة دعم لعملية “حارس الازدهار”، التي تُمثل قوة عمل بحرية متعددة الجنسيات بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية. ولعل هذا ما تبدّى بوضوح في بيان وزارة الخارجية الجزائرية، في 12 يناير الجاري، إزاء الضربات الأمريكية البريطانية على أهداف لمليشيا الحوثيين في اليمن، وهو البيان الذي وصف هذه الضربات بأنها “تصعيد خطير”، سيؤدي إلى “تقويض الجهود التي بذلتها الأمم المتحدة ودول المنطقة، من أجل إيجاد حل للصراع في اليمن”.

4- التماهي مع الموقفين الروسي والصيني: يتماهى الموقف الجزائري بالامتناع عن التصويت على قرار مجلس الأمن، مع الموقفين الروسي والصيني، فضلاً عن موقف موزمبيق أيضاً. ومثلما أرادت روسيا التي اقترحت ثلاثة تعديلات على القرار، من بينها أن من بين العوامل التي تُساهم في التوترات “الصراع في قطاع غزة”، لكنها لم تنجح في إضافة هذه التعديلات، فقد توافقت الجزائر مع روسيا، ليس فقط في الامتناع عن التصويت، ولكن أيضاً في الربط بين هجمات الحوثيين على السفن في البحر الأحمر، وبين ما يحدث من حرب على غزة.

5- التأكيد على الحل السياسي للأزمة اليمنية: إضافة إلى ما تضمنه بيان الخارجية الجزائرية جراء الضربات الأمريكية البريطانية على أهداف حوثية في اليمن، خاصة الإشارة إلى أن الحوثيين “هم طرف أساسي في المعادلة السياسية اليمنية”، فقد ذكّر بن جامع، الممثل الدائم للجزائر في الأمم المتحدة، في كلمته أمام مجلس الأمن، بدور المفاوضات الأخيرة بين المملكة العربية السعودية والحوثيين، في بعث “الكثير من الآمال بالمنطقة، مع فتح آفاق جديدة لتسوية النزاع اليمني”.

وكما يبدو، فقد عبَّر بن جامع عن رؤية الجزائر بضرورة “الحوار السياسي” لتسوية الأزمة اليمنية، خاصة في تأكيده على أهمية هذه المفاوضات “بشأن احتمال حل الصراع في اليمن”، فضلاً عن إشارته إلى “ضرورة الحوار السياسي لحل الأزمة”.

مقاربة مستقرة

في هذا السياق، يُمكن القول إن الامتناع الجزائري عن التصويت، على قرار مجلس الأمن رقم 2722، في الوقت الذي يتوافق فيه مع رفض الجزائر أي تدخل عسكري في اليمن، هو في الوقت نفسه يأتي للتماهى مع مجموعة مواقف لقوى دولية، على غرار روسيا والصين، ودول أفريقية مثل موزمبيق.

ورغم ما يعتبره البعض من أن الجزائر في موقفها هذا تتوافق أيضاً مع إيران، خاصة في محاولة ربط هجمات الحوثيين بما يحدث في غزة؛ فإن اللافت أن الموقف الجزائري هذا كان قد عبر عنه الرئيس عبد المجيد تبون، في 3 يناير الجاري، في مؤتمر صحفي مع رئيس سيراليون، جوليوس مادا بيو، الذي كان يزور الجزائر، حيث صرح تبون بأن “الجزائر وسيراليون، باعتبارهما عضوين غير دائمين في مجلس الأمن، سيعملان سوياً على دعوة مجلس الأمن لتحمل مسئولياته القانونية والأخلاقية تجاه الظلم التاريخي للشعب الفلسطيني”، بما يعني أن الجزائر تسعى إلى تأكيد أن مواقفها ترتبط بأولويات سياستها الخارجية تجاه القضايا الرئيسية في المنطقة، ولا سيما القضية الفلسطينية.