تثبيت الشراكة:
دوافع الاهتمام الروسي بالدور الإقليمي للجزائر

تثبيت الشراكة:

دوافع الاهتمام الروسي بالدور الإقليمي للجزائر



في إطار وضع دولي متأزم، وبشكل غير معهود، تتزايد تصريحات الإشادة بالعلاقات الثنائية بين الجزائر وبعض القوى الدولية، سواء من الولايات المتحدة الأمريكية أو من الحليف الاستراتيجي للجزائر (روسيا). وفي حين تأتي التصريحات الأمريكية في خضم الصراع مع روسيا بخصوص أوكرانيا؛ فإن الدخول الروسي على خط الإشادة بالجزائر له عدد من الدوافع التي تجتمع معاً في مسألة “تثبيت الشراكة” بين الجانبين، بما يعنيه ذلك من دلالات سياسية تتمحور حول الدور الإقليمي للجزائر وأهميته بالنسبة إلى روسيا.

خلال مراسم تسلمه أوراق سفيرها الجديد بموسكو إسماعيل بن عمارة، في 20 سبتمبر الجاري، أشاد الرئيس الروسي فلاديمير بوتين بالجزائر، بقوله: “إن روسيا تدعم الخط المتوازن الذي تنتهجه الجزائر في الشئون الإقليمية والدولية”؛ مؤكداً أن “الجزائر هي ثاني أكبر شريك تجاري لروسيا في أفريقيا، من حيث التجارة”. تصريحات بوتين الداعمة للجزائر لم تكن هي الوحيدة التي صدرت على المستوى الدولي، ومن قوة عظمى؛ لكن كانت هناك أيضاً تصريحات أخرى من القوة العظمى المُقابلة (الولايات المتحدة الأمريكية).

إذ لم تكد تمضي ساعات على التصريح الروسي حتى جاءت تصريحات باربرا ليف مساعدة وزير الخارجية الأمريكي لشئون الشرق الأدنى، في 21 سبتمبر الحالي، لتثني على الدبلوماسية الجزائرية، مشيرة إلى أن “الجزائر شريك قوي للسلم والاستقرار في المنطقة والقارة الأفريقية”.

أهداف رئيسية

كانت تصريحات باربرا ليف قد جاءت بعد لقائها وزير الشئون الخارجية الجزائري رمطان لعمامرة، على هامش أعمال الدورة 77 للجمعية العامة للأمم المتحدة. وفي السياق نفسه، كان لقاء لعمامرة مع نظيره الروسي سيرجي لافروف، لبحث سبل تطوير العلاقات الروسية-الجزائرية؛ وجاء بيان وزارة الخارجية الروسية، عقب اللقاء، ليؤكد على أن “الحوار السياسي القائم على الثقة والتعاون الروسي الجزائري متعدد الأوجه، ويتطور وفقاً لنص إعلان الشراكة الاستراتيجية بين البلدين، منذ 4 أبريل 2001”.

واللافت أنه رغم محاولة الدخول الأمريكي على خط السياسة الخارجية الجزائرية؛ إلا أن الاهتمام الروسي بالعلاقات مع الجزائر يتزايد، على الأقل مما يبدو من مستوى التمثيل في اللقاءات والتصريحات. ولعل هذا الاهتمام يعود إلى عددٍ من الأهداف الاستراتيجية، أهمها ما يلي:

1- تعزيز التحالف الاستراتيجي والتعاون العسكري: يؤكدما جاء في بيان وزارة الخارجية الروسية، في 24 سبتمبر الجاري، عقب لقاء لافروف ولعمامرة، من الإشارة إلى أن التعاون الروسي-الجزائري يتطور وفقاً لنص “إعلان الشراكة الاستراتيجية بين البلدين”، على الاهتمام الروسي بتعزيز هذه الشراكة، من حيث اعتبار الجزائر شريكاً استراتيجياً في منطقة المغرب العربي وشمال أفريقيا. وفي إطار هذا الاهتمام، يأتي التأكيد الروسي على تعزيز التعاون العسكري مع الجزائر، حيث تعتبر الأخيرة “ثالث” مستورد للسلاح الروسي، كما تعتبر موسكو أول ممول للجيش الجزائري بنسبة تقارب 70 بالمائة من قدراته التسليحية.

ويبدو الاهتمام الروسي بتعزيز التعاون العسكري مع الجزائر جلياً في توالي زيارات المسئولين العسكريين الروس إلى الجزائر؛ حيث زار الجزائر رئيس الهيئة الفيدرالية الروسية للتعاون العسكري التقني ديمتري شوغاييف، في 25 مارس الماضي، وكذلك كانت زيارة رئيس لجنة الدفاع والأمن في المجلس الفيدرالي الروسي فيكتور بونداييف، في 17 مايو الماضي، لبحث التعاون العسكري ين البلدين، والتدريبات العسكرية المشتركة المُقررة في نوفمبر القادم.

2- توثيق العلاقات الاقتصادية بين الدولتين: تحرص موسكو على توثيق علاقاتها الاقتصادية مع الجزائر، وتأكيد الشراكة التجارية معها؛ ويبدو ذلك من خلال تصريح الرئيس الروسي بأن “الجزائر هي ثاني أكبر شريك تجاري لروسيا في أفريقيا، من حيث التجارة”. وأثناء زيارة وزير الخارجية الروسي إلى الجزائر، في 10 مايو الماضي، أكد لافروف على أن “حجم التبادل التجاري بين البلدين خلال السنة الماضية (2021)، بلغ 3 مليارات دولار”، بعد أن كان حجم هذا التبادل 4.5 مليارات دولار في عام 2019. وكشف لافروف عن اهتمام الشركات الروسية بتطوير علاقاتها مع الشركاء الجزائريين، في مجالات مختلفة كالطاقة، والتعليم، والصناعة الصيدلانية، وغيرها. هذا فضلاً عن التنسيق الروسي-الجزائري داخل منظمة “أوبك”، و”منتدى الدول المصدرة للغاز”، فيما يتعلق بإنتاج النفط والغاز.

3- تفعيل الدعم السياسي الجزائري لموسكو: يأتي الاهتمام الروسي بالدور الإقليمي الجزائري، كما على مستوى منطقة الساحل والصحراء، كنوع من تفعيل الدعم السياسي الجزائري لموسكو في إطار الأمم المتحدة، وهو الدعم الذي عبرت عنه الجزائر في موقف الحياد الذي تبنته إزاء الحرب الروسية-الأوكرانية، وهو ما اتضح في عدم تصويت الجزائر على إقصاء روسيا من مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة، وكذلك الامتناع عن التصويت على مشروع القرار الذي تقدمت به الولايات المتحدة الأمريكية والدول الأوروبية، لإدانة الغزو الروسي لأوكرانيا.

4- مواجهة الضغوط الأمريكية على الجزائر: جاءت الزيارة التي قام بها وزير الخارجية الروسي سيرجي لافروف إلى الجزائر، في 10 مايو الماضي، رداً على زيارة نظيره الأمريكي أنتوني بلينكن إلى الجزائر، في 30 مارس الماضي؛ ومن ثم فإنها تعد بمثابة رسالة إلى واشنطن مفادها استمرار العلاقات بين روسيا والجزائر، بل واتجاهها نحو مزيد من التعاون والتنسيق المشترك سياسياً واقتصادياً وعسكرياً.

فقد كان من أهداف زيارة بلينكن سعي واشنطن للحصول على ضمانات للالتزام بالاتفاقات الموقعة مع الأوروبيين فيما يخص إمدادات الغاز، ومحاولة الضغط على الجزائر لتعديل سياستها الخارجية، سواء على المستوى الدولي بخصوص روسيا، أو فيما يتعلق بدخولها على خط عدد من الأزمات في منطقة شمال أفريقيا، كالأزمة الليبية وأزمة الصحراء الغربية.

دلالتان سياسيتان

في تصريحات بوتين، لم يكتفِ الرئيس الروسي بالإشادة بالعلاقات مع الجزائر، ولكنه أضاف أنه “في مارس احتفلنا بالذكرى 60 لتأسيس العلاقات الدبلوماسية، ودعونا الرئيس تبون لزيارة روسيا”. وبحسب وسائل إعلام جزائرية، ومنها صحيفة “الشروق”، فإن الزيارة من المرجح أن تتم في شهر ديسمبر القادم، وسوف تتضمن “التوقيع على وثيقة التعاون الاستراتيجي بين البلدين”، في خطوة من شأنها أن تعزز العلاقات بين البلدين.

مثل هذا الاهتمام الروسي بالتعاون الاستراتيجي مع الجزائر، وبدورها الإقليمي، له دلالتان سياسيتان هما:

1- الموافقة الضمنية على الغاز الجزائري كبديل لأوروبا: منذ اندلاع الأزمة الأوكرانية، وقيام الولايات المتحدة الأمريكية والدول الأوروبية بالتصعيد ضد موسكو، وفرض عقوبات عليها؛ تزايد الاهتمام الأوروبي بالجزائر، عبر توالي زيارات المسئولين الأوروبيين، وفي مقدمتهم الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، الذي قام بزيارة الجزائر، في 25 أغسطس الفائت، في محاولة لاستقطاب الجزائر أوروبياً من أجل الغاز، تعويضاً عن الغاز الروسي.

إلا أن الأرقام تشير إلى صعوبة هذا التعويض؛ وبحسب موقع بوابة أفريقيا الإخبارية، في 22 مايو الماضي، نقلاً عن مسئول سابق في شركة سوناطراك الجزائرية؛ فإن الجزائر تصدر في أحسن الأحوال ما بين 20 إلى 30 مليار متر مكعب إلى إيطاليا، ونحو 12 ملياراً أخرى إلى البرتغال وإسبانيا، وكميات أخرى أقل إلى فرنسا وتركيا واليونان؛ أي إن ما تصدره الجزائر سنوياً إلى أوروبا يفوق 42 مليار متر مكعب من الغاز الطبيعي بقليل، بينما بإمكان أنبوب روسي واحد أن يضخ هذه الكميات.

ورغم ذلك، فإن أوروبا في حاجة إلى الغاز الجزائري، وبالتالي فإن العلاقة المتميزة للجزائر مع موسكو لن تثير حفيظة أوروبا لهذا السبب. ومن جانب آخر، يبدو أن الرؤية السياسية الروسية تتمحور حول الجزائر لتكون ممولاً بديلاً لروسيا بخصوص الغاز؛ فهي لن تغطي احتياجات القارة الأوروبية ككل، وفي الوقت نفسه هي كحليف استراتيجي لروسيا أفضل كثيراً من دول أخرى تنتمي للمحور الذي تقوده الولايات المتحدة الأمريكية.

2- التفاهمات حول أهمية دور الجزائر في الملفات الإقليمية: تعتبر الجزائر حلقة رئيسية في سياسة روسيا المغاربية، بل والأفريقية، ليس فقط للاعتبارات الأيديولوجية القديمة التي تميز العلاقات الروسية-الجزائرية، بل تتعدى ذلك إلى التلاقي حول تفاهمات مشتركة بخصوص الأزمات المثارة في شمال أفريقيا، ومنطقة الساحل والصحراء، بما يعنيه من الاهتمام الروسي بالدور الإقليمي للجزائر، في أزمات دول جوارها الجغرافي، مثل ليبيا ومالي.

ففي ليبيا، تلعب الجزائر دوراً كبيراً من حيث إنها تُعد من أهم الفواعل الداعمة لغرب ليبيا. وهنا تتلاقى مع روسيا التي لها تواجد ونفوذ في قاعدة الجفرة الجوية بوسط ليبيا، إلى جانب إقليم فزان الواقع جنوب غرب ليبيا، وذلك من خلال شركة فاجنر. وفي مالي، تمكنت موسكو مؤخراً من انتزاعها من دائرة النفوذ الفرنسي، خاصة بعدما قامت باماكو بإنهاء اتفاق التعاون العسكري مع باريس، والتعاون مع قوات فاجنر الروسية. ونظراً لما تتمتع به الجزائر تاريخياً من دور وتأثير في مالي، فإنها تعد أحد ملفات التفاهم بين الجانبين.

محور استقطاب

في هذا السياق، يمكن القول إن تسابق التصريحات المشيدة بالجزائر، بين موسكو وواشنطن، بشأن دورها الإقليمي، أو على المستوى الدولي الخاص بأوروبا؛ يؤشر إلى أن الجزائر تتجه لأن تكون محور استقطاب بين روسيا والولايات المتحدة الأمريكية، مما يجعلها في موضع صعب، قد يهدد خياراتها المستقبلية.

يتبدى هذا بملاحظة الموقف الأمريكي الذي أشاد بالعلاقات الثنائية مع الجزائر، وجاء رداً على مزاعم السيناتور الأمريكي ماركو روبيو، الذي طالب الإدارة الأمريكية، في 17 سبتمبر الحالي، بفرض عقوبات على الجزائر بسبب تعاملاتها العسكرية مع موسكو. وفي المقابل، يأتي تصريح بوتين بأن بلاده تدعم الخط المتوازن للجزائر، بما يعنيه من أن أي تغيير في هذا الخط المتوازن، يمكن أن يتسبب في “انقلاب” روسيا عليها؛ لأن حياد الجزائر لن يبقى إلى الأبد، وستجد نفسها مضطرة للاختيار.

وبالتالي، يبدو أن المخرج الجزائري يتلخّص في الاعتماد على “البراجماتية” السياسية في تعاملها مع أطراف الصراع، بخصوص الأزمة الأوكرانية، دون الضرر بمصالحها.